استضاف محمد الإبراهيمي في حلقة جديدة من برنامج “ضيف الشاهد” الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي عمر احرشان لمناقشة أهداف التعديل الحكومي الأخير ومآلاته المستقبلية.

في الجزء الأول من حواره، اعتبر احرشان أن كل ما يرتبط بالحكومة؛ تشكيلا أو تعديلا أو إسقاطا، ليس تحولا نحو الديمقراطية، فهو ليس شأنا شعبيا على الإطلاق، والشعب المغربي يعي أن المشكل في المغرب لا يرتبط بالحكومة.

وفند إحرشان، من أوجه عدة، الأساس الذي قيل إنه تم الاعتماد عليه في تشكيل الحكومة المغربية الجديدة والذي هو الكفاءة. وأبرز الأهداف غير المعلنة لهذا التغيير على بعد حوالي سنة ونصف من الانتخابات المقبلة.

وكشف أن التعديل الحكومي أصبح، منذ 1999 تقريبا، تقنية سياسية يستعملها المخزن في منتصف كل ولاية حكومية بهدف إرباك الحكومة والحيلولة دون إحرازها مساحات سياسية معتبرة.

وأكد أن المؤسسة الملكية في المغرب لا تريد أن تتخلص من الطبيعة التنفيذية ولكنها تريد أن تتخلص من كل ما يرتبط بالمسؤولية.

نظرا للأهمية التي يكتسيها الحوار، سينشره موقع الجماعة.نت كاملا على حلقتين. ونضع الحلقة الأولى بين أيديكم.

خلال شهر انصبت تدويناتكم على الاستحقاقات الانتخابية بتونس بدل التعديل الحكومي الذي كان مرتقبا. لماذا؟

اهتمامي بالشأن التونسي كان بالفعل أكثر، لكنه يندرج في إطار بحثي دراسي بالدرجة الأولى في علاقة مع مجموعة من مراكز الدراسات والأبحاث، ويأتي في إطار اهتمام أوسع بعملية التحول الديمقراطي، والتي يعتبر الهدف منها هو إيجاد نموذج للانتقال خارج الوصفات التي تأخذ بعدا “عولميا”؛ هل يمكن أن نجد نموذجا/”براديغم” للانتقال نحو الديمقراطية يراعي الخصوصيات العربية، كما كانت هناك موجة في أمريكا اللاتينية وفي جنوب أوربا وشرق آسيا؟

الاهتمام بالشأن التونسي مسألة عادية جدا، لأن هناك مخاضا سياسيا يمكن أن يفرز ديمقراطية أو فقط سلطوية من نوع جديد.

ما يرتبط بالحكومة ليس تحولا نحو الديمقراطية، مسألة تشكيل حكومة أو تعديلها أو إسقاطها ليست شأنا شعبيا على الإطلاق، بدليل أن المجتمع المغربي غير مهتم به نهائيا، ثم لو كان شأنا عاما وعموميا لما أحيط بهذه السرية، لأنه خلال مدة شهرين ونصف تقريبا، وهي مدة المشاورات، لم يصدر ولا تصريح صحفي واحد رسمي من طرف الحكومة حول مشاورات التعديل الحكومي، رغم أنه قيل الكثير وسرب الكثير.. وهذا اختبار لمدى احترام المغاربة وحقهم في المعلومة، مع العلم أن هناك قانون الحق في المعلومة، فبالتالي الشعب لا يهتم بالتعديل الحكومي لأنه يعي بأن المشكل في المغرب لا يرتبط بالحكومة على الإطلاق.

طالع أيضا  د. احرشان: مخرجات العملية الانتخابية مؤسسات ضعيفة ومشتتة وخاضعة

هذه الحكومة رقم 32 أو 33 فلا يمكن أن يبقى المغاربة للمرة 33 مهتمون بحكومة من هذا الشكل. لذلك لم أهتم به بما يستحق في حينه من الناحية السياسية لأنها ليست حدثا سياسيا والشعب غير معني به على الإطلاق لأن المشكل أو الحل ليس في الحكومة.

حسبما سُرب أعطى رئيس الحكومة اقتراحات ورفضت، ثم أعطى أخرى قبل أن يتم الاستقرار على التشكيلة التي تم الإعلان عنها، ما هي أهداف هذا التعديل الحكومي غير المعلنة؟

حتى المعلنة تنطوي على جانب غير معلن.. الداعي الأساس إلى تعديل الحكومة هو الكفاءة.. والكفاءة طبعا غير مرتبطة بالتقنوقراط، لأن الأصل أن الحكومة ذات طبيعة سياسية يجب أن تتكون من سياسيين، والسياسي لا يعني دائما بأنه ليس كفؤا. في المخرجات شرط الكفاءة في التعديل الحكومي لا يمكن، لأن الكفاءة ترتبط بالتخصص ونحن لا نتوفر على هذا، ستلاحظ أن هناك محاميا وزير شغل، ورجل تعليم وزير عدل.. هناك مشكل في هذا المعيار.

الأمر الثاني؛ الكفاءة إن لم تكن مرتبطة بالتخصص فالمفروض أن ترتبط بالمشروع السياسي أو البرنامج السياسي، الآن نحن أمام تعديل سياسي يستلزم وجوبا مراجعة البرنامج الحكومي ثم ثانيا عرض هذا البرنامج الحكومي لنيل ثقة البرلمان، لأنه تعديل سياسي؛ شخص – حزب – كان جزءا من الحكومة وذهب إلى المعارضة، الوضع الطبيعي الآن أن يكون في حالة تناقض إن لم يصوت على هذا البرنامج. والبرنامج الحكومي لم يتغير على الإطلاق.

الأمر الثالث؛ هو أنه إن لم يكن هناك تخصص ولا برنامج حكومي فيجب أن تظهر في آخر محطة السياسات العمومية والتي هي قانون المالية، سنكون الآن أمام حالة تناقض كبيرة إذ أنه هناك حكومة جديدة ستبدأ مرحلة جديدة بكفاءات جديدة ولكن الذي أعد مشروع قانون المالية، الذي كل ما سيطاله في مرحلة البرلمان هو تعديلات، هي الحكومة القديمة.

الأمر الرابع الذي سيُظهر بالفعل إن كانت هناك كفاءة أم لا هو الشخص؛ المصداقية مرتبطة بطبيعة الشخص وبطبيعة النموذج الذي يقدمه “البروفيل”، الحكومة الجديدة لا تزال تضم عددا من الوزراء الذين راكموا الإخفاق، وعدد منهم راكم الفضائح، وآخرون قيل بخصوصهم كلام في تقارير..

طالع أيضا  مائة يوم من الاستبداد المحض

مع وجود هذه التناقضات والاختلالات ماذا يريد النظام المغربي؟

التعديل الحكومي أصبح، منذ 1999 تقريبا (النسخة الثانية من حكومة اليوسفي)، تقنية سياسية يستعملها المخزن في منتصف كل ولاية حكومية، سواء مع جطو أو عباس الفاسي أو بنكيران أو العثماني، هدفها بالأساس هو إرباك الحكومة، لأنها تصبح منشغلة بنفسها أكثر من انشغالها بالمجتمع أو بتنزيل برنامجها.

الهدف الثاني هو فرملة الحكومة، فحتى إن حققت الحكومة بعض الإنجازات وأصبحت تربح مساحات سياسية، لأن “ميكانيزنمات” الاشتغال السياسي عندنا فيها سلطة تنفيذية برأسين؛ الملك سلطة تنفيذية والحكومة جزء من السلطة التنفيذية، فيتم فرملتها بهذا التعديل.

الهدف الثالث، وهو مهم جدا، هو إشغال الرأي العام؛ أحيانا بواسطة قضايا اجتماعية بسيطة تستهدف نوعا معينا من شرائح المجتمع، ويجب أن تثار قضايا أخرى تؤدي نفس الغرض، والكلام عن الإعفاءات تم انطلاقه منذ أحداث الحسيمة تبعه تصريح الداودي حول المقاطعة ثم وزيرة معينة عندما ستصبح رئيسة جهة الداخلة.. إلى غير ذلك، لذلك فالموضوع استغرق على الأقل نحو سنة.

الهدف الرابع؛ هو هدر الزمن السياسي، فيصبح بدون معنى، لأن الحكومة تنصب في زمن غير معقول للإنجاز.

الهدف الخامس من الأهداف غير المعلنة؛ هو التخلص التدريجي من الطابع السياسي للحكومة، فنصبح أمام حكومة تقنوقراط، أو سياسيين أقرب إلى المتخصصين التقنوقراط.

ثم الهدف الأخير وهو خروج الملك من دائرة المسؤولية وتحميلها للحكومة، وهذا يلاحظ في الخطاب وفي أمور أخرى.

هناك من يقول أن هذا التعديل تدبير وقائي تفاديا لارتفاع نسبة المقاطعة في انتخابات 2021، وذلك باستقدام وزراء جدد وتصحيح ما يمكن تصحيحه، وإعطاء صورة إيجابية للمواطن المغربي خلال ما تبقى من عمر الحكومة، خصوصا مع النقاش الذي ساد حول الانتخاب الإجباري. ما رأيكم؟

نسبة المشاركة في الانتخابات لم تعد رهانا بالنسبة للدولة على الإطلاق، ربما كان في لحظة سابقة، الرهان الآن واضح وهو عدم تصدر العدالة والتنمية الانتخابات. الهدف من التعديل الحكومي كرهان حالي، إضافة إلى الرهان الاستراتيجي السابق، هو أن يتضح بأن الحكومة ليست هي أي شيء ولا كل شيء في المغرب، وأن الفاعل الأساس في المشهد السياسي هو الملك؛ قبيل خطاب العرش وفي تصريح عبر العثماني عن رضاه عن حكومته وأدائها، وبين عشية وضحاها يأتي خطاب الملك ويتحدث عن التعديل، فيصبح التعديل وكأنه واجب الوقت، وهذا يظهر أن الفاعل الأساس هو الملك. تمر مدة فيستدعي الملك العثماني لاستفساره حول مشاورات التعديل، الملك هو الفاعل. من تلقاء نفسه، أي بدون أي إلزامية دستورية، رئيس الحكومة يتشاور مع القصر حول الهندسة الحكومية، هذا يبين أن الآمر الناهي هو الملك..

طالع أيضا  د. احرشان: يراد للحكومة أن تكون ضعيفة وغير منسجمة.. يرأسها العدالة والتنمية ولا يسيرها

(يقاطعه المحاوِر) هناك من يقول أن الملك ضاق ذرعا بكونه مؤسسة تنفيذية، وهذا يضعه في بعض الأزمات التي تجعله موضع مساءلة، فلاحظنا أن الملك أصبح مستهدفا في بعض الحراكات الاجتماعية بسبب هذه الاختلالات، يقولون أن الملك يحاول بهذا التعديل أن يجعل من الحكومة سلطة حقيقية أكثر مما كانت عليه في الفترات السابقة كسلطة تدبيرية.

الملكية في المغرب لا تريد أن تتخلص من الطبيعة التنفيذية، وهذا ليس جديدا فالملكية التنفيذية هي كلام للملك، ويقال أنها لا تتعارض مع كونها ملكية برلمانية وأن هناك خصوصية، وهذا قيل في آخر الحوارات مع مستشار للملك.. كل ما هنالك أن الملكية تريد أن تبقى حريصة على طبعها التنفيذي وتتخلص من كل ما يرتبط بالمسؤولية، لذلك سنلاحظ أن الملك في خطابه الأخير تكلم عن البرلمان على أنه سلطة تشريع ومراقبة وتنظر في السياسات العمومية ومراقبة السياسات العمومية، ولكن لم يتحدث عن السياسة العامة التي هي الاستراتيجية العامة للدولة، بما يعني مراقبة الحكومة لا مراقبة الملك.

فلا يستساغ منطقا وبأدوات التحليل المتعارف عليها أن الملكية تريد أن تتخلص من الطبيعة التنفيذية، هي تريد أن تتخلص من شق المسؤولية، وإلا فمن يقول أن هذه مرحلة جديدة أو عهدا جديدا أو هناك زلزال سياسي ويلزمنا نموذج تنموي؟ الملك هو الذي يحدد هذه الأمور، فبالتالي التشخيص والاقتراح والسياسة العامة يضعها الملك، يبقى هامش للحكومة ولكن يتدخل فيه أيضا الملك.

انتظروا الجزء الثاني من الحوار.