بقلم: عبد لفتاح باوسار

الانكسار التاريخي: باب الفتنة

لقد أحجمنا ونحن نتحدث عن الانكسار التاريخي، عن الحديث عن حدَثين آخرين لم تكن أهميتهما بأقل مما ذكرنا من اغتيال سيدنا عثمان رضي الله عنه، ابتداءً، وانتقال الخلافة إلى سيدنا معاوية بن أبي سفيان، الذي اعتبر أول ملك في الإسلام، ثم توريثه إياها لابنه اليزيد، تحت قرع السيوف، انتهاءً.

والملاحظ أن إحداهما سابقة، والأخرى لا حقة:

أما الأولى فهي اغتيال سيدنا عمر بن الخطاب الخليفة الثاني لرسول الله صلى الله عليه و سلم، والذي اعتبر حدث اغتياله باب الفتنة.

قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ فقلت: أنا أحفظه كما قال، قال هات لله أبوك إنك لجريء.

قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

قال عمر: ليس هذا ما أريد، إنما أريد الفتن التي تموج كموج البحر.

قلت: مالك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابا مغلقا.

قال: فيكسر الباب أو يفتح؟

قلت: لا بل يكسر.

قال: ذلك أحرى ألا يغلق أبدا حتى قيام الساعة.

قال أبو وائل الراوي لحذيفة: هل كان عمر يعلم مَن الباب؟

قال حذيفة: نعم، كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط. قال أبو وائل: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب فقلنا لمسروق: سل حذيفة من الباب؟ فقال مسروق لحذيفة: من الباب؟ قال حذيفة: عمر.

إذا بموت سيدنا عمر فتح باب الفتنة على الأمة، لكن السؤال هنا ما الذي ذهب بذهاب الفاروق رضي الله عنه؟

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة - درس من التاريخ - (3)

يحكي ابن سعد في الطبقات أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لسلمان: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر -بَكَى- 1.

وعن سفيان بن أبي العوجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم، قال قائل: يا أمير المؤمنين! إن بينهما فرقاً، قال ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقاً ولا يضعه إلا في حق، فأنت بحمد الله كذلك. والملك يعسف (يظلم) الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا، فسكت عمر! ـ 2.

إذًا، وبإضافتنا للنصين السابقين ما عرف به الخليفة الثاني من شدة في الحق، وقيام لنصرة المظلوم… نستطيع القول أن ما ذهب، أو بالأحرى فتح باب ذهابه هو “العدل”.

بل وبالنتيجة يمكننا الجزم بأسبقية العدل حتى على الدولة، وَلهذا يروى “أن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة”.

أما الحدث الثاني “اللاحق” فهو استشهاد ثاني السبطين، سيد شباب أهل الجنة: الحسين الذي قام رضي الله عنه ضدا على يزيد بن معاوية والذي كان، كما اشتهر في كتب التاريخ، فاساقا، فاجرا، عُرف -أكثر ما عرف- بالجور والعدوان…

قال الإمام الحسين رضي الله عنه، في خطبة تبين دوافع خروجه، بعد حمد الله والثناء عليه عز و جل،

“أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (5)

ألا إن هؤلاء لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن… وأنا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلكم، فلكم في أسوة. وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكير… فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم والسلام”. 3

ونذكر كذلك أن يزيد، بعد وفاة أبيه معاوية بن أبي سفيان، كتب إلى الوليد بن عتبة: “أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير أخذا شديدا ليس فيه رخصة حتى يبايعوا، والسلام”. 4

لقد قتل الحسين رضي الله عنه شر قتلة، قال ابن عماد الحنبلي رحمه الله تعليقا على ما حدث “وعلى الجملة، فما نقل عن قتلة الحسين والمتحاملين عليه يدل على الزندقة وانحلال الإيمان من قلوبهم وتهاونهم بمنصب النبوة…”.  5

إذن: بموت سيدنا عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين، ذهب مشمول الخلافة وهو العدل، وبعد اغتال ذي النورين عثمان بن عفان ثم سيدنا علي، وتنازل ابنه الحسن رضي الله عنه عن الحكم لمعاوية سيذهب مبناها وأساسها (خاصة بعد تولي اليزيد بالوراثة)، وهي الشورى.

أما بعد ما فُعل بالحسين رضي الله عنه، فقد ذهبت روحها وهو العمل للشرع لا للنفس، وبالشرع لا بالأهواء، يقول العلامة ابن خلدون في المقدمة وهو يُعَرّف الخلافة “الخلافة: حَمْل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخورية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة. فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به…”.

نعود لنقول: إن ما حدث من اغتيال وفتن وقلاقل بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحول أمر الأمة من خلافة على منهاج رسول الله الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك.. خاصة بعد تولي غلمان بني أمية الحكم بالوراثة وما نتج عنه من تمزق جماعة المسلمين وتشتتها فرقا ومذاهب، وهو ما يعني ٱنفراط عقد الأمة الإسلامية… كان له نتائج على المستوى العلمي الخاص بالشخصية الإسلامية الوارثة (وهو ما سنركز عليه لاحقا في مقالاتنا التالية).

طالع أيضا  كيف لنا بثقافة تنتصر لقضايا المستضعفين والأمة؟

[1] ابن سعد الطبقات الكبرى 3/306.
[2] ابن سعد.
[3] الكامل في التاريخ 1/18 لابن الثير.
[4] البداية والنهاية لابن كثير 8/146.
[5] شذرات الذهب 1/68.