بقلم: محمد منار

شيء إيجابي في التعديل الحكومي الأخير يتمثل في تقليص عدد أعضاء الحكومة من 39 إلى 24 عضوا. وسيكون من المهم تكريس هذا الأمر في التشكيلات الحكومية المقبلة، بل المطلوب أن يكون عدد أعضاء الحكومات المقبلة أقل من 24 وزيرا، إذا علمنا أن هناك دول يتجاوز عدد سكانها عدد سكان المغرب بكثير، ومع ذلك لا يتجاوز عدد وزرائها 20 وزيرا. لكن هذا الشيء الإيجابي لا يمنع من تسجيل مجموعة من الملاحظات الجوهرية بخصوص التعديل الحكومي الأخير، من ذلك:

أولا: ترتبط أهمية التعديل الحكومي بأهمية الحكومة، وأهمية مكانتها في النسق المؤسساتي، وأهمية تحديدها للسياسات العمومية وتدبير تلك السياسات. فإذا كانت هناك الكثير من المؤشرات تدل على أن الحكومة بالمغرب تبقى إلى حد بعيد محكومة بتوجيهات فوقية وبأوراش كبرى، فإن تعديلا حكوميا في هذا المساق لا يقدم ولا يؤخر، بل يمكن أن يؤخر كما سنرى.

ثانيا: ارتبط الحديث عن التعديل الحكومي بتعزيز الحكومة بالكفاءات المناسبة لمرحلة جديدة. ولا يعرف الرأي العام على أي أساس تم اعتبار الملتحقين بالحكومة، والمستمرين فيها، يتوفرون على تلك الكفاءة المطلوبة، خاصة وأخطاء بعض الوزراء وسوء تدبيرهم لبعض الملفات لم يمنع من استمرارهم في الحكومة. وفي المقابل لا يعرف الرأي العام على أي أساس تم اعتبار الوزراء المغادرين للحكومة لا يتوفرون على الكفاءة المطلوبة.

ثالثا: الحديث عن مرحلة جديدة يبقى حديثا غامضا ومبهما، إذ ليس هناك إلى حدود الساعة أي معالم للمرحلة الجديدة. مما يجعل الحديث عن الكفاءة المطلوبة لهذه المرحلة مجرد يافطة لحسابات معينة

رابعا: هل الوقت مناسب لهذا التعديل الحكومي؟ الذي لم يقتصر على تغيير في الوزراء وإنما شمل تعديلا كبيرا في الهيكلة الحكومية. فالإنجاز الحكومي، كما هو معلوم، يتطلب، بالإضافة إلى شروط أخرى، نوعا من الاستقرار الحكومي خلال مدة الولاية الحكومية. ولنا أن نسأل أين هو هذا الاستقرار، فبعد ٦ أشهر من “البلوكاج”، تم تشكيل الحكومة برئاسة العثماني، وبعد التشكيل تطلب الأمر بعض الوقت للتعرف على القضايا والملفات، ثم كان إعفاء بعض الوزراء بطريقة يمكن أن نطرح عليها أكثر من ملاحظة من منظور إداري ودستوري، ليأتي الانشغال بالتعديل الأخير لما يزيد عن شهرين، وتضمن التعديل تغييرات في الهيكلة الحكومية ستتطلب لاشك وقتا ليس بقصير للتأقلم معها، لنصل إلى السنة الأخيرة في الولاية الحكومية، التي يطغى عليها، كما هو معهود، الانشغال بالإعداد للانتخابات على حساب ملفات اجتماعية واقتصادية. أين هو الاستقرار الذي يعتبر من شروط الإنجاز. أم أن الإنجاز يراد له أن يُربط دائما بجهات أخرى؟

طالع أيضا  المغرب السياسي المعاصر.. الثابت والمتغير (2)

خامسا: تحدث دستور 2011 عن الحكومة باعتبارها “السلطة التنفيذية”، لكن إلى أي حد تؤكد مسطرة التعديل الحكومي هذا الأمر؟ هل رئيس الحكومة هو من اتخذ مبادرة التعديل الحكومي؟ وهل هو من اختار وقت هذا التعديل؟ وهل كانت له الكلمة الأولى في شكل التعديل ومضمونه؟ وهل هو مقتنع فعلا على أن هناك دواع تستوجب التعديل؟.. أسئلة يجيب عليها الكثير ممن تتبع شأن التعديل الحكومي بالنفي…. الأمر الذي يؤكد أن الحكومة في المغرب لا تزال عبارة عن جهاز تدبيري بعيدة كل البعد عن “السلطة” التنفيذية.

سادسا: تسعة وزراء، أي ما يزيد عن ثلث أعضاء الحكومة، يبقون محصنين عن المساءلة السياسية من قبل الشعب، لأنهم ببساطة لا ينتمون إلى أي من الأحزاب السياسية المشكلة للأغلبية. أليس في استمرار هذه الظاهرة تناقضا واضحا مع ما أقره دستور ٢٠١١ من ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ أليس فيه المزيد من التحقير للأحزاب السياسية؛ إذ أن “كفاءاتها” لا تصلح أبدا لإدارة بعض القطاعات؟ بل أليس في ذلك تهريب للقرار الحكومي إلى جهات أخرى، ما دام أولئك الوزراء يشكلون أكبر كثلة في الحكومة؟

ملاحظات وغيرها تؤكد أن التعديل الحكومي جزء من لعبة ضبط وترويض الأحزاب السياسية ونخبها… وجزء من لعبة صناعة الانتظار الضروري للاستمرار…. ليس المقصود طبعا استمرار الحكومة.