تعليقا على حملة الإعفاءات الجديدة التي طالت العديد من أطر جماعة العدل والإحسان في وزارة التربية والتعليم، قال الدكتور أحمد بوعشرين الأنصاري بأن توالي الانتهاكات الحقوقية بشكل مكثف يجعلنا “أمام سؤال السبيل الناجع للتصدي لهذه الانتهاكات”، منبها إلى أنه “التنديدات والبيانات والأشكال التضامنية الظرفية أصيبت بتخمة وتضخم من حيث تعددها”.

هذه الحالة رآها الفاعل السياسي والمدني تعكس “ارتباك وتخبط قوى الممانعة وأحرار وحرائر وطننا في مواجهة هذه المتتاليات الحسابية بالتعبير الرياضي لعدد هذه الانتهاكات”، ليتساءل “هل تكفي فقط لجان هنا وهناك للتضامن مع أصحاب البيوت المشمعة أو مع ضحايا الإعفاءات أو مع معتقلي الحراكات المجتمعية أو مع معتقلي الرأي في الصحافة…؟”، معتبرا  أننا أمام “سؤال وجودي لكينونة الحق في العيش حرا وآمنا وحالما بوطن يسع الجميع، وبدولة ديمقراطية مدنية تعكس إرادة المجتمع وخياراته، وبتداول فعلي على السلطة، وباستقلال للقضاء وسموه، وبدستور ديمقراطي تتوازن من خلاله السلط وتنمحي فيه بنية السلطوية”. مشددا على أنه أمام عدم الاعتكاف على جواب شامل لمقتضيات السؤال “ستظل ماكينة السلطوية تزحف على مساحات الحقوق والحريات ولن تكتفي بالإجهاز على الحقوق السياسية والاجتماعية الكبرى بل ستمتد إلى أبسك الحقوق المتعلقة بالعيش الآمن في حدوده الدنيا”.

وعرج الباحث السياسي على عرض الخاصيات الأساسية لظاهرة السلطوية؛ مذكرا بأنها “تضيق ذرعا حتى بالقوانين التي تبنتها وشرعتها كلما كانت هذه القوانين معيقا أمام شرهها السلطوي اللامحدود، فتتمرد عليها ويصبح القانون قانونها في الميدان”، موضحا أنها –السلطوية- “لا تقنعها المؤسسات حتى وإن كانت محضرة وفق توجهها” وإنما ما يقنعها هو “المزاج العام الذي يحكم نظرتها للمجتمع وللناس ولبنية الحكم؛ فإذا توافقت المؤسسات مع مزاجها العام فذاك هو المطلوب لديها، وإذا تفارقت استدعت مؤسساتها الخاصة اللامرئية التي لا يسلط عليها ضوء الدستور والقانون لتشغلها في الظلام وتنتج من خلالها قراراتها العمومية”.

طالع أيضا  في وقفة الرباط.. لفيف من الفاعلين الحقوقيين يستنكرون الإعفاءات ويفضحون خلفياتها

واسترسل مُبيّنا أن السلطوية أيضا “تعشق الكواليس ولغة التعليمات والتخلص من كل نسق مؤسساتي قد يحاسب فعلها وتصرفها وقراراها العموميين”، معتبرا أن السلطوية “هي من فصيلة جنس الاستبداد، لكن ليست هي الاستبداد بعينه. فهي قد تتسلح بالمؤسسات لفرض تعليماتها… وقد تستدعي انتقائيا كل تأويل للقانون يخدم أجندتها في تنزيل سياستها ومواجهة خصومها… وقد تعاند بشكل سادي كل توجهات الرأي العام… بل وقد تجعله رأيا خاصا بينما توجه مناصريها هو الرأي العام وهو الشعب وهو الإرادة العامة”.

السلطوية، بحسب الأنصاري دائما، داء قوي التأثير على محيطه وعلى الجسم المجتمعي الضعيف في ممانعته، وهي ذي “طبيعة متعدية، ليس في قاموسها التداولي مصطلحات التوافق والحوار وحسن الإنصات والاستماع… في المقابل لها قاموسها الخاص في التصنيف وفي أحكام القيمة”. السلطوية تعتدي وتنتعش بالاعتداء وتحيا شرايينها بالإحساس بانتصاراتها على كل خصم أو عدو ولو كان ميكروسكوبي البنية، هي لا تستأذن في اعتدائها بل تمضي مسطرة استهدافاتها الاعتدائية، يضيف محاورنا.

وشدد في نهاية حديثه عن السلطوية وخصائصها بالقول بأن “السلطوية هي نظام ومنهج، لا تتركز في شخص بل تتوزع اختصاصات انتهاكاتها للحقوق والحريات على كل مؤسساتها الخاصة والعامة، حتى إذا وقع الانتهاك توزعت آثار الضحايا على كل هذه المؤسسات فلا تجد حينها من ستعتبره مسؤولا على هذا الانتهاك أو ذاك لأن كل من مؤسساتها ونظامها له حظ متناغم ومنهجي في انتهاك معين”.

مستحضرا هذه الخصائص والطبيعة، نبه بوعشرين إلى أن السلطوية في المغرب تواجه “أصوات الحرية وقوى الممانعة بشكل منهجي(systématique)”، وشدد على أن الطريق نحو “الوقوف بشكل ناجع في وجه سياساتها الانتهاكية للحقوق وللحريات وللمال العام وللمسؤوليات العمومية بدون محاسبة ولسمو الإرادة الشعبية، هو تكتل استراتيجي ومتين من حيث منطلقاته وأجندته النضالية يجمع كل هذه القوى والأصوات الحرة وأحرار الوطن، وإلا فستلتهم هذه السلطوية بشره سادي كل خصومها فردا فردا وتنظيما تنظيما وبشكل منهجي يستحيل فيه توجيه أصبع المسؤولية على جهة أو شخص أو مؤسسة معينة”.

طالع أيضا  ملاحظات بخصوص التعديل الحكومي