أن تكون مواطنا آمنا في سربك، مطمئنا لما أنت عليه وفيه، تتحرك في أرض الله بأريحية تامة، وتتعامل مع الجهات الإدارية بشكل عادي، تحمل همّ أسرتك وعيالك فتتحرك طلبا للعمل وسعيا في الرزق، وتحمل معك هَمّ من حولك وأحوال أمتك كيف ترتقي وتمسك مصير عزتها، ثم فجأة ودون سابق إنذار، ولكن بترصد وإصرار يكشفه الزمن والأحداث، تجد نفسك في قبضة الأمن مغلول اليدين، مرمي بك وراء القضبان، لتتلقى الصدمة القاسية الظالمة: حكم بالسجن النافذ لـ10 سنوات. فهو الأمر الأقرب إلى الحكي والقصص منه إلى الواقع والحقيقة.

لكن الحقيقة الماثلة اليوم أن هذا المواطن “المفترض” أمضى 9 سنين كاملة متنقلا بين سجون الوطن، فارق فيها الزوجة المحتسبة الصابرة، وكبر في غيابه الأطفال الصغار، وتوفيت أمه المكلومة دون أن يسمح له بوداعها ودفنها وتلقي العزاء فيها، وتصرم عقد من الزمن من عمره بسبب إرادة متسلطة وسلطة مستبدة أغواها جبروتها المتوهم بتصفية الحساب مع انتماء دعوي وفكري وسياسي ينتمي إليه الرجل ويؤمن به.

عمر محب.. هو ذاك المواطن المغربي الذي مسه هذا الضر، الشاب المقبل على الحياة الطموح الآمل في المستقبل، قبل أن تنزل السلطة المغربية بقرارها فبركة للملف وإصدار للحكم.

3 و15 أكتوبر يومان يحمل كل منهما ذكرى لاعتقال الأستاذ عمر محب عضو جماعة العدل والإحسان بمدينة فاس، المحكوم عليه بـ10 سنوات سجنا نافذة في ملف سياسي فارغ من الناحية القانونية، قضى منها اليوم (2 أكتوبر 2019) 9 سنوات من السجن الظالم.

الاعتقال الأول فكان في 15 أكتوبر 2006، في سياق سلسلة التضييقات والاعتقالات التي طالت أعضاء جماعة العدل والإحسان منذ 24 ماي من نفس السنة، حيث اعتقلت السلطات المحلية بفاس محب، بينما كان يتهيأ لإقامة معرض تجاري في ساحة عامة بوسط المدينة، بناء على مذكرة بحث مزعومة صادرة في حقه منذ سنة 1993 في موضوع مقتل الطالب آيت الجيد، في الوقت الذي كان يعيش على مرأى ومسمع من الجهات الرسمية طيلة هذه المدة، بل على علاقة إدارية دائمة – في إطار عمله التجاري وكذا المعارض التي يُنظمها – مع السلطات بفاس.

طالع أيضا  عمر محب: محنة رجل وأزمة وطن

وبعد إتمام إجراءات التحقيق والمحاكمة صدر عن غرفة الجنايات الابتدائية بفاس قرار بتاريخ 11 شتنبر 2007 قضى بإدانته من أجل جناية القتل العمد ومعاقبته بعشر سنوات سجنا نافذا.

بعد ذلك، عدلت غرفة الجنايات الاستئنافية في قرارها الصادر بتاريخ 18 دجنبر 2007 القرار الابتدائي وذلك بتخفيض العقوبة إلى سنتين حبسا نافذا بعد إعادة تكييف التهمة على أنها جنحة المساهمة في مشاجرة ارتكب أثناءها عنف أفضى إلى موت.

وبعد قضاء السيد عمر محب سنتين كاملتين بسجني فاس وصفرو في ظروف لا إنسانية تعرض فيها عدة مرات للتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الحقوق القانونية، غادر السجن بتاريخ 15 أكتوبر 2008.

لكن، ولأن الدولة المغربية لم تشفي غليلها كاملا، ألغى المجلس الأعلى بتاريخ 29 أكتوبر 2008 هذا القرار الاستئنافي بناء على الطعن بالنقض المقدم من المتهم ومن النيابة العامة معا، وأعاد القضية من جديد أمام غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس التي أصدرت بتاريخ 23/04/2009 قرارها القاضي بتأييد القرار الجنائي الابتدائي. وهو القرار الذي أصبح نهائيا بعد أن رفضت محكمة النقض الطعن الذي تقدم به الدفاع.

وأما الاعتقال الثاني فكان في 3 أكتوبر 2012 لتنفيذ حكم غرفة الجنايات الاستئنافية الذي أقرته محكمة النقض والقاضي في حقه بعشر سنوات نافذة يقضيها إلى حدود هذه الساعة خلف قضبان الظلم.

ويتعرض المعتقل السياسي محب منذ اعتقاله الأول إلى كافة ألوان التضييق حيث تعرض في 2 يوليوز 2007 لاعتداء شنيع من قبل موظفي سجن بوركايز بمدينة فاس، مما نتج عنه أنه أصبح يعاني من دوار مستمر في الرأس، والتلعثم في الكلام، وعدم القدرة على التركيز بسبب الضرب الفظيع التي تلقاه على مستوى الرأس، هذا ناهيك عن الآلام الحادة التي يعاني منها على مستوى الكتفين والرجلين. ولم تجد الشكاية التي وجهها الأستاذ محب إلى السيد وكيل الملك لدى ابتدائية فاس ولا المراسلات التي بعث بها إلى مجموعة من الجهات الرسمية ومنها المندوبية السامية لإدارة السجون والمجلس الوطني لحقوق الإنسان…

طالع أيضا  تناقضات الشاهد المُزوِّر التي كلفت عمر محب 10 سنوات سجنا (1/5).. في سياق الأحداث

وبتاريخ 29 فبراير 2016 منعته إدارة سجن بوركايز من زيارة الطبيب المعالج، المختص في جراحة الدماغ، معرضة بذلك حياة السيد عمر محب للخطر الداهم نتيجة تدهور حالته الصحية تدهورا خطيرا على نحو يستدعي مراقبة طبية مستمرة من لدن طبيب مختص. ولم يتم السماح له بزيارة الطبيب المختص في أمراض الدماغ والأعصاب، إلا بعد توجيه شكاية في الموضوع إلى السيد المندوب العام للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج في شهر أبريل 2016.

وبتاريخ 19 يوليوز 2016 أقدمت إدارة السجن المحلي بوركايز بفاس على ترحيل المعتقل السياسي السيد عمر محب إلى سجن رأس الماء دون مبرر، ودون سابق إشعار. وقد تم تجريده أثناء عملية الترحيل من العديد من أغراضه، من قبيل الكتب، المراجع الدراسية، الأفرشة، بعض الألبسة، موصل كهربائي، تلفاز وغيرها.

وبعد نقله إلى السجن الجديد، تم إيداعه في زنزانة انفرادية ضيقة لا تتوفر على أبسط الشروط الضرورية للحياة، على نحو لا يتناسب وظروفه الصحية. إذ الأكيد أن الترحيل اتخذ كإجراء عقابي في مواجهة محب دون وجود ما يبرره، بدليل الظروف التي واكبت إجراءات الترحيل والطريقة المستفزة والمهينة التي تعامل بها حراس السجن معه، علما أنه لم يصدر أي مقرر تأديبي بذلك عن اللجنة التأديبية المنصوص عليها في المادة 53 من القانون رقم 23.98. ورغم أن توزيع السجناء على السجون ينبغي أن يراعي مجموعة من الاعتبارات من بينها سكنى عائلة السجين وحالته الصحية البدنية والعقلية، عملا بمقتضيات المادة 29 من القانون 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية.

معاناة محب مع الأمراض بسبب الإهمال المتعمد ستتكرر أواسط يناير من هذه السنة؛ إذ ستكشف زوجه ثم هيئة تحريره أن الرجل يعاني “آلام حادة في الرأس وغيبوبات متكررة يفقد معها جزءًا من ذاكرته” مع عدم التأخر غير المفهوم في “تحديد موعد لإجراء الفحص المطلوب داخل المستشفى العمومي”، فضلا عن عدم السماح بعرضه على مصحة خاصة لإجراء الفحص بالأشعة لأن هذا لا يسمح به في القانون المنظم للمؤسسات السجنية حسب ما زعمته الإدارة.

طالع أيضا  د. سلمي: نستغرب سجن عمر محب بسبب أحداث لم يحضرها

في خضم هذه المحنة، ولدت منحة، بل منح، حيث نال الرجل ما قد يعجز غيره عن نيله خارج المحبس، حيث ارتقى بنفسه إلى درجات مشرفة في طلب العلم، بحصوله على شواهد علمية مشرفة في مجالات مختلفة، إضافة إلى علاقته بكتاب الله حفظا وضبطه للعلوم الشرعية، ثم منح ربانية أخرى قوت عزائمه، وخففت من آلام الظلم الذي لاقاه وما زال داخل محبسه.

“تجربة سنة من السجن أوقفتني على حجم الظلم المسلط على هذا الشعب في السجن كما خارجه.. لا قيمة للإنسان ولا كرامة، وكيف يُتصور الحديث عنها في السجن وهي مُفتقدة خارجه..”؛ عبارة للسيد عمر محب، من حوار أجراه معه موقع الجماعة نت، بمناسبة مرور سنة واحدة فقط على سجنه. فكيف يكون الحال اليوم والرجل وراء قضبان الجلاد تسع سنين كاملة.