حمل مفهوم “القوة” في العلوم الاجتماعية والسياسية دلالات متعددة تداخلت مع مفاهيم أخرى من قبيل القدرة والسلطة والإكراه والجبر والقهر وغيرها. ومن التعاريف التي أعطيت لهذا المفهوم، وأعتقد أنها مناسبة لسياق هذا المقال، اعتبار القوة تلك “القدرة التي تمكن من السيطرة على الناس والضغط عليهم ورقابتهم للحصول على طاعتهم والتدخل في حريتهم وتوجيه جهودهم إلى ناحية معينة” 1. ويرتبط هذا النوع من القوة بمفهومين أساسيين هما السلطة (pouvoir) والنفوذ (influence)، كما أن ممارستها من قبل من يملكها، فردا كان أو جماعة، تقتضي بالضرورة حرمان الآخرين من حقوقهم وحرياتهم لجعلهم مضطرين للخضوع إن رغبوا في الاستفادة منها. وترتهن هذه الوضعية بامتلاك مصادر القوة والحفاظ عليها ومنعها من الآخر وإغلاق سبلها في وجهه ليدوم إذعانه واستسلامه.

ويظهر مما سبق أن القوة ببعديها المادي (الخشن) والأيديولوجي (الناعم) تكتسي أهمية قصوى في أية مواجهة في العالم الطبيعي والحياة البشرية معا. وقد سعى الإنسان منذ بدايات وجوده إلى امتلاكها وتطوير أدواتها وقدرتها على التأثير والإخضاع. ومع انفتاح المعرفة أمام العقل البشري وتراكم تجربته وخبرته في الحياة تطور مفهوم القوة وأخذ أبعادا جديدة وابتكر  الإنسان لها وسائل متجددة. ومن تجليات هذا التطور الذي طال هذه القدرة عند الإنسان تعاظم أهمية القوة الناعمة 2 وتطور وسائلها بصورة هائلة.

وقد سعى الإنسان باستمرار إلى امتلاك القوة لفرض ذاته وتحقيق مصالحه والدفاع عنها. واعتبر التفاوت في التوفر على أدواتها والقدرة والنجاعة على توظيفها محددا أساسيا للتفوق والهيمنة، وهذا ما أثار عدوانية الإنسان ونزعات التسلط لديه. وهو ما خلق أيضا، في كثير من الأحيان مآسي ومعاناة للجنس البشري دوَّنها سِجِّلُّ التاريخ البشري خلال كل مراحل حياته. وتفصح التجربة التاريخية للإنسان عن دروس وعظات مهمة، منها ما دونته كتب الحكماء ومقولاتهم ومنها ما بقي مبثوثا في ثنايا الوقائع والأحداث التي تتكرر على الدوام في صور متجددة لكن بجوهر حقيقي واحد.

طالع أيضا  روح الاستبداد

فهل امتلاك القوة ووسائلها كفيل وحده بحسم الصراع مع الخصم أو العدو وفرض الهيمنة؟ أم أن هذه القوة قد تكون مدخلا للهزيمة والانكسار؟

قد يجيب متعجل أن هذا أمر مفروغ منه فالمدخل الأساس لحسم أي صراع هو امتلاك القوة وتوظيفها. لكن مكر التاريخ ينبئنا بغير ذلك، فدروس الصراع بين بني البشر غنية ومُعَلِّمة. وسأقتصر في هذه المقاربة المركزة على درس واحد في سياق الحديث عن مفهوم القوة وعلاقته بتدبير الصراع. هذا الدرس أسميه “فخ القوة”. ذلك أنه بقدر ما تكون القوة ضرورية وحاسمة في أي صراع سواء في حالة الهجوم أو حالة الدفاع، إلا أنها قد تكون في نفس الوقت مدخلا للهزيمة والانكفاء. فما المقصود ب “فخ القوة” وما هي أسبابه وتجلياته وانعكاساته ومخلفاته؟

هناك بعدان لأي صراع، بعد استراتيجي وبعد تكتيكي، ولكل منهما سياقاته وأدواته وأهدافه ومقتضياته.. ومن حسن تدبير أي صراع إدراك الأطراف فيه لطبيعته وتحديد سياقاته وامتداداته وحاجاته. وأي إخلال بهذه المعرفة وأي خلل في تقديرها والتعاطي معها قد يكون مدخلا للخسارة والانهزام، إن لم يكن بوابة للحسم والإنهاء.

وقد تحدث القرآن الكريم عن “فخ القوة” وعرض تجليات متعددة لهذا المفهوم؛ كانت أجلاها وأشدها وضوحا صور الطواغيت والمستبدين الذين يغريهم طيشهم واعتدادهم بقوتهم على التمادي في الاعتداء على حقوق الناس وحرياتهم بل استعبادهم وإخضاعهم. فكان هذا الطيش بمثابة استدراج رباني للطاغية ليكون عبرة لغيره وتعبيرا عن سنة الله جل وعلا في خلقه. ومن أكثر النماذج التي عرضها القرآن الكريم وركز عليها نموذج فرعون الذي بلغ طغيانه مداه ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، حتى صورت له نفسه المريضة أنه إله وأن لا قوة تستطيع قهره فتجرأ على القول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾  فكان هذا مدخلا رئيسا لهلاكه، يقول الله عز وجل: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.

طالع أيضا  الربيع العربي في مواجهة النفاق الدولي

تكررت قصة “فخ القوة” خلال التاريخ البشري في صور متعددة ونماذج مختلفة ﴿كَدَأْبِ آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين﴾. وقد كشفت تجربة الربيع العربي خلال السنوات الأخيرة هذه الحقيقة حيث رأى الناس في وضح النهار مستبدين بلغ طيشهم مداه فقال أحدهم لشعبه “من أنتم؟” وخاطبهم آخر بقوله فاتكم القطار. فكانت عاقبة الظلمة أن سود الله وجوههم وانتقم منهم شر انتقام وجعل سيرتهم عبرة لأولي الألباب. 


[1] J.W.V. Zandes ; Sociology ; john wiley and sons ; N Y 1975 ;  p502.
[2] القوة الناعمة  Soft power)): مفهوم صاغه جوزيف ناي من جامعة هارفارد لوصف القدرة على الجذب والضم دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع. في الآونة الأخيرة، تم استخدام المصطلح للتأثير على الرأي الاجتماعي والعام وتغييره من خلال قنوات أقل شفافية نسبياً والضغط من خلال المنظمات السياسية وغير السياسية.