إن الثورات في حياة الشعوب لحظات تاريخية تفصل بين عهدين، وتأتي بالتعبير الاجتماعي السياسي بعد صعود موجة شعبية تقودها طليعة ثورية إلى معاقل النظام القديم وكسره وإبادته. الثورة في حياة الشعوب “لحظة ساخنة” من التاريخ تعيد صياغة المجتمع بعد أن تصهره في أتون الغضب الشعبي والحرب الأهلية. تأتي طليعة ثورية أو قيادة محترمة بمشروع يكشف عيوب النظام القائم، ويقترح بديلا له، وينتقد، ويعد، ويوقد الحماس الغضبي. ويتصاعد الغضب إلى درجة الغليان، وتكتسح الجماهير خلف القيادات الثورية الشارع حتى يسقط النظام المكروه.

وبعدئذ ينتصب الغاضبون بالأمس ليوظفوا الطاقات التي أثاروها في تحقيق مشروعهم. وغالبا ما تكون الثورة مقدمة لتحول تاريخي حقيقي يكون له الأثر الكبير في تغيير مجرى التاريخ المحلي والعالمي، كما أثرت ثورة فرنسا وروسيا وإيران القريبة العهد.

ويسمي الانقلابيون العسكريون انقضاضهم على السلطة ثورة أيضا. بعض الشعوب، مثل شعوب أمريكا الجنوبية منذ أكثر من قرن، ومثل الشعوب العربية والإسلامية منذ أربعين عاما، مسرح لمسلسلات من “الثورات” العسكرية. بعض العسكريين من العرب والمسلمين يعتمدون على تنظيم حزبي مسبق له إديولوجيته ووعوده وأحلامه كما هو الشأن في حالة الانقلابات البعثية. وبعضهم ينبثق عن خلايا “الضباط الأحرار” تقودهم شخصية قوية ذات طموح كما كان الحال في مصر حين أطاح عبد الناصر، العبد الخاسر، بفاروق ونظامه.

الانقلابية في أمريكا الجنوبية وبلاد العرب والمسلمين أصبحت سمَةً ملازمة وأفقا لا يمكن تجاوزُه فيما يبدو. خلّف العبد الخاسر نظاما في ضباط الجيش من أوفيائه وتلامذته، يتلو بعضهم بعضا على منصة الحكم في انقلابية مستمرة. وخلف حسني الزعيم في سوريا منذ أربعين عاما تقليدا انقلابيا مكن النصيرية من احتلال جهاز الدولة وتسخيره في استعباد الشعب المسلم.

وتتسم الانقلابية العسكرية، أيّاً ما كان أصلها التنظيمي وإديولوجيتها، بطابع الفردية والاستبداد…

طالع أيضا  مركزية القرآن في تفكيك بنية الاستبداد عند ذ. عبد السلام ياسين

تتمة كلام الإمام عبد السلام ياسين على موقع ياسين نت.