·      إشارة:

نشير في هذا المقال إلى أهمية الأخلاق في سلوك المؤمن والمؤمنة من خلال ما خطه الإمام رحمه الله تعالى حتى لا يظن الظان، أن تبتله وعبادته وعلمه وصلاحه يغنيه عن جمع مكارم الأخلاق، وامتلاك النفس، وتطهيرها من غضبيتها وشهواتها وأنانيتها. وليعلم كل منتسب لدعوة العدل الإحسان أن غياب مكارم الأخلاق والتحلي بها في سلوكه مانع له من المشاركة في تطبيب أدواء المجتمع، بل قد يحرم من خير الانتساب إلى هذه الدعوة المباركة المقتفية لخطى رسول الله عليه الصلاة والسلام، الحاملة لشعار “وإنك لعلى خلق عظيم” و”كان خلقه القرآن” و”بُعِثت لأتمم مكارمَ الأخلاق”، و”خياركم أحاسنكم أخلاقا”.

·      سؤال للاهتبال بالأخلاق والمروءة

ما مقام الأخلاق من الدين؟ هل الأخلاق جزء من الدين؟، هنا يطرح الإمام رحمه الله تعالى الأسئلة الآتية لبيان أهمية الأخلاق في الدين:

 “هل لنا من سَنَدٍ شرعي في الاهتِبال بالأخـلاق والمروءة؟

 لا! بل هل في الإسلام -أصلحك الله- إلا ما يحث على الأخلاق والمروءة والاهتبـال بهما و«بمعدنهما» المحتَمَل؟” 1 إذن ما من أمر في الإسلام إلا ويدعو للأخلاق. فالأخلاق ليست جزءا من الدين بل هي رأس الدين وكماله كما سنرى بإذن الله.

·      مائة وثمانية وعشرون بابا مرصعة بالأحاديث النبوية الموصية بحسن الخلق.

لإظهار أهمية الأخلاق في الدين، وبأنها رأس الدين، يسرد الإمام رحمه الله تعالى أبواب الحديث التي ورد فيها الحث على الأخلاق في قوله، “أسرد بعض أبواب “كتاب الأدب” من البخاري لنرى أهمية الخلق والمروءة في الدين. والأدب جزء لا يتجزأ من الإسلام، لذلك تفرد له دواوين الحديث كتابا خاصا إلى جانب كتاب الصلاة وكتاب الإيمان وكتاب الصيام إلى آخر شعب الإيمان.

قال البخاري: باب البر والصلة، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، باب لا يجاهد إلا بإذن أبَوَيْه، باب عقوق الوالدين من الكبائر، باب فضل صلة الرحم، باب من وصل وصله الله، باب رحمة الولد وتقبيله، باب حسن العهد من الإيمان، باب الساعي على الأرملة، باب الساعي على المسكين، باب فضل من يعول يتيما، إلخ.

مائة وثمانية وعشرون بابا مرصعة بالأحاديث النبوية الموصية بحسن الخلق.” 2

فمنطلق الإمام كعادته في كل مكتوباته، الكتاب والسنة، وهاهو هنا رحمه الله تعالى، يسرد كل الأبواب الواردة في مصنفات الحديث الشريف الدالة على اهتبال الشرع بالأخلاق ومخالطة الناس بالحسنى.

·      ضيق الخلق لا يؤهل العبد للدعوة وإن كان عابدا متبتلا

يؤكد الإمام رحمه الله أهمية الأخلاق في حياة المؤمن والمؤمنة في الدعوة إلى الله، إذ لا يمكن لمن يتصف بضيق الخلق، ولا يمتلك فضيلة الحلم، وينعدم لديه اللين والوجه الباش، أن يسهم في تطبيب أمراض المجتمع، وإن كان هذا المؤمن أو تلك المؤمنة على تبتل وصلاح وعبادة، لأن ضيق الخلق يخرم كل تلك المقامات الحميدة فـ “من نقصت أخلاقا وسعةَ صدر وحِلما كانت في الدعوة كالجندي المبتور الأعضاء في ساحة القتال. مهما كان علمها فضيق خلُقها يحُطها عن درجة الأهلية. متدينة متبتلة عابدة قانتة صالحة في نفسها ضيقة بالناس، هذه لا تنتظري منها أن تتجند معك لتطبيب أمراض المجتمع، ونشر بشارة الإسلام، والصبر على مخالطة الناس وأذاهم.

طالع أيضا  المنهاج النبوي والتيارات الفكرية المعاصرة

رأس الخُلق الكامل امتلاك النفس، وقمعها تحت طائلة التقوى.” 3.

فلا قيمة للعلم والصلاح مع انعدام الأخلاق الحميدة. ولا كمال للمؤمن والمؤمنة مع نقص في الأخلاق وجفاء في المعاملات، فمهما بلغا من تدينهما وعبادتهما وصلاحهما، فلا يؤهلان لدعوة الناس ومخالطتهم والصبر على آذاهم، لذلك جعل الإمام رأس الخلق الكامل امتلاك النفس وترويضها على الإحسان للناس والصبر على آذاهم. كما كانت من وصايا المصطفى عليه الصلاة والسلام الملحة التحلي بحسن الخلق، ومخالطة الناس بالحسنى. وبالخلق الحسن يتميز المؤمن الصادق، عن المسلم المدعي فـ “الخلق الحسن معيار أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة، وأوصى به، وألح في الوصية كي لا يظن المسلمون أن الله يقبل تدينا رهبانيا “سماويا” حتى يكون تعاملنا مع الناس في الأرض مقوَّما بقيم أهل الأرض.” 4

·      رجال الخلافة الثانية يتحلون بالأخلاق الفاضلة

نجاح الدعوة رهين بتربية رجال جامعين لمكارم الأخلاق، قامعين لاندفاعاتهم الغضبية، صابرين على الخلق، أقوياء في الحق. لذلك فإن “بناء الدولة الإسلامية الراشدية الثانية يريد رجالا من تلك الطينة الإحسانية القوية، وما عطاء الله لعباده شَحَّ لفراغ خزائِنِه وهو الغني الوهاب. نسأله رجالا وقَّافين عند كتابه بالإرادة الواعية والقصد القاصد الـمُدَبِّر. لا تغلبهم القوة الغضبية، ولا تقصر بهم الهمة عن جمع مكارم الأخلاق” 5..

فلايمكن إحقاق الحق برجال متبتلين صالحين، وأخلاقهم هواء، ومن هنا يضع الإمام شرطا أساسيا في رجال ونساء دعوة العدل والإحسان وهو التحلي بمكارم الأخلاق، فلا مجال لأصحاب الطباع الحادة، ضعيفة الأخلاق في صرح هذه الدعوة المباركة، لأن” صاحب الطبع الحاد الذي لا يصلح للعشرة فعلاجه أن يجنب التنظيم. لأن الاستقرار النفسي شرط أساسي في بناء الجماعة. فأي عنصر يغلب عليه الانفعال يسبب قلق المؤمنين، ويصبح مثبطا ومنفرا. المؤمنون أبرار، والبر حسن الخلق، فمن لا حظ له فيه يستعان بما لديه من خير لكن لا يعول عليه” 6.

·      كلما كملت الأخلاق كمل الدين

طالع أيضا  من كلام الإمام عبد السلام ياسين.. نصوص وتجليات (من أسرار لا إله إلا الله)

يجلي الإمام رحمه الله حقيقة، ربما غابت عن أذهان الكثير وهي أن كمال الدين من كمال الأخلاق وأن أي نقص في الأخلاق هو نقص في الدين، وأن السبيل إلى حسن الخلق هو الصبر، وامتلاك النفس.

“قال تعالى: ﴿َلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. “محمد، 32″ هو سبحانه يعلم، لكن قدَره يظهر على أيدينا في أرض الواقع. إما أن نصبر ونواظب ونتحمل الناس وأذاهم فيكون جهادنا حقا، وإما أن يخوننا الصبر وتعوزنا الأخلاق والمخالقة فتكون دعوانا اسما على غير مُسمى. من الآية نأخذ أن الصبر والجهاد متلازمان. ومن معنى الصبر نأخذ أنه امتلاك النفس. وامتلاك النفس وحملها على مكاره الشهوة والهوى، ومحاب الله ورسوله، رأس الأخلاق. وكمال الأخلاق كمال في الدين.” 7. ويحرص الإمام على بيان أن طريق الدعوة إلى الله، وتحبيب الناس في دين الله هو الأخلاق الفاضلة، لا المظاهر الخداعة، ولا ادعاء الربانية الزائفة، ولا الاغترار بكثرة العلم، أو الحرص على شكل من اللباس، إذ الأصل هو التبشير والتيسير والتحبيب والترغيب. فـ “واحدة تزعم أنها تستمد من النفحات القدسية والأنوار الملكوتية، وواحدة معتزة بثقافتها الإسلامية واطلاعها الواسع، والأخرى حديثة عهد بستر شعرها وارتداء جلباب فضفاض ولُبس جوارب سميكة.

وفي الأخلاق تيبس، وجفاء، وتكبر، وجَدْبٌ ومسغبة في الآداب الإنسانية البسيطة. منفرات معسرات لا مبشرات ميسرات.” 8

·      الدعاء لإخوتك من حسن الخلق

يبين الإمام أن من حسن الخلق دعاءك لإخوانك وأخواتك بظهر الغيب، ففي ذلك دليل على سلامة القلب من كل الأحقاد، وفيه إشارة إلى المحبة التي يكنها المؤمن لإخوانه، ويبلغ هذا الأمر مداه حين يصبح المؤمن والمؤمنة من المواظبين على دعاء الرابطة. “وعلى نهج القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة صار الصحابة رضوان الله عليهم، فكان بعضهم يدعو لبعض عن ظهر الغيب بل في جوف الليل، واعتبروا ذلك من حسن الخلق لأنه دليل على صفاء القلب من الغل لإخوانه ومحبته لهم،” 9.

·      إن من الظواهر البئيسة عند “الملتزمين” و”الملتزمات” فشل زيجاتهم فشلا ذريعا إلا من رحم ربك

يدعو الإمام رحمه إلى الأخذ بيد المقبلين والمقبلات على الزواج لاستكمال فضائل الأخلاق، حتى لا يتعرض هذا الزواج للانهيار في أول امتحان بين الرجل والمرأة، وحتى يكونا على بينة مما يطلب إلى كل واحد منهما حيث «إن من الظواهر البئيسة عند “الملتزمين” و”الملتزمات” فشل زيجاتهم فشلا ذريعا إلا من رحم ربك. ذلك أن الشاب والشابة يظنان أن مظاهر التدين هي المكرمة التي ما فوقها مكرمة. حتى إذا وُضعت مروءة الرجل ومروءة المرأة في امتحان التعامل اليومي انكشف الميدان عن رقاعة وعن خفة عقل وعن سائر ما هنالك من لؤم مرده إلى خسة المعدن أو لغياب التربية أو إليهما معا” 10.

طالع أيضا  تحديات أمام الإنسان الحامل للمشروع التغييري 1/3 .. التحدي السياسي

·      الرسالة من الكلام:

– أن يعلم المؤمن والمؤمنة أن كمال الدين من كمال الأخلاق

-أن يحرص المؤمن والمؤمنة على استكمال مكارم الأخلاق.

-أن يدرك المؤمن والمؤمنة أن تحبيب الناس في الدين ودعوتهم للخير بابه الصبر والتبشير.

– أن يحرص المؤمن والمؤمنة على الدعاء لإخوانهم بظهر الغيب، فذلك دليل صفاء القلب، ومفتاح زيادة المحبة، ويصل الأمر ذروته بالمحافظة على دعاء الرابطة.

-أن يحرص الآباء والمربون على إبراز قيمة الأخلاق في الدين للناشئة، وتربيتهم على التحلي بها.

-أن تعقد دورات تدريبية للمقبلين والمقبلات على الزواج لبيان قيمة الأخلاق في الحياة الزوجية، وتيسير السبل لهم للتحلي بمكارم حسن العشرة.

 

·      من شعر الإمام رحمه الله تعالى: إن كُنتَ بَرّاً جميلَ الخُلْقِ مُصْطَبِراً.

 

قطف 313

 يَا وَارِدا لِحِمَانَا يَبْتَغِي عَمَلاً

حُبّاً لَنا وَوُثُوقاً كامِلا فينا     

إنَّا لَنَقْدُرُ ما تُبْديهِ مِن ثِقَةٍ    

بنا وَأُمْسِيَّةً تُقْضَى بِنادِينا   

فَهَلْ تَأَمَّلْتَ مَا مَغْزَى تَجَمُّعِنَا   

وأنَّنَا بِغَدٍ نَغْشَى الميادينا؟   

مَا جمْعُنا رَبْعُ جَنَّاتٍ مُرَوْنَقَةٍ

نُهْدِي لِزُوَّارِنَا مِنْهَا الريَاحينَا

الأمرُ جِدٌّ وتشمِيرٌ يُكَلِّفُنَا

مُحَاسَبَاتٍ وتحقيقاً أحايينَا

إن كُنتَ بَرّاً جميلَ الخُلْقِ مُصْطَبِراً

فَذَاكَ، أوْلاَ فَلاَ تخْطُرْ بِوَادِينا

صلى الإله على المختار سيدِنا

محمَّدٍ، بِهُدىً مِنْهُ تَأَسِّينَا 11


[1] ياسين عبد السلام، العدل، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2000ص 606.
[2] ياسين عبد السلام، سنة الله، مطبعة الخليج العربي -تطوان سنة: 2005 الطبعة: 1 ص282.
[3] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1996، 2/53
[4]

ياسين عبد السلام، سنة الله، مطبعة الخليج العربي -تطوان سنة: 2005 الطبعة: 1 ص282.

 


[5] ياسين، عبد السلام، الإحسان مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة1998، 2/317
[6] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الشركة العربية للنشر والتوزيع، ط1، 1988    148-149.
[7] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1996، 56/2
[8] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1996ا ،2/46.
[9] ياسين عبد السلام، المؤمن وليلته سنة: 2007 ص26
[10] ياسين عبد السلام، سنة الله، مطبعة الخليج العربي -تطوان سنة: 2005 لطبعة: 1 ص 282.
[11] ياسين عبد السلام، قطوف5، مطبوعات الهلال – وجدة، الطبعة: 1، سنة: 2002، ص11.