استمرارا في تسليط الضوء على تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2018 وما جاء فيه من تعرية للاختلالات التي تعرفها قطاعات حيوية في بلادنا، سنتناول في هاته المادة ما جاء عن كلية الطب بوجدة، ونوجه عناية متتبعي موقع “الجماعة.نت” إلى أننا لا نسلم بما جاء في التقرير بقدر ما نسائل نجاعته وفعاليته ونفاده كغيره من التقارير الرسمية، بل نتجاوز كل هذا إلى التساؤل حول الأهداف التي باتت ترمي إليها هذه التقارير التي ترصد قدرا يسيرا من الفساد المستشري في الدولة، وتغطي على الفساد الأكبر منه، ولا يذهب ضحيته إلا الشعب المقهور بدون ربط لأي مسؤولية بمحاسبة حقيقية تضع حدا للنزيف المستمر:

كلية الطب بوجدة.. نموذج لكارثة التكوين الطبي العمومي!

في الوقت الذي كانت تجري فيه “معركة” ضخمة بين تنسيقية طلبة الطب وبين الحكومة، حول أوضاع التكوين الطبي العمومي المتدهورة، آثرت الجهات المسؤولة إنكار وجود أي أزمة، وفضلت التعنت والتماطل جواباً لمدة خمسة أشهر، قبل أن توقع في النهاية محضر اتفاق مع الطلبة. وفي أثناء ذلك كان قضاة المجلس الأعلى للحسابات يجرون عملية افتحاص لأحد كليات الطب السبعة، و”أتحفنا” تقرير المجلس بمعطيات صادمة تناولت كلية الطب بوجدة، وهي كافية لمعرفة جزء من واقع تكوين أطباء المستقبل، الذين يضع المغاربة أرواحهم بين أيديهم. وللإشارة فهي كلية ذات استقطاب محدود، ومحاولة تخيل الأرقام التي ستكون معبرة عن واقع الكليات ذات الاستقطاب المفتوح ستكون بكل تأكيد مرعبة!

السير الإداري

بلغ عدد الطلبة خلال موسم2017/2018  حوالي ألفي طالب، يشرف على تأطيرهم 82 أستاذاً، ويدير شؤونهم  24 موظفا إداريا. وأطلعنا قضاة المجلس الأعلى أن مجلس الكلية، الذي تناط له مهمة الإشراف على السير العام للمؤسسة، لا يعقد دوراته بصفة منتظمة، فقد “اجتمع مرة واحدة فقط سنة 2014 و2016 و2017، ولم يجتمع قط في سنة 2012″، ناهيك عن أن هذه المجالس تعقد في غالبيتها بغياب أعضائها!

طالع أيضا  د. الريق: تآمر الاستبداد المحلي والاستكبار العالمي سبب أعطاب المنظومة التعليمية

التأطير الجامعي

بلغ عدد الساعات المنجزة خلال السنة الجامعية2017 / 2018 ، كما يتبين من التطبيق المعلوماتي ” VT”  المتعلق بتدبير الدروس والامتحانات، ما يعادل 2.299 ساعة فقط، مقابل 21.024 ساعة تدريس كان يتعين إنجازها بموجب الأنظمة الجاري بها العمل. وهو ما يعني أن نسبة الحصص الزمنية المنجزة لا تصل إلى 11 % من الحجم الكلي للحصص المنصوص عليها في القانون، مما يترتب عنه وجود نسبة تعادل حوالي 18.725 ساعة تدريس غير منجزة! وجدير بالذكر أنه لا يمكن تعويض هذا الفرق في الحصص الزمنية بالوقت المخصص للإشراف على تدريب الطلبة في المستشفى الجامعي، حيث إن “المادة الثامنة من المرسوم رقم 2.98.548 لم تدرج هذا الإشراف ضمن الخدمات التعليمية الأسبوعية، وحصرتها في المحاضرات، والأعمال التطبيقية وكذا الأعمال التوجيهية”.

ويضاف إلى هذا، أن مهام التدريس وإلقاء المحاضرات تسند لأساتذة التعليم العالي المساعدين، الحديثي العهد بالالتحاق بالمؤسسة، في حين أن أحكام المرسوم المنظم، أوكلت لهم مسؤوليتين فقط: المشاركة في الإشراف على الأعمال التطبيقية والتوجيهية فيما يتعلق بالتخصصات السريرية والتخصصات الجراحية.

ورصد تقرير المجلس غياب تقنيي ومحضري المختبرات بالكلية، مما يترتب على ذلك أن “المهام الأساسية الضرورية للتشغيل الطبيعي للمختبرات ليست مضمونة على مستوى المؤسسة”.

وتبين لقضاة “مجلس جطو” من خلال مقارنة تواريخ تسجيل مواضيع الأطروحات وتواريخ تقديمها للمناقشة، أن إعدادها استغرق بضعة أشهر فقط )شهرين إلى ثلاثة أشهر(، أو بضعة أيام في بعض الحالات، وهو أمر لا يستقيم وغير طبيعي بالنسبة لوظيفة البحث كما هو معلوم. بالإضافة إلى أن نظام الدراسة والتقييم الذي اعتمده مجلس المؤسسة، لا يحدد أجلا زمنيا لإعداد الأطروحة أو لتقديمها للمناقشة أصلاً!

التداريب الاستشفائية

لا يستطيع المستشفى الجامعي استيعاب جميع المتدربين، لأن القدرة التأطيرية الحقيقية في المستشفى الجامعي بوجدة هي 15 طالبا لكل مصلحة، في حين أن معدل عدد الطلبة المتدربين يتراوح بين 25 و 30طالبا لكل مصلحة، بالإضافة إلى إمكانية تلاقي مجموعتين أو أكثر من الطلبة المتدربين بنفس المصلحة في الوقت نفسه، بل ومن الممكن عدم استفادة بعض الطلاب من التدريب ببعض مصالح المستشفى الجامعي بسبب التمديدات المحتملة للتدريب في نفس المصلحة.

طالع أيضا  في رحاب الجامعة.. مناظرة تُعزي فشل التعليم إلى تحكم الاستبداد في القرار التربوي

وبسبب هذا يتم اللجوء إلى تقليص مدة التداريب، التي يكون البعض منها إجبارياً، فبدل مدة 9 أسابيع المنصوص عليها، تصير 5 أسابيع، ومن ثمانية دورات تدريبية خلال السنة إلى خمسة، وذلك لأن المستشفى الجامعي بوجدة لا يحتوي إلا على مصلحة واحدة بالنسبة لكل من تخصصي )طب الأطفال، وطب أمراض النساء والتوليد).

وبالنسبة لتأطير الأطباء المقيمين فإنه يعرف ضعفا شديداً في عدة تخصصات، مثل تخصص أمراض الغدد، حيث يشرف أستاذ واحد فقط على تأطير 23 طبيبا مقيما، إضافة إلى أمراض النساء والتوليد، حيث يشرف أربعة أساتذة على تأطير27  مقيما، وكذلك طب العيون، حيث يقوم كل أستاذ من الأساتذة الثلاثة بتوجيه وتأطير حوالي ثمانية طلاب، أما تخصص جراحة القلب والأوعية الدموية، فقد اضطر الطبيبان المقيمان اللذان يدرسان في هذا التخصص إلى الانتقال إلى كلية الطب بالرباط بعدما غادر أستاذ التخصص.

وكان الجواب النهائي لرئيس الجامعة مقتضبا، حيث لم يدل بأي تعقيب خاص بكلية الطب، وأخبر قضاة المجلس بإيجاز شديد بأن “رئاسة الجامعة عازمة على اتخاذ التدابير اللازمة لتنزيل التوصيات المضمنة بالتقرير والتي ستكون قاعدة لتحسين وتجويد طريقة الاشتغال داخل المؤسسات الجامعية” !