في إطار متابعة الشأن التربوي والتعليمي، يستضيف موقع الجماعة.نت، في حوار شامل، الدكتور مصطفى شكٌري، المفتش التربوي والباحث في قضايا التربية والتعليم ومنسق وحدة التربية والتعليم بالمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، تناول فيه قضايا متعددة مرتبطة بالدخول المدرسي وبالإشكالات العامة التي تعرفها المنظومة التربوية.

المتخصص في الشأن التربوي أنكر وجود بعد استراتيجي في “الإصلاح الجديد”، وأن الفاعلين بالقطاع لم يلمسوا أي تغيير للأوضاع، بل وجدوا أنفسهم أمام إقرار مفروض للقانون الإطار 51.17 رغم رفض واحتجاج كل مكونات المجتمع التربوي لتداعياته الخطيرة. وأبرز بتفصيل المشاكل والصعوبات التي تكتنف عددا من القرارات المتخذة تنزيلا للرؤية الاستراتيجية وللقانون الإطار، بدءا من المستويات الأولية إلى التعليم العالي.

وكشف أن اللغة الفرنسية قد حازت الريادة في التعليم، بعد رفع الغلاف الزمني المخصص لها وفرنسة المواد العلمية، وهو ما يؤكد أن بنود القانون الإطار “ليست في العمق إلا تمكينا للخيارات الفرنكفونية القديمة للدولة المغربية”.

وحذر الباحث في قضايا التربية والتعليم من أن “المسار الذي يتخذه النظام المغربي في التعامل مع القطاع هو انخراط، وبشيك على بياض، في اختيارات دولية تمس جوهر الذاكرة الوطنية للشعوب وقيمها واستقلالها”، وذلك “من خلال المضي في التغيير العميق الذي يمس الجوهر العقدي والإرادي لشخصية الإنسان المواطن، ويعيد تشكيل عقليته بمحو ما يبني شخصيته الذاتية الأصيلة ليجعله مسخا منخرطا في العالمية الكونية التابعة”.

ولم يكتف شكري بتوصيف المشاكل التي يعاني منها قطاع التعليم، بل قدّم بعض الحلول المساعدة في الخروج من هذه الوضعية.

فإلى نص الحوار.


نبدأ حوارنا بسؤال حول أهم المستجدات التي عرفتها بداية هذا الموسم الدراسي، ولو تكرمتم بذكر السياق العام خاصة في ظل إقرار قانون الإطار 17/51؟

بدءا أود أن أشكر لكم ولموقعكم الجماعة.نت هذه الدعوة للتواصل مع الرأي العام حول قضايا غدت مؤرقة لكل ذي قلب سليم وعقل نبيه. بالنسبة لسؤالكم هذا: يأتي الدخول المدرسي لهذا الموسم 2019/2020 في سياق عام من أبرز ملامحه تداعيات الإعلان عن الفشل العام للنموذج التنموي المغربي، والمضي في اعتماد النسخة الثالثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية من دون الجرأة على محاسبة المسؤول الحقيقي عن هذا الفشل. فشلنا نقطة ونعود إلى سطر ما كنا فيه سابقا بالمنهجية نفسها والسلوك ذاته. ومع هذا الإعلان العام لفشل النموذج التنموي تعيش البلاد على إيقاع احتقان اجتماعي وسياسي واقتصادي بسبب سياسة الدولة في الاستمرار في نهب مقدرات البلاد واستنزاف جيوب العباد وضرب قدرتهم المعيشية في شتى مناحي الحياة الاجتماعية. في السياق الخاص بمجال التعليم ندشن دخولا مدرسيا على إيقاع مضي أربع سنوات من فرض الرؤية الاستراتيجية من دون أن تلوح في الأفق أية ملامح للبعد الاستراتيجي في “الإصلاح الجديد”، ودون أن يجد الفاعلون أثرا واضحا مغيرا لوضعية القطاع إلا ما كان كالعادة من كثرة الوثائق والمذكرات والنوايا والتسويفات التي ستنجز مستقبلا. ويبقى أن أهم ما ميز هذا الدخول هو أن يجد الكل نفسه أمام إقرار وتمرير مفروضين للقانون الإطار 17 / 51 رغم رفض واحتجاج كل مكونات المجتمع التربوي للتداعيات الخطيرة التي ستكون لهذا الإقرار لقانون يراد منه التقنين التشريعي للضبط التحكمي للمنظومة من طرف الدولة، والاستمرار في تنفيذ الالتزامات الدولية للدولة تجاه الدول والمؤسسات الدولية المانحة من دون اعتبار للواقع المحلي وللحاجيات الملحة لنظام تربوي بهوية حضارية وطنية مستجيبة لظروف وأحوالنا وحاجياتنا وأولوياتنا. أيضا يتميز هذا الدخول بالتسارع المحموم للأجهزة التنفيذية للاستجابة لما يعرف بالمشاريع السبعة الملتزم بها أمام الملك، وكأن المهم هنا هو الاستجابة للتعليمات وتنفيذ التوجيهات لا غير…

لنلاحظ أستاذنا أن مما طبع هذا الدخول استمرار الاحتقان على مستوى الساحة التعليمية بسبب استمرار مطالب كثير من الفئات الشغيلة في النضال، ولعل تظاهرة الأساتذة المتعاقدين الأخيرة خير معبر عن هذا الاحتقان هل من زيادة بيان في المسألة؟

نعم، لقد انطلق هذا الموسم وهو يحمل معه مخلفات الموسم السابق وملفات ساخنة، منها بالخصوص ملف الأساتذة المتعاقدين الذين افتتحوا الموسم بتظاهرة احتجاجية يوم الأحد 01 شتنبر في إشارة إنذارية لاستعدادهم استئناف المسلسل النضالي الاحتجاجي الذي عرفته السنة الماضية، حيث كان ينخرط فيه حوالي 55 ألف أستاذ وأستاذة ومطلبهم الرئيسي الإدماج بالوظيفة العمومية، المطلب الذي أكدته مسيرة فاتح شتنبر 2019، وقد عبر مسؤولون من تنسيقية الأساتذة المتعاقدين أن المسيرة تأتي ردا على تماطل الوزارة الوصية التي لم تستمر في الحوار ولم تلتزم بعدد من النقط المتفق عليها. يذكر أن آخر جلسات الحوار بين الأساتذة المتعاقدين ووزارة التعليم تعود إلى ‏تاريخ 23 ماي المنصرم، لكن الحوار ظل معلقا بعدما انسحبت التنسيقية ‏والنقابات احتجاجا على ما وصفوه بـ”تملص الوزارة من تنفيذ التزاماتها ‏السابقة”. ‏

خلفت هذه المعركة وراءها تكلفة غالية للمجتمع، مدارس مغلقة بالقرى لشهور، وأقسام بدون أساتذة، وتلاميذ اجتازوا امتحانات إشهادية بدون أن يتمكنوا من دراسة نسبة مهمة من الدروس المقررة، وضحايا وجرحى في صفوف الأساتذة وأوليائهم جراء التدخلات الأمنية بلغت حد موت أب إحدى الأستاذات على إثر الضرب الذي تعرض له بعد التدخل الأمني في ليلة الأربعاء 24 أبريل لفض اعتصام لهم بالرباط، وقد نظم الأساتذة إثر وفاته مسيرة بمناسبة جنازته بمراكش 20 يوليوز هذا الصيف.

كما يرتقب – ربما – أن يكون لأساتذة ضحايا النّظامين وأساتذة “الزنزانة 9” إن لم يقتنعوا بعرض الوزارة الأخير، وغيرهم من الفئات، الدخول في احتجاجات وإضرابات بعدما ‏فشلت الوزارة في إيجاد حلّ لملفاتهم العالقة، فمؤشرات الاحتقان موجودة، وعليه فالتصعيد آت لا ريب فيه إذا استمرت الوزارة في نهج سياسة اللامبالاة أو الالتفاف. وقد عبر كثير من المسؤولين النقابيين عن ناقوس الخطر الذي يترقب السنة الدراسية وأنه لا يجب انتظار شهرين من الإضراب من أجل فتح الحوار.

وفي سياق مواز عرفت كليات الطب والصيدلة بالمغرب مقاطعة للامتحانات والدروس خلال شهور لعدم تجاوب الوزارات المعنية بملفهم المطلبي وصلت إلى اتهام الحكومة لجماعة العدل والإحسان بالوقوف خلف الملف، الشيء الذي أثار حفيظة طلبة كليات الطب والصيدلة الذين كانوا يقومون بالتصويت على كل الخطوات النضالية بنسبة جد مرتفعة، كما خلف استياء عدد كبير من فعاليات المجتمع المدني. بالموازاة مع تصريح الحكومة قامت الوزارة بتوقيف ثلاثة أساتذة من خيرة أساتذة كليات الطب بدون مبرر موضوعي وبتهمة غير مباشرة بدعمهم الملف النضالي للطلبة، وبعد عرضهم على المجلس التأديبي تمت تبرئة ذمتهم مما ألجأ الوزارة إلى رد اثنين إلى وظائفهم بينما بقي ملف البروفيسور أحمد بلحوس عالقا من دون أسباب واضحة.

ملف طلبة كلية الطب والصيدلة لم يتم التوصل لحله إلا في الأيام الأخيرة من شهر غشت وقد تم توقيع الاتفاق يوم الأربعاء 28 غشت وتم إنهاء شهور من مقاطعة الدروس والامتحانات باستجابة وزارة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي للملف المطلبي بضغط وتدخل من وزرارة الداخلية والاستخبارات، التي لا يجب أن ننسى تدخلاتها في ملف المرسبين من الأساتذة المتدربين، والمعفيين من مهامهم من الأطر المختلفة في الوزارة والتي تبقى وضعيتهم معلقة من دون سند قانوني أو إداري.

على ذكر المشاريع الملتزم بها أمام الملك التي أشرتم إليها سالفا، هناك مشروع يتعلق بتعميم وتطوير التعليم الأولي، ترى ما مدى تقدم هذا الورش على مستوى الاستقبال والتكوين؟

طالع أيضا  فصيل طلبة العدل والإحسان يناقش "السياسات العمومية للتعليم بالمغرب" بكلية الآداب بالرباط

مع بداية كل موسم دراسي جديد، لابد من وقفات تقييم ومساءلة، للبرامج الموضوعة، والخطط المعلنة، والوعود المقطوعة، والسياسات المتبعة. من أجل تجاوز التعثرات وتحقيق النهوض ليس إلا: ماذا تحقق؟ وما الشيء الذي لم يتحقق؟ ولماذا؟ على مستوى التعليم الأولي، ونحن في بداية الموسم الدراسي لسنة 2019/2020. وقد مر على إعلان الرؤية الاستراتيجية كما أسلفنا أربع سنوات كاملة، ومر على المؤتمر الوطني للتعليم الأولي المنعقد بالصخيرات في 18 يوليوز 2018 أكثر من سنة، الذي أعطيت فيه الانطلاقة للبرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي، رسمت فيه خارطة طريق تمتد إلى 2027 تهم الفضاءات تأهيلا وبناء، والأطفال احتضانا واستيعابا، والمربين تكوينا وتأطيرا، والمنشطين تعيينا وإعدادا.

 هل انطلقت هاته الأوراش الكبرى بالفعل، أم ما زالت أوراشا بالقوة؟ صحيح أننا لا نملك حتى الآن أرقاما ناطقة، ولا إحصاءات معتمدة، لكن قصاصات الأخبار بين الفينة والأخرى تطل علينا بانطلاقة لورشة بناء هنا وأخرى هناك، تهم بعض الفضاءات، كما أن بعض المديريات نظمت حملات إحصائية تهم التعليم الأولي، من أجل رصد الحاجيات، ومن المديريات من أخذ زمام المبادرة ونظم دورة تكوينية لبعض المربيات، لكن ذلك كله مبادرات خارج البرنامج الوطني المعلن. ومن هذا التعثر ما يعرفه إحداث وتوطين فصول التعليم الأولي في المؤسسات الابتدائية، وغياب تصور لأفق تدبير العلاقة مع الشركاء. بكلمة موجزة أقول حسب المطلع عليه والمتوفر من المعطيات:

– لا زال التعثر يلاحق ورش التعليم الأولي على مستوى التعميم والتطوير، وفي أحسن التقديرات يمشي ببطء شديد، لأن العملية لم تلتزم بخارطة الطريق المعلنة في المؤتمر الوطني للتعليم الأولي.

– لا زالت وضعية مربيات التعليم الأولي لم تتغير حتى الآن؛ إذ لم تعط الانطلاقة الرسمية لتكوين المربيات، وفي أغلب المديريات لم تنفذ بعد مضامين المذكرة الوزارية رقم 16/2016 القاضية بتفويت المسؤولية للجمعيات المهتمة.

– أما عملية إدماج التعليم الأولي في التعليم الابتدائي، فهي العملية البارزة التي يروج لها كثيرا، لأنها غير مكلفة ماديا، فهي لا تتطلب أكثر من مراسلة مديري مؤسسات التعليم الابتدائي بتخصيص حجرة للتعليم الأولي ما أمكن وانتقاء مربية مناسبة، بتنسيق مع جمعية آباء وأولياء التلاميذ وبقية المتدخلين، إنها عملية إقحام لأنها تفتقر إلى الشروط التربوية لهذا النوع من التعليم، كما تفتقر إلى القوانين المنظمة للحقوق والواجبات.

– وإن ابتدأت عملية إعداد المنشطين المكلفين بتأطير التعليم الأولي وتكليف المفتشين بها، ورغم أهمية عملية المتابعة والتأطير فإن الظروف العامة التي يتم فيها هذا التكوين قد لا تسعف في تحقيق المراد على نحو فعال وناجع. من يحق له الآن أن يزودنا بمعطيات علمية وعملية وشاملة؟ هل تستطيع المكاتب الخاصة بالتعليم الأولي بالمديريات أن تزودنا بإحصاءات التعليم التقليدي الذي ما زال يشكل أكثر من نسبة 50%؟

– أين الميزانية المرصودة للتعليم الأولي خلال الموسم الدراسي: 2018/2019، هل ننتظر تغييرا في المستقبل أم أن سنة الانطلاقة هذه نموذج لما سيأتي؟

– ينضاف لذلك عمل المربيات في ظروف غير مناسبة وبأجور زهيدة في غياب أي التزام حقيقي للشركاء خاصة الجماعات الترابية.

ولعل أخوف ما يمكن الحذر منه أن يكون هذا الاهتبال بالتعليم الأولي تكأة لهدر المال الممنوح من المنظمات الدولية “الشريكة”، ومناسبة لتمرير برامج ومناهج قد لا تضع الأبعاد القيمية للهوية الوطنية في حسبانها ضمانا لتنشئة تربوية تعيد صناعة “المواطن الصالح” للدولة.

في محور التعليم المدرسي، من بين ما بشرت به الوزارة تنزيل مقتضيات المنهاج الجديد للسنوات الأربع من التعليم الابتدائي فهل من ملاحظات حول هذا المنهاج، وحول تقدم آليات تنزيله؟

بداية يكتسي تجديد المناهج والبرامج أهمية بالغة في انتعاش وحياة أي منظومة تربوية بل وفي تقدم البلدان، إذ لا يستقيم أن يعرف العالم تحولات مهمة فلا تجد من قطاع التربية والتعليم مواكبة ولا مسايرة. لذا يجب التأكيد من حيث المبدأ أن التجديد التربوي ضرورة ملحة وأولوية الأولويات. لكن بالمقابل لا بد من احترام مجموعة من الضوابط ومراعاة جملة من المعايير تتمثل أهمها في الارتباط بالهوية والقيم المؤطرة للمجتمع المغربي والاستجابة لتطلعات أبناء وبنات هذا الشعب والانفتاح الإيجابي على مكتسبات ومنتجات الفكر الإنساني.

لقد عرف المغرب إصلاحات متعددة سمتها الأساسية أنها لم تكن وراءها إرادة سياسية حقيقية ناشدة للإصلاح الحقيقي. وتأتي في هذا الإطار مراجعة وتنقيح المناهج سعيا لتنزيل الرؤية الاستراتيجية. ولعل ما يمكن تسجيله على المنهاج الجديد يكمن في الملاحظات التالية:

1- غياب تقييم حقيقي علني لمدى نجاعة التجريب: فلقد استهل اعتماد المنهاج الجديد بسنوات تجريبية متعثرة بدءا من الموسم الدراسي 2015 / 2016 حيث كان مقررا أن يتم تعميم التجريب تدريجيا مع الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات وخبرات واقتراحات الممارسين والفاعلين التربويين الميدانيين من أجل التصحيح والتحسين والتطوير، إلا أن الخطاب والممارسة في تنافر وتباعد فتم تعميم منهاج المستويين الأول والثاني في الموسم الدراسي السابق واعتماد منهاج المستويين الثالث والرابع استمرارا في سياسة صم الآذان دون تقييم يذكر.

2- الارتجال والاستعجال والابتذال: ففي غياب التأسيس العلمي الرصين والإطار النظري المتين، تطغى أجواء الارتجالية فتفقد البوصلة وتضيع الجهود في استنساخ تجارب تربوية ولغوية لا ترقى إلى المأمول. وهكذا شكلت لجان حددت لها فترات تكوينية داخل وخارج البلاد وعهد إليها بالإشراف على مدارس تجريبية. وتحت ضغط عامل الزمن أعدت بعجالة مقترحات لم تخل من الركاكة والرطانة اللغويتين وانسياقا غير مبرر في تيار الاستئناس باللسان الدارج في ضرب غير مسبوق لمكانة اللغة العربية.

3- الخلط والخبط: لقد كان من بين الموجهات لإعداد المنهاج المنقح التأكيد على اعتماد مقاربتين متمثلتين في المقاربة التواصلية والمقاربة العملياتية Actionnelle، غير أن الطاغي على المنهاج هو تضخيم الأولى من خلال كثرة الوضعيات التواصلية وأفعال الكلام وتغييب الثانية. كما أن اعتماد مبدأي الإضمار والتصريح لقواعد اللغة يكتسيه التخبط وعدم وضوح التصور بشأنهما في تناقض تام مع ما هو واقع فعلا في مجال الممارسة، ناهيك عن التداخل بين المشروع الشخصي والتعبير الكتابي وغيرها.

ولقد سبق أن نبهنا في المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات في تقرير أصدره مركزنا البحثي تحت عنوان “تقرير المغرب في سنة 2015” إلى الاختلالات التي واجهت وستواجه تنزيل هذا المنهاج المنقح؛ فتحدثنا منذ ذاك على أنه “في ظل التخوف من الطبيعة الاستعجالية للإصلاح، رافق إعلان هذه الخطوات العملية إبداء الفاعلين التربويين مجموعة من التساؤلات حول بعض مفردات مرتكزات المراجعة والتنقيح، والظروف والشروط الضرورية الكفيلة بتحقيق النتائج المرجوة، ومدى تكوين وإعداد المشاركين والمستهدفين في التجريب، ودرجة جدية الانخراط في مختلف العمليات، وبرامج التتبع والمواكبة الميدانية، وحجم التنسيق بين الوزارة والمجلس الأعلى للتربية والتكوين، وتشتت الرؤى حول المقاربة بالكفايات وغياب النموذج البيداغوجي، وحدود صلاحية الفلسفة التربوية المسطرة في الميثاق، وموقع القسم المشترك من مرتكزات التحسين والتنقيح، وظروف العالم القروي وإكراهاته، وجاهزية العدة المعتمدة للتجريب، والظروف الميسرة لمهام الأستاذ المصاحب، وموقع الإعلاميات وتكنولوجيا الاتصال في هذه المسارات، وواقع التعليم الأولي”، لكن من يسمع ومن يستجيب؟

طالع أيضا  بداية الموسم الدراسي 2018/2019.. ارتباك واضح واحتجاجات مبكرة

لعل من بين مستجدات هذا المنهاج الشروع في اختيار نهج لغوي يقول بالتناوب في المواد ذات الطابع العلمي؟

دون الوقوف عند إشكالات مفهوم التناوب اللغوي والفهم الذي أعطاه له المجلس الأعلى والقانون الإطار والرؤية الاستراتيجية، ودون الدخول في ضرورة التناول العلمي للقضية اللغوية في مجال التدريس بعيدا عن المقاربة السياسوية والشعبوية أحيانا، أرى أننا بصدد التدهور اللغوي؛ إذ انتصر المنهاج الجديد للغة الفرنسية على حساب كل من اللغتين العربية والأمازيغية؛ حيث خُصص للفرنسية غلاف زمني مهم سار في تصاعد من 4 ساعات أسبوعية في المستوى الأول إلى 6 ساعات أسبوعية متساويا مع غلاف اللغة العربية في المستوى السادس في حين بقي الحيز الزمني المخصص للأمازيغية قارا في 3 ساعات أسبوعية يتيمة وغير معممة. وهكذا لم تعد اللغة الفرنسية لغة ثانية بل حازت الريادة ناهيك عن المضي في اعتمادها لغة تدريس للعلوم والرياضيات. والظاهر الجلي أن الدولة ماضية في تنفيذ مقررات القانون الإطار التي ليست في العمق إلا تمكينا للخيارات الفرنكفونية القديمة للدولة المغربية، والتي لن تخدم في شيء التعلمات الصفية للتلاميذ. وتلك على العموم قضية كبرى تحتاج لنقاش هادئ علمي بعيد عن التقاطبات والتلاعبات بالأمن اللغوي للبلاد.

دعنا نتحول معكم إلى المحور الاجتماعي، فنتساءل عن مشروع تعزيز برامج الدعم الاجتماعي خاصة في ظل الحديث عن التراجع عن المجانية وعن فرض رسوم على التسجيل على الأسر الميسورة؟

طبعا من التناقضات الصارخة في الخطاب الرسمي الجمع بين الحديث عن برامج للدعم الاجتماعي موجهة للأسر ذات الدخل الضعيف أو المنعدم، وبين التوجه العام للدولة للتخلص من فاتورة التعليم العمومي وتغليفه بمفهوم الرسوم وللأسر الميسورة التي لا تدرس أبناءها في المدارس العمومية أصلا، وفي ظل حسم الدولة في نهجها التسليعي للتربية والتعليم ممثلا في إقرار التعاقد وضرب المجانية والتملص من تبعات الإنفاق العمومي على المدرسة الوطنية.

جديد برامج الدعم الاجتماعي الموجهة لقطاع التربية والتكوين اقتصر على الزيادة في الميزانيات المخصصة لمختلف برامج الدعم المفتوحة أصلا، مع الإبقاء على آليات التنزيل نفسها، أي نفس الإمكانيات البشرية واللوجستية للتنفيذ ونفس التدابير والمساطر الإدارية. وبالتالي ما زالت العيوب نفسها ومظاهر القصور ذاتها ملازمة لمشاريع الدعم الاجتماعي بل استفحل وضعها في غالب الأحيان، نذكر من ذلك ما يلي:

– إن تدبير تلك البرامج عبء إضافي على كاهل أطر الإدارة التربوية – خاصة بسلكي الابتدائي والإعدادي – على حساب المهام التربوية الصرفة، وذلك في غياب تكوين مناسب وقلة الأطر المساعدة.

– برامج الدعم تلك يحكمها منطق المنحة والعطية، وليست حقا للمستحقين الذين حرموا أصلا من حقهم الطبيعي في التنمية.

– ضعف استفادة المقاولات المتوسطة والصغرى المحلية من الصفقات المبرمة لإنجاز مختلف مشاريع الدعم الاجتماعي، نظرا لكون تلك الصفقات تبرم غالبا على مستويات إقليمية وجهوية.

– عدم تدقيق الحاجيات الفعلية للإنفاق على الدعم الاجتماعي: هدر مالي في جوانب، مقابل سوء تغطية الحاجيات في جوانب أخرى (ضرورة تدقيق معايير الاستحقاق).

– تركيز المدبرين في مستويي الإنجاز والتقييم على الجانب المادي دون الأثر التربوي؛

– خضوع صرف ميزانيات الدعم الاجتماعي لمساطر معقدة وبطيئة، يؤخر أحيانا الاستفادة منها.

لعل الدولة تبذل جهدا في دعم الفئات المعوزة قصد تعليم أبنائها، من البرامج المعتمدة هناك: برنامج تيسير ومليون محفظة وتوفير التنقل، هل هذه كلها برامج غير ذات جدوى؟

طبعا هناك برامج متعددة تدخل في دعم الجانب الاجتماعي الذي كثيرا ما تكون هشاشته سببا في المنع من التعلم أو في الحد من استدامته خاصة بالنسبة للفتيات، لكن وككثير من الإجراءات التدبيرية لمختلف ملفات التسيير في قطاع التعليم هناك اختلالات متعددة تحول دون تحقيق المراد، وها نحن نقدم معطيات تفصيلية في المسألة عساها تكون أكثر بيانا:

1- برنامج تيسير تعتريه سلبيات جمة تظهر في:

– الطريقة التي تصرف بها المستحقات لأولياء التلاميذ مهينة في كثير من الحالات (بعد مراكز صرف المستحقات عن السكان، طوابير من المستفيدين أمام وكالات البريد، هزالة المبالغ المستحقة).

– ارتباط الاستحقاق ببطاقة راميد يحرم الكثير ممن لا يتوفرون عليها.

– ارتباط الاستحقاق بالتحصيل الدراسي (نجاح التلميذ) يسبب في توتر علاقات الأولياء بالإدارة التربوية والمدرسين.

– تحول واقع برنامج تيسير من دعم الأسر الفقيرة لتشجيع تمدرس أبنائها إلى إلزامية التمدرس مقابل منح مالية هزيلة.

2- برنامج مليون محفظة يشكو من اختلالات أبرزها:

– تعدد المتدخلين وضعف التنسيق بينهم، في بعض الجهات تتولى وزارة الداخلية العملية جملة وتفصيلا ولعله الشأن في جل الجهات.

– رداءة جودة الأطقم المسلمة في كثير من الأحيان (صفقات تنقصها الشفافية، شكايات من طرف مزودين مقصيين).

– معايير الاستحقاق غير منصفة (التركيز على البعد المجالي الترابي، تباين في حجم الاستفادة بين المستويات الدراسية في سلك الإعدادي).

– مشاكل على مستوى تدبير المرجوعات من الكتب المستعملة (ظروف التخزين، معايير توزيع خاصة بالنسبة للعالم القروي).

3- برنامج النقل المدرسي يعاني من مشاكل من بينها:

– ضعف وتباين في تغطية النقل المدرسي للمناطق النائية.

– معايير توزيع الحافلات غير دقيقة (منطق الولاءات).

– إسناد تدبير النقل المدرسي لجمعيات محلية لا تملك القدرة على حسن التدبير.

– هشاشة وضعية المهنيين (سائقو الحافلات).

– الشبكات الطرقية غير الصالحة في كثير من المناطق تحول دون توسيع نطاق خدمات النقل المدرسي.

– غياب ميزانيات قارة وكافية لصيانة حافلات ومعدات النقل المدرسي.

4- الإطعام المدرسي والداخليات: إن الزيادة في قيمة المنحة وحده غير كاف لتحسين ظروف الإقامة والتغذية في المطاعم المدرسية والداخليات، حيث لا يزال تدبير هذه المرافق تعترضه عدة إكراهات ومشاكل أبرزها:

– الخصاص الكبير والمتزايد في الموارد البشرية المختصة والمؤهلة لتدبير تلك المرافق (مسيرون، مساعدون، أعوان الطبخ والنظافة وباقي الخدمات).

– النقص الذي تعاني منه كثير من الداخليات والمطاعم على مستوى التجهيزات الكفيلة بتحسين الشروط السليمة للإيواء والإطعام، إعداد الوجبات وتخزين المواد.

– كثير من النصوص التنظيمية والقانونية المؤطرة لتدبير الأقسام الداخلية والمطاعم قديمة، وفي حاجة للتحيين لتلائم المستجدات التي يشهدها تدبير القطاع.

– فشل آلية التدبير المفوض التي تم نهجها في تدبير بعض الخدمات، والنتيجة كانت ضعف ورداءة الخدمات من جهة، وهضم حقوق العاملين (التابعين للشركات نائلة صفقات تفويض خدمات النظافة والحراسة والطبخ).

– السلبيات الكثيرة لأسلوب الصفقات الإطار المتبع في تمويل الأقسام الداخلية والمطاعم، ومنها: ارتفاع أسعار المواد، وقلة جودتها وفترات صلاحيتها أحيانا نظرا لعدم التزام المزودين بشروط الصفقات في غياب منافسة فعلية ووجود صعوبات في الأداء، والنقص الحاصل في الشروط الصحية لنقل البضائع من تبريد وتعليب، واختلاف السنة المالية عن السنة الدراسية وما يترتب عنه من اختلالات في انتظام التموين والخدمات، وهامشية دور المسيرين المباشرين وضعف صلاحياتهم في مراقبة جودة المواد والخدمات.

نأتي لذكر محور آخر، وفيه مشروع آخر تم الالتزام بتنفيذه أمام الملك يهم مجال التوجيه التربوي، فما هي وضعية التوجيه التربوي في منطلق هذه السنة الدراسية؟

جواب: يكاد ينطبق على هذا الدخول المدرسي الجديد في مجال التوجيه قول الشاعر:

عيد بأية حال عدت يا عيد ** بما مضى أم بأمر فيك تجديد

حيث المشاكل التربوية والبيداغوجية العامة والأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ما زالت تلقي بظلالها الكثيفة على مجال التوجيه وتعوق سيره الطبيعي، مما يجعل المتتبع يكتشف وبسهولة أن دار المخزن على حالها. إن هذا الموسم امتداد واضح واستمرار لسياسة دفع الشباب إلى مؤسسات التكوين المهني تحت لافتة الباكالوريا المهنية والتي لم توفر لها بتاتا ظروف النجاح؛ فتدريس المواد العلمية والمهنية باللغة الفرنسية والعزوف البين وضعف بنيات الاستقبال في مؤسسات التكوين المهني وبعدها عن مؤسسات التعليم العام في الغالب، وعدم استيعابها لمختلف التخصصات المطلوبة والحديثة وقلة المؤطرين وكثرة إضرابات أطر التكوين المهني، كل هذا عوامل غير مشجعة البتة على فتح شهية التلاميذ على ورود هذا المجال إلا من باب المضطر أحيانا. كما أن التوجهات الرسمية المتمثلة في تشجيع المسارات المهنية وتبخيس الشواهد العمومية (الإجازة العامة والباكالوريا) لم يصاحبه إجراءات عملية ولا آفاق واضحة مطمئنة لآباء وأمهات التلاميذ حول المسار المهني.

طالع أيضا  الرباط: ندوة تناقش "ضرب مجانية التعليم والدعوة للدارجة - الخلفيات والأبعاد"

إن ما ميز هذا الدخول المدرسي الجديد أيضا هو المسارعة بتعميم المسالك الدولية في أقسام الأولى إعدادي في أغلب الأكاديميات، وحتى قبل تمرير القانون الإطار، مما يضمن خزانا لهذا المسار في التأهيلي دون تقويم مسبق للعملية، أو استشارة من أطر التوجيه والآباء وذوي الاختصاص، ودون أخذ الاعتبار لتكوين أطر التدريس التي درست ودرست المواد العلمية بالعربية، ولا الفوارق الصارخة بين العالمين القروي والحضري. إنها سياسة “ما أريكم إلا ما أرى”.

ومن المشاكل التي ما زالت تقض مضجع أطر التوجيه في هذا الدخول المدرسي استفحال تناقص أطر التوجيه بفعل التقاعد والتقاعد النسبي، حيث ارتفع معدل التأطير إلى نسب غير مسبوقة تنعدم معها شعارات الجودة والمدرسة الموجهة والمدرسة المواطنة الدامجة ومدرسة النجاح. ما أكثر الشعارات في بلادنا وما أقل الفاعلية والجدوى والتطبيق!

من مشاكل التوجيه التي تزداد استفحالا دخولا مدرسيا وجامعيا بعد آخر: ضعف استيعاب الحاصلين على الباكالوريا في المعاهد والمدارس والكليات ذات الاستقطاب المحدود. رغم الخصاص المهول في كل من الأطباء والمهندسين والتخصصات الحديثة. مما زاد الطين بلة هذه السنة ارتفاع عدد الحاصلين على الباكالوريا وبمعدلات مرتفعة لتثبت الوزارة عدم تأثير إضرابات رجال التعليم عامة والمتعاقدين خاصة في النتائج ولتوهم المتتبعين أن الإصلاح نجح في رفع المستوى وأن القانون الإطار المصادق عليه من غرفتين البرلمان ما هو إلا حلقة من مسلسل الإصلاح.

لقد أرغم ضعف الاستقبال والاستيعاب كثيرا من الأسر إلى التوجه نحو التعليم العالي الخصوصي خصوصا بعد إضرابات ومقاطعة طلبة كليات الطب والصيدلة الدروس والامتحانات ووقوف الوزارة والحكومة والمخزن موقفا مخزيا ضد إرادة الطلبة وآبائهم والطبقة الوسطى بصفة عامة. وبهذا تكون تباشير توجه الدولة والمخزن نحو الخصوصي قويا والصراع من أجله دون هوادة.

من مشاكل ما بعد الباكالوريا أيضا اضطرار أعداد كبيرة من الحاصلين على الباكالوريا للتوجيه دون رغبتهم لمؤسسات التكوين المهني ولشعب جامعية لا يرغبون فيها، مما يرفع من نسب التكرار والهدر في الجامعة ويرفع من نسب اليأس واللامبالاة عند الطلبة ويشجعهم على الهجرة للخارج والتطرف والمخدرات.

كذلك من مشاكل الطلبة بعد الباكالوريا عدم تعميم المنحة الجامعية وتدني سقف الاستحقاق سنة بعد أخرى، مما يجعل الانقطاع عن الدروس والاكتفاء بالتسجيل في الجامعة مؤكدا.

حتى لا نغفل التعليم الجامعي والبحث العلمي؛ هل من مستجدات مهمة تسم الدخول الجامعي والعلمي هذا الموسم؟

لا أرى أن الوضع بالجامعة سيكون قد تغير عن الموسم الماضي ولا أراه يكون أفضل من الدخول في القطاع المدرسي وفي التكوين المهني. لا زالت الإشكالات البنيوية قائمة على مستوى بنيات الاستقبال ونسبة التأطير البيداغوجي ومستواه العلمي والتكويني، وعلى مستوى ضعف برامج الدعم الاجتماعي وارتفاع نسب الهدر والإدماج في سوق الشغل. وقد وقفنا في بداية الحديث عند الملاحظات الخطيرة التي مست قطاع التعليم الجامعي والبحث العلمي في تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وما خفي كان أعظم.

 نسجل أن الجامعات المغربية ستظل غائبة عن التصنيفات الدولية المعتبرة، وحتى التي صنفت فنجدها في رتب تتجاوز الألف والألفين حسب تصنيف Webometrics لسنة 2019 للتمثيل فقط بسبب عدم الاستجابة للمعايير الدولية المعتمدة من قبيل معايير التدريس، البحث العلمي، نقل المعرفة وكذا الإشعاع الدولي.

من المستجدات الجديرة بالذكر هنا، الرجوع إلى نظام أربع سنوات في إطار ما سمي بالجيل الجديد من الإجازة وهو ما يعني المضي في تنفيذ مخرجات اللقاء البيداغوجي الوطني حول الإجازة الذي كان شعاره رهان للتأهيل الأكاديمي والاندماج المهني، والذي عقد بمراكش في 2 و3 أكتوبر 2018. نجد أيضا إقرار البنود المتعلقة بالتعليم الجامعي في القانون الإطار 17 /51. ولا تسل عن مخلفات اختلالات توظيف الأساتذة ببعض الجامعات، وغياب شفافية فتح وحدات الاعتماد في الماستر والدكتوراه وهو ما يعيق الحق الدستوري في الدراسة وفي الترقي الوظيفي. وستظل معركة كليات الطب والصيدلة عميقة الأثر في جسم التعليم العالي خاصة مع توجه الدولة نحو فتح المجال للتعليم الخصوصي في ضرب صارخ لشعارات الرؤية الموعودة في تكافؤ الفرص والجودة والارتقاء.

ربما تكونون، أستاذ شكري، قد أغرقتم في وصف واقع ربما الكل أصبح يتفق على كارثيته وترديه، فهل من حلول ترونها مناسبة للخروج من هذه الوضعية التي بدت من تحليلكم مأساوية؟

دعني أقدم توضيحا مهما، هناك فرق شاسع وبون واسع بين مقاربة وصفية تحوم حول الحمى مكتفية بذكر أعراض الداء الوبيل الذي أصاب منظومتنا التعليمية في الصميم، وبين مقاربة تحليلية تمضي للجوهر أصلا في المشكلة، فوجب التنبيه.

من الخلاصات الأساسية التي يمكن تسجيلها هو أن هناك اتفاقا عاما حول الوضعية الكارثية للتعليم، فالتشخيص متفق عليه، يبقى أن وضع اليد على مكمن الداء يختلف تصريحا وتلميحا فوجب بالتالي:

– القطع مع توصيفات الأعراض للنفوذ إلى توصيفات الجوهر.

– الخروج من دائرة التحليلات السطحية التي لا تعي ما أمام التعليم بالمغرب في ظل التحديات الرقمية والتحولات القيمية للوعي بأن المسار الذي يتخذه النظام المغربي في التعامل مع القطاع هو انخراط، وبشيك على بياض، في اختيارات دولية تمس جوهر الذاكرة الوطنية للشعوب وقيمها واستقلالها، في إطار نظام عالمي استكباري جديد يعيد تنظيم العلاقات الدولية للحفاظ على مصالحه ومصالح الدويلة الصهيونية، من خلال المضي في التغيير العميق الذي يمس الجوهر العقدي والإرادي لشخصية الإنسان المواطن، ويعيد تشكيل عقليته بمحو ما يبني شخصيته الذاتية الأصيلة ليجعله مسخا منخرطا في العالمية الكونية التابعة.

– التوجه نحو تكوين جبهة وطنية لإنقاذ المدرسة المغربية تشتغل في إطار جبهة مجتمعية لمناهضة الاستبداد والفساد لفرض توازنات جديدة تمكن من توسيع دوائر الحرية التي بها يكون الاختيار.

– العمل داخل الفصول الدراسية وداخل مؤسسات الحياة المدرسية لاستثمار كل الجوانب القانونية السلمية المدنية لتقوية إرادة التعلم النقدي والفكر الحر.

ليبقى أن مجابهة وضعية التعليم كما وضعية الاقتصاد والمجتمع لن يكون بغير مجابهة سياسة التحكم المخزني في مختلف مفاصل الدولة والمجتمع، وهو ما يعني ضرورة و”استعجالية” توحيد جهود الأحرار في استمرار جبهة الممانعة والمقاومة من خارج الحدود النظامية المرسومة، بسلمية ورفق وبتربية تبني الإيمان في القلب، والإبداع في العقل، والحرية في الإرادة، ودون ذلك نفخ في رماد وصيحة في واد.