الانكسار التاريخي (الحدث)

بداية ونحن نتحدث عن “الانكسار التاريخي”، وهي أولى الصدمات، ولعلها الأدهى والأمر، التي كان لها وقع وأثر على وفي كل جانب من حياة الأمة الإسلامية، حتى يومنا هذا، وجب التنبيه إلى أن نظرتنا إلى كل ما حدث، يجب أن تخرج عن أمرين: أولهما ذلك الموقف الذي وقفه نفر من علماء المسلمين، الذين حاولوا التخفيف من أمرها بِنِيّةِ دفع كل شائبة تشوب الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولعلي بهم نسوا قول الله تعالى في سورة الحجرات “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ..” فقد أثبت السميع العليم الإيمان وأثبت معه الاقتتال أيضا..

وبعد توليه الخلافة خطب سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الناس، وكان مما قال: يا أيها الناس، لوددت أن هذا كفانيه غيري. ولئن أخذتموني بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ما أطيقها، إن كان لمعصوما من الشيطان، وإن كان ليتنزل عليه الوحي من السماء 1. إشعارا بأن مقام النبوة والعصمة والوحي انتهى، وأنه ما بقي إلا التعامل مع بشر يجتهد، فيخطأ أو يصيب.

أما التنبيه الثاني فهو: السقوط في تلك النظرة العدائية التي تبناها أقوام منا، خاصة ممن تأثروا بالفكر الغربي، فجعلوا ما حدث قدحا في مقام الصحابة الكرام رضي الله عنهم، بل قدحا في الدين وأهله إلى يوم الدين.

وهنا سأقف عند مشورة الحباب بن المنذر، قبيل غزوة بدر الكبرى، عندما اختار النبي صلى الله عليه وسلم مقام جيش المسلمين.

قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا: أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي.

أما بعد:

فـ”نقصد بالانكسار التاريخي الفتنة التي نشبت بعد وبمقتل عثمان ثالث الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم جميعا.

طالع أيضا  آثار الانكسار التاريخي على تاريخ المسلمين وواقعهم

فقد قتل ذو النورين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، (سنة 35هـ) بعد أن حاصر بيته نفر من أعراب البصرة والكوفة ومصر، وقد أمر الخليفةُ الصحابةَ بِعَدم قتالهم، حقنا لدماء المسلمين ظنا منه أنهم سيعدلون عن قتله.

ثم قاتل الصحابيان: طلحة والزبير، عَلِياّ الخليفة الرابع، (36 هـ) بعد أن رفض قتال قتلة عثمان رضي الله عنهم جميعا – إلى حين – في ما سمي بمعركة الجمل التي قتل فيها نفر من الصحابة.

بعد ذلك سيخرج سيدنا علي، لعزل والي الشام آنذاك: معاوية بن أبي سفيان الذي رفض البيعة قبل الثأر من قتلة سيدنا عثمان رضي الله عنه، واشترط تسليمه قتلة ابن عمه. فوقعت معركة صفين سنة 37 هـ.

وانتهت معركة صفين هذه بنازلة أخرى أشد هي مسألة التحكيم، حيث قَبِل سيدنا علي ايقاف المعركة وتحكيم بعض من الصحابة في خلافه مع معاوية، لكنه لما رجع إلى الكوفة عاب عليه قوم القبول بالتحكيم “فخرجوا” عليه (وسموا بالخوارج)، وادعو ألا حكم إلا لله، فقال فيهم قولته الشهيرة: كلمة حق أريد بها باطل، وبقوا على رأيهم وقاتلوه في معركة جديدة سميت بالنهراوين سنة 38هـ، وبعد سنتيتن تقريبا أي سنة 40 هـ سيقتل الخليفة الرابع.

بعد مقتل علي بن أبي طالب ولّى أهل الكوفة سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهم جميعا فرفض أهل الشام، بقيادة معاوية بن أي سفيان، مرة أخرى البيعة، ولكنه آثر حقن دماء المسلمين فتنازل لمعاوية بعد ستة أشهر من توليه. وهي نهاية حقبة الخلافة الراشدة “الأولى”.

ثم في سنة 56 للهجرة، “سيأمر معاوية الناس أن يبايعوا لابنه يزيد من بعده، وهنا عدل معاوية عن طريقة من سبقه، فقيل لمعاوية إما ان تتركها كما كانت على زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو ما كان عليه أبو بكر الصديق واعط الخلافة لرجل ليس منك، أو ما كان عليه عمر لأنه جعلها في ستة ليسوا من أهل بيته، أو أن تترك الأمر للمسلمين يختارون، ولكن معاوية أبى إلى أن يكون الخليفة بعده يزيدا” 2 وهو الذي قتل سيدنا الحسين رضي الله عنه شر قتلة (سنعود لهذه الحادثة لاحقا)، وقبل ذلك أمر بقتل كل من رفض بيعته من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (4)

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الانكسار التاريخي (النتائج)

لم يكن ذكرنا لما عرفه المسلمون من أحداث عظام بُعيد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي زمن خير القرون، من باب الحكي التاريخي أو حتى من باب البحث في رجحية هذا الموقف أو ذاك.

بل لقد كانت مرحلة تأسيسية لكل صغيرة وكبيرة عرفتها الأمة بعد ذلك، إن كل كلمة أو موقف لهذا الصحابي أو ذاك كانت نقطة بداية لمذهب فقهي أو فرقة من الفرق، غالى فيها مغال أو تعصب لها متعصب.

فقد نتج عن النزاع المسلح بين معاوية وعلي رضي الله عنه انقسام الأمة إلى ثلاث فرق: فرقة انحازت/شايعت عليا رضي الله عنه أول النزاع ووسطه وآخره؛ ستعرف لاحقا بالشيعة، وستفترق إلى فرق وطوائف (الإمامية، الإثنا عشرية، الزيدية…)، أما الذين خرجوا على علي رضي الله عنه ورفضوا التحكيم فقد عرفوا بالخوارج (قال البعض: إن منهم الطائفة الإباضية وأنكر البعض الآخر ذلك). في حين أن الطائفة الثالثة، عرفت بأهل السنة والجماعة، هي التي تكونت بعد سنة أربعين للهجرة، حين تنازل سيدنا الحسن عن الحكم لمعاوية بن أبي سفيان.

ليس ذلك فحسب، بل تحول أهل الفرق، وهم ينتصرون لهذا الموقف أو ذاك، من النزاع حول منهجية اختيار الحاكم – كما توضح ذلك موقعة الجمل وقبول سيدنا علي بالتحكيم وأقوال الفرق الثلاثة في ذلك – إلى نزاع من نوع آخر هو النزاع حول أحقية من يحكم، فتحول الشيعة – مع مرور الوقت – من نصرة علي رضي الله عنه إلى القول بأحقية آل البيت بالخلافة دون سواهم؛ فقالوا بأن الإمامة بالنص وليست بالاختيار، بل منهم من جعل لها أثرا رجعيا فطعن في خلافة الراشدين الثلاثة الذين سبقوه أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا. الشيء نفسه سنجده عند “السنة” ولو بشكل مغاير حيث قالوا بصحة حكم كل من نُصب بعد تنصيبه، بغض النظر عن الطريقة التي كان بها هذا التنصيب وممن، بل وصل بهم الأمر فيما بعد إلى القول بأحقية من غلب حتى لو كان فاجرا كيزيد بن معاوية.

إذن لقد فتنت الأمة مبكرا، وكانت أول فتنتها اغتيال سيدنا عثمان، ثم تحول الخلافة إلى ملك..

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (5)

ومن السياسة التي بدأت بسببها فُرقة المسلمين انتقل الأمر إلى العقائد والفقه، فكان لكل فرقة مميزات اعتقادية، ومذهب بل مذاهب فقهية متمايزة.

لتتوالى ظهور الفتن المائجة على الأمة ولِتنتقض عرا الإسلام عروة عروة، تماما كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم والذي أخرجه الإمام أحمد “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم وآخرهن نقضا الصلاة”.

من جهة أخرى يمكن القول إن ما حدث كان تصديقا لمن لا ينطق عن الهوى، إذ سنجد أن الوحي ومن خلال أحاديث شتى للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أخبر بما سيحدث رجالا وزمنا.

أخرج الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: “إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر (يشير إلى ما حدث في موقعة الجمل) فارفق بها، قال عليُ: فأنا أشقاهم يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: لا ولكن إذا كان ذلك فأرددها إلى مأمنها”.

وقال صلى الله عليه وسلم في سبطه الحسن: “ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين” 3.

والإشارة هنا كما أجمع العلماء على أنها تنازله عن الحكم لمعاوية بن أبي سفيان بعد أن رفض – الثاني – مبايعته وقد خرج لرده عن ذلك لكنه آثر التنازل حقنا لدماء المسلمين.

في حديث آخر ينبئنا النبي صلى الله عليه وسلم بوقت انتهاء الخلافة الراشدة “الأولى”، قال صلى الله عليه وسلم: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك” 4، وهي السنة التي تولى فيها معاوية بن أبي سفيان الحكم.

لقد كانت أحاديث تحذر هذا وتوجه ذاك، لكن وفي الوقت نفسه، تنبئنا بتحول غيّر مسار أمة خير الخلق، وجعلها تنحدر من سيء إلى أسوأ، حتى إن جل مصنفي الحديث جعلوا لها أبوابا أسموها أبواب الفتن؛ فهل للفتنة باب؟


[1] رواه الإمام أحمد عن قيس بن أبي حازم.
[2] من كتاب حقبة من التاريخ لمؤلفه عثمان الخميس، ص123.
[3] أخرجه البخاري في صحيحه.
[4] حديث الترمذي عن سفينة.