بدأ الصبح يتنفس للتو، ليكشف عن بعض أنواره، التي ستكون المنارة الوحيدة في الطريق الطويل الذي سيقطعه سعيد من بيته إلى المدرسة. ودعت الأم ابنها سعيدا بعدما احتضنته بقوة، وأوصته بالاحتراس من كلاب الطريق، دون أن تنسى الدعاء له بالحفظ.

حمل الطفل الذي لم يتجاوز العشر سنوات كيسا بلاستيكيا؛ بداخله كسرة خبز وقارورة ماء؛ وورقة وقلما احتفظ بهما من السنة الدراسية الفارطة، وأطلق ساقيه للريح…

فرحة لا حدود لها: منذ اليوم سيتحرر من تعب مرافقة الماشية جيئة وذهابا ووعثاء سقياها غدوا وأصالا.. منذ اليوم سيعود سعيد إلى مدرسته ليسعد من جديد بمتعة ملاعبة أترابه ويظفر بتقبيل راحة معلمته الغضة النحيلة، سيعود زمن القراءة والتعبير وأوقات الأناشيد ولحظات الانشراح بلا تكلف والانطلاق في ساحات بلا حدود…

تتراءى أمام عينيه صور جميلة من سنته الدراسية الماضية، يتذكر وقوفه أمام السبورة وهو يجيب بكل ثقة عن أسئلة مُدرسته بالمستوى الثاني الأستاذة وفاء، المعلمة النحيفة الجسد، البهية الطلعة، الوافرة النشاط، القادمة من المدينة.

كما يتذكر بفرح ونشوة تصفيقات التلاميذ ووقوفهم صفوفا تحية له بعدما حصل على المرتبة الأولى في قسمه؛ والهدية الزاخرة التي قدمتها له بحضور مدير بالمؤسسة والتي لم تجد حينها ما تلفها به غير قبلتها الحانية بين جبينه ورائحة عطرها الأثير الذي ظل يستمتع بأريجه ما هبت على الروابي نسمات الليالي الصيفية…

بالمقابل تنتصب أمام مخيلته المتعبة صور رهيبة وخيالات بغيضة كأنما تريد أن تنتزع منه متعة الاسترجاع وتقذف بروحه البريئة في مهاوي الألم…

مشاهد بغيضة وأشباح مسودة لا يريد أن يتذكرها من شدة آلامها، لكن مرورها ترك بصمات على خده خطتها دموع انسابت مسرعة غير مستأذنة أبت العين إلا أن تجريها في لحظة ضعف حركت مشاعر دفينة، وهو في قرارة نفسه الصغيرة يدفع عن ذاكرته كل ما يمكن أن يعكر عليه فرحة اليوم الأول من السنة الدراسية الجديدة، حتى ولو حفرت الذاكرة مآسي لا تبرح مكانها منها، كيف لا والجسد الغض الصغير لا زالت الندوب المسطرة عليه تشهد على عضة كلب؛ أو كسر يد بسب انزلاق أحدثه انجراف مفاجئ للتربة؛ أو مبيت في الخلاء بعدما قطع السيل بغثة طريق الوصول، لكن هذه الندوب والآثار يتناساها قلب طفل بريء، تتلألأ عيناه بريقا بحب مدرسة هي الحياة والأمل وهي الحاضر و المستقبل، فالكل يهون من أجل العلم، فأمه دائما تودعه في كل صباح قائلة:

طالع أيضا  ذ. الجوري: واقع الأقسام ينبئ عن إفلاس تعليمي وبيداغوجي وتوجيهي

– الجد هو سلاحك لتخرج من ظلام الجهل، وتأخذ بيدنا جميعا إلى نور العلم، فلا تلتفت للصعوبات فكلها تهون حينما تنجح في دراستك وفي حياتك، والله حافظك.

– “الله حافظي الله حافظي إن شاء الله”، دعاء يقوله سعيد بعدما تردد صداه في أذنيه، يقوله وفي قلبه حماس النجاح وقوة تصنعها كلمات الأم المحفزة.

وفي الطريق الوعرة الطويلة دائما يلتقي في كل مقطع منها بصديق أو صديقين أو أكثر، يتبادلون أطراف الحديث، لكن هذه المرة الحديث عن فرحة الدخول، وأسئلة اعتيادية، من قبيل: من هو معلمنا أو معلمتنا هذه السنة؟ هل سيكون لدينا مطعم؟ ترى هل سيبنون لنا قسما جديدا ومرحاضا؟ هل سيغيرون لنا ذاك القسم المشقوق المنعدم النوافذ والأبواب؟ هل سيعطوننا كل الكتب أم سيكتفون بإعادة توزيع الكتب القديمة الممزق جلها؟ هل تعلم يا سعيد بأن الكتب قد تغيرت وأن الاستاذة وفاء قد انتقلت؟ يا لحسرتنا كم كانت لطيفة معنا محبوبة عند الجميع!

تناسلت الأسئلة وتعالت الأصوات واحتدمت النقاشات، هي حتما النقاشات والسجالات العفوية التي تختزل الطريق وتعين على تحمل مشاق السير في المنعرجات والشعاب وهي أيضا الزاد عند السغب و”المرطبات” التي تنعش أفئدتهم وتطرب نفوسهم وتبعث فيهم الأمل في الغد الأفضل. لكن وسط هذه الأحلام العابرة للرؤوس الصغيرة، المُنسية فرحتها لمشاق الطريق، يقطع علي -وهو الأكبر سنا- هذا السفر الطفولي الجميل في عالم البراءة والانطلاق في أفق المستقبل الفسيح، بسؤال استنكاري:

– ألم تعلموا يا أصدقائي أن السيول قد مرت نهاية الأسبوع الماضي من القرية التي توجد بها مدرستنا؟ وكما تعلمون أن المدرسة تقع في مفترق الجبل المحاذي للوادي، وقد أخبرني أبي البارحة أنه من المستبعد جدا أن تنجو المدرسة؟

عم صمت طويل لم يقطعه إلا قرع النعال المخصوفة. أطرق الجميع وكأنهم يحملون على أكتافهم هموم الدنيا ومشاغل ساكنيها، لقد نزل عليهم الخبر كالصاعقة لكنهم تحاملوا على أنفسهم وأبوا أن يصدقوا، لعلها مزحة ولعلها شائعة ولعلها…

نعم نعم، لقد صدق زعم والد علي صديقهم، فكلما اقترب الأطفال إلى الربوة المطلة على مشارف المدرسة وقد أثقل الطمي خطاهم… اشرأبت أعناقهم النحيلة وتسابقوا الخطو لمعانقة معلميهم والظفر برائحة العطر المميزة وتسللت عيونهم الفضولية لاستكشاف ما استجد في غيابهم، واختبار أيهما أصدق وأحق أبشارات المدير التي طفح بها كلامه خلال حفل نهاية الموسم أم نذر الشؤم التي صفعهم بها علي قبيل لحظات؟؟؟

ولما كانت أخبار السوء ونذر الشؤم هي الأكثر تحقيقا والأجدى تصديقا، فقد ترامت إلى عيونهم المتسمرة من بعيد مشاهد حشود من التلاميذ في شبه حلقة تعمها الفوضى، ويتطاير منها الغبار، حينها استشاط سعيد صارخا منتحبا يندب حظه العاثر:

طالع أيضا  حوار: ذ. حمداوي يشرح المنظومة التعليمية المغربية منذ الاستقلال إلى اليوم

– ويلاه … آه … مالي لا أرى جدران المدرسة! هل غيروا مكانها؟ هل جددوا بنائها؟

تسابق الأطفال وتشتتوا في كل اتجاه وتحلقوا حول مدير المدرسة، وقد أحاط به أولئك الذين جاؤوا من الدواوير البعيدة، لأن القريبين أكيد قد علموا بالكارثة. لكن سعيدا ظل يدور في المكان الذي كان يوما ما فصلا للدراسة، فلا يرى إلا ركاما من الحجر والوحل، فتوجه بالسؤال وهو في حيرة وذهول:

– سيدي المدير أين المدرسة!!؟

يستعد المدير للإجابة، وقد حار في أمر صبية قطعوا المسافات، وجاؤوا ليجددوا الوصل ويعيدوا اللقاء مع مؤسسة أحبوها رغم خطورة موقعها وتهالك جدرانها وانعدام مرافقها، فهي جزء من أحلامهم التي تتشكل في وطن هم أبناؤه.

المدير: يا أولادي، أولا نحمد الله على سلامتنا جميعا، أن جرفت السيول الفصلين اللذين سميا ظلما مدرسة؛ ولم نكن بداخلها، فقدر الله ولطف، لذلك جئت اليوم لأكون معكم وأستقبل والديكم وعلى كل حال فالمهم هو نجاتنا جميعا؛ من كارثة كانت ستكون عظيمة لولا لطف الله.

وقاطع سعيد كلام المدير وقد اغرورقت عيناه بالدموع وخرجت مع صوته المزمجر غصة مبحوحة زادته قوة وسحرا:

– فعلا الله حافظنا، ولكن أين المدرسة!!؟ ليتنا جرفنا معها ولم نسمع هذا الخبر.

أردف علي قائلا:

– لقد خرجت من بيتي وغبش الفجر، أحمل قلما وورقة لأخط عليها برنامج السنة، وأفرح كما يفرح الآخرون ببداية السنة، فهل قدري البكاء لا الفرح والهناء؟

المدير: لا تجزع يا سعيد، ولا تصرخ يا علي، لقد تألمت أكثر منكم أو تظنون أني مرتاح لهذا الوضع، فوالله لم يهنأ لي عيش ولم يغمض لي جفن حتى أخبرت جميع الجهات واتصلت بجميع المسؤولين وطرقت جميع الأبواب…

عاد الصراخ وارتفع البكاء… وماذا بعد؟ ما الحل الآن؟ بماذا أجابوك أستاذ…

المدير: لقد أخبرني السيد المسؤول، أنكم ستمكثون بعض الوقت في منازلكم وأن الجهات المسؤولة تبذل كل ما في وسعها لحل هذا المشكل، فلقد هاتفني السيد المسؤول قبل قليل، وأخبرني أنهم يدرسون إمكانية نقل المدرسة إلى مكان أكثر أمنا، فحقا موقعها كان كما تعلمون معرضا للخطر، وسيول المطر لا ترحم هذه الأيام، وقد كنا في كل مرة نرمم الأقسام ونجدد طلاءها عند كل دخول لكن المشكل في اختيار موقع المدرسة وفي نوع البناء (المفكك)، لهذا وعدوني في الإدارة الإقليمية أن المدرسة الجديدة؛ ستجهز بدورات المياه خاصة بالفتيات وأخرى بالفتيان، ومطعم وقسم به حواسيب وسبورة بيضاء، كما أن الجماعة ستوفر لكم حافلات جديدة للنقل وربما ستستفيدون أيضا منح مالية تصرف لوالديكم …

طالع أيضا  مفتشو التعليم والأساتذة حاملو الشهادات يصعّدون احتجاجاتهم

– علي: ومتى ستتحقق هذه الوعود والأمنيات؟ بعد شهر أم سنة؟ أم يا ترى ستضيع أحلامنا بينما أنتم تفكرون في كيفية إصلاح مؤسستنا!؟

– سعيد وكل التلاميذ: أين المعلمون أين الآباء؟ بل أين وضعتم كتبنا؟ نريد أن نحملها بين أيدينا.

– المدير: ستكون بين أيديكم في أقرب الآجال، بعدما يصلح الحال.

– سعيد: لعل حالنا جرفته سيول الإصلاح التي لا يستقر لها حال، لقد تحملنا وعورة الطريق، والمشي في الظلام، ونهش الكلاب، والجوع والعطش وأمطار الشتاء، لأن في قلوبنا جذوة لا زالت مشتعلة، يذكيها رجاء آبائنا في مستقبل نحن من سيضيء أفقه في هذا الوطن الذي نحبه، ألم تعلمونا أن “حب الأوطان من الإيمان”؟ من أجل حبه أحببنا المدرسة رغم عيوبها وبشاعة مظهرها وخطورة موقعا، أحببناها لأنها بصيص نور وسط غبش المصاعب، لكن ألا ترى معي سيدي المدير أن ما وعدك به السيد المسؤول حتما سيطول ويطول.. وحينها سيموت فينا الأمل وتقتل فينا رغبة التعلم وتسرق منا الطفولة كما سرقت من والدينا.

– علي: هيا لنعد أدراجنا فلا معنى لوقوفنا هنا الآن بعد أن ضاعت المدرسة منا ولم يبق إلى الأمنيات والوعود الزائفة.

– سعيد: بل لن أبرح لا أنا ولا أنت هذه الأطلال، حتى يأتي الرجال من أهلنا ومعلمينا ومربينا، لنحل جميعا معضلة مدرستنا التي جرفتها السيول، فالمدرسة هي بيتنا الثاني وأمنا الحانية، لأن أمي تقول لي الله حافظنا، ما دمنا نجاهد من أجل العلم الذي سيحررنا من الجهل، ويقوي فينا العزيمة والإصرار، لن أعود حتى أحقق لأمي حلمها بأن أكون كما تشتهي. آسف لا أستطيع العودة دون تحقيق حلمها وحلمي، بل دون تحقيق حلمنا بوطن يحتضن أبناءه كما تحضنني أمي، وإلا إن أخطأتنا السيول هذه المرة فقد لا تخطِئنا في مرات قد تكون قادمة.

تحلق الأطفال دائرة عريضة وصاروا ينشدون بعيون دامعة وأصوات مبحوحة:

مدرستي الحلوة ** مدرستي الحلوة

مدرستي الحلوة ** فيها تربينا

مدرستي الحلوة ** مدرستي الحلوة

مدرستي الحلوة ** تمشي وتخلينا