أوضح المستشار في التخطيط التربوي والباحث في العلوم الاجتماعية الأستاذ محمد أقديم أن ما يسمى بـ”المسالك الدولية للباكالوريا المغربية” ليست سوى “بكالوريا مغربية مفرنسة بأقسام خاصة تقوم على الانتقاء المرتكز على التفوق في اللغة الفرنسية بالأساس”.

ولفت أقديم في حوار أجراه معه موقع “الجماعة.نت” إلى أن هذه “المسالك الدولية” تعكس شرخا وتمييزا لغويا طبقيا في المدرسة العمومية، معتبرا أن التمييز اللغوي في المغرب بين الفرنسية واللغات الوطنية يحمل في طياته تمييزا طبقيا وثقافيا وإقصاء اجتماعيا.

وذهب إلى أن خلق أسلاك “الباكالوريا المفرنسة” وبعدها مباشرة خلق الأسلاك “المهنية” في الإعدادي والتأهيلي للمدرسة العمومية، “ليس في مخرجاته سوى فرز طبقي واضح بين أبناء الوطن الواحد، بتوجيه أبناء الفقراء والفئة الدنيا من الطبقة المتوسطة إلى المسالك المهنية، وبتوجيه أبناء الفئة العليا من الطبقة المتوسطة إلى المسالك الدولية المفرنسة، في الوقت الذي يتكفل التعليم الخصوصي بتقديم خدماته لأبناء المحظوظين فقط” يقول أقديم.

وأوضح أن هذه المسالك الدولية ليست في الواقع إلا “نقل وإحداث لنموذج من التعليم الخصوصي داخل أسوار المدرسة العمومية”، مشيرا إلى أن هذه الأخيرة أضحت تعاني من “تمزّق وتمييز على الأساس اللغوي، بعدما كانت تعاني من المنافسة غير الشريفة لها من طرف التعليم الخصوصي من خارج أسوارها”، وأضاف أنه بذلك “تم ضرب مبدأ تكافؤ الفرص، الذي يعتبر الركن الركين في المدرسة العمومية، والذي إذا مُسَّ فقدت المدرسة العمومية مبرر وجودها. وهو كذلك مبدأ وحق دستوري”.

واعتبر المستشار في التخطيط التربوي أن “تنصيص الدستور على أن اللغتين الرسميتين للمغرب هما العربية والأمازيغية، مما يقتضي عمليا أنهما لغتا التدريس في المدرسية العمومية، كما هو معمول به في كل دول العالم”، ولفت إلى أن الكثير من الإجراءات التربوية التي تتخذها وزارة التربية الوطنية في هذا السياق “تتنافى مع المقتضيات الدستورية”، وأضاف أن من هذه الإجراءات التربوية غير الدستورية خلق ما يسمى بـ”مسالك الباكالوريا الدولية”، وفي نفس الوقت قفزت إلى البدء في فرنسة السلك الإعدادي بفتح المسالك الدولية فيه، وهي مسالك فرنسية صرفة، تقوم على الانتقاء اللغوي (إتقان اللغة الفرنسية)، لتنتقل بعد ذلك ومباشرة إلى فرنسة لغة التدريس في الابتدائي بعد المصادقة على مشروع قانون-إطار، معللا ذلك بكون “نَقْلَ الفرنسة إلى السلك الابتدائي يحتاج إلى قانون نظرا لحساسيته الاجتماعية لارتباطه بالمراحل الأولى لتشكيل الهوية الثقافية للتلميذ”.

طالع أيضا  ذ. حمداوي: النظرة الاستثمارية للتعليم هي التي تؤدي إلى تقدم البلدان

وقال الباحث في العلوم الاجتماعية في حديثه عن القانون الإطار 51.17 باعتباره آلية تنفيذية للرؤية الاستراتيجية، إنه لم يبن على “تشخيص دقيق وموضوعي للوضع الاجتماعي”، مردفا أن معظم التشخيصات التي تمت صياغة الرؤية بناء عليها أنجزها المجلس الأعلى وفق قوالب توصيات المؤسسات والمؤتمرات الدولية حول التربية، “تركّز على وضعية منظومة التربية، دون ربطها بالأوضاع الاجتماعية والثقافية للشعب”.

وشدد على أن الرؤية الاستراتيجية وقانونها الإطار لم تأخذ الوضع اللغوي بالمغرب بعين الاعتبار ولم تقم بتشخيصه، وأوضح أن الوضع اللغوي في المغرب يعرف حاليا “عملية افتراس لغوي من المحتمل أن تصل في ظرف وجيز، على المدى المتوسط فقط إلى إبادة لغوية (linguicide)، حيث ستنفرد اللغة الفرنسية، وهي لغة مدعومة سياسيا واقتصاديا وإعلاميا وثقافيا واجتماعيا بنخب ماسكة بكل القرارات في القطاعات الاستراتيجية بالمغرب”، مشددا على أن ذلك سيسمح لها بافتراس اللغات الوطنية، التي هي في حاجة ماسة واستعجالية إلى “سياسة لغوية راشدة وتخطيط لغوي محكم لحمايتها وتنميتها”.

وأوضح في الحوار ذاته أن الرؤية الاستراتيجية، والقانون الإطار، قامت بـ”أكبر عملية التفاف على الدستور أولا”، الذي ينص على أن اللغتين الرسميتين للمغرب هما العربية والأمازيغية، وشدد على أنها قامت بـ”إفراغ هذا المقتضى الدستوري من محتواه، بآلية ملتوية سمّتها التناوب اللغوي الذي لا يعني عمليا سوى فرض لغة غير دستورية في النظام التربوي المغربي، بحجة الانفتاح على اللغات الأجنبية”.

وأضاف “هذا الانفتاح الذي يتم في كل بلاد العالم من خلال تدريس اللغات، وليس بلغات التدريس، حيث أرادت الرؤية الاستراتيجية علاج الفشل في تدريس اللغات بـتغيير لغات التدريس”.