استمرارا في تسليط الضوء على ما جاء في تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2018 من تعرية للاختلالات التي تعرفها قطاعات حيوية في بلادنا، سنتناول في مادتنا هاته شبهات واضحة ومساوئ تدبيرية فادحة، رصدها التقرير أثناء افتحاصه لكلية الحقوق بسلا.

شاب تسيير وتدبير كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمدينة سلا اختلالات عدة خلال الفترة ما بين 2010 و2017، والتي كانت موضوع فحص وتدقيق من طرف قضاة المجلس الأعلى للحسابات، حيث وجه المجلس انتقادات قوية إلى إدارة الكلية نظراً لغياب الرؤية المنسجمة، والارتباك العام على مستوى التدبير، ولحجم التخبط والخروقات التي تعيشها المؤسسة، وأيضا المخالفات القانونية الواضحة.

التدبير الإداري

التقرير الذي أعده المجلس بيّن أن الكلية لا تعقد لقاءات مؤسسة “مجلس الكلية” بشكل منتظم، ولا تقوم بأرشفة أغلب محاضر المجلس ولا توقيعها، ولاحظ التقرير أيضا غياب قوائم الحضور وجداول الأعمال وتفاصيل الجلسات، بل ويتم تحريرها بكيفية مقتضبة تقف عند العناوين فقط، وذلك خلاف مقتضيات النظام الداخلي التي تنص على أن يحتوي المحضر على المناقشات والقرارات ونتائج التصويت.

وسجل التقرير أيضا غياب لجان أساسية كلجنة البحث العلمي، علاوة على أنه لا يتم إعداد محاضر بشأن اجتماعات باقي اللجان، أو تدوين مناقشاتها، وتبين أن تلك اللجان لا تعد محاضر أو تقارير بشأن عملها.

وأوضح التقرير أن الكلية لا تملك هيكلا تنظيميا مصادقا عليه، ولم تضع دليل مساطر للوظائف التي تسمح بتحديد المسؤوليات والإجراءات الإدارية اللازم اتباعها، ويظهر ذلك من خلال عدم ضبط مهام كل مصلحة، خاصة بالنسبة لمصلحة الامتحانات.

التدبير المالي

ولاحظ المجلس الأعلى كذلك فيما يخص التدبير المالي، أن الكلية لا تضع ميزانية تستند على تحديد واضح للاحتياجات، بالإضافة إلى غياب أية وثائق تهم التقييم الدوري للاحتياجات من العتاد والمعدات معبأة من مختلف هياكل الكلية، مما ينتج عنه اقتناء مشتريات دون استخدامها، كما يتم تنفيذ عمليات الشراء سواء من قبل الكلية أو الجامعة دون برمجة مسبقة بخصوص الوسائل اللازمة لتدبيرها والحفاظ عليها.

طالع أيضا  تنسيق جمعوي لأطر التعليم يصعد احتجاجاته رفضا للسياسة التعليمية الرسمية

فعلى سبيل المثال تم اقتناء آلات النسخ، إلا أنه تم إيقاف تشغيلها بسبب ارتفاع “سعر الحبر”، كما لم تتمكن المؤسسة من إصلاح آلات طباعة بطاقات الطلاب، بسبب عدم توفر “الخبرة التقنية” اللازمة لإصلاحها. إضافة إلى ذلك، يتم توزيع أجهزة كمبيوتر محمولة جديدة دون المطالبة باسترداد السابقة، ما يجعلها “في يد عدد محدود من المستفيدين”. كما اشترت الكلية مجموعة من المعدات والأثاث، التي تم وضع الكثير منها في المخزن دون استخدام، وهو ما يفيد عدم توفر الكلية على رؤية مندمجة لتدبير المشتريات.

الخروقات القانونية

وانتقد تقرير المجلس “الخروقات والتجاوزات” المسجلة بالكلية؛ ومن بينها الشروع سنة 2016 في إدخال تعديلات على المباني القائمة، وذلك من خلال دمج بعض الأقسام الدراسية لزيادة قدرة استيعاب كل قسم، في غياب الوثائق التقنية الخاصة بالتصاميم، بالإضافة إلى أن العملية قد تمت دون طلب ترخيص بالتعديل وذلك وفق ما يقتضيه قانون التعمير.

كما لوحظ أنه لا توجد إمكانية للتحقق من عمليات نشر قوائم المقبولين لاجتياز مباراة ولوج مسالك الماستر، سواء تعلق الأمر بنشر النتائج داخل الكلية أو على الموقع الإلكتروني، وذلك للتأكد من تمكين الطلاب المقبولين من فترة زمنية معقولة وإخطارهم بموعد إجراء الاختبارات بشكل يضمن تكافؤ الفرص.

وسجل التقرير عدم تفعيل الشراكات المنصوص عليها في ملفات اعتماد تكوينات الإجازة والماستر، سواء مع كليات ومعاهد التكوين، أو مع القطاع الاقتصادي والاجتماعي والإدارات والجماعات المحلية، إذ تم خلال العام الدراسي 2014 / 2015 ، على سبيل المثال، تنظيم نشاط علمي واحد فقط.

تجاوزات مختلفة

ورصد التقرير معاملة غير عادلة لحالات الاحتيال، حيث لا يتم التعامل مع حالات الغش التي تم اكتشافها في الامتحانات بطريقة منصفة، فقد سجل مثلا بالنسبة للطلاب المعتقلين منح الأساتذة نقطا بشأنها، مع التنبيه إلى كون أوراق الامتحانات متطابقة. كما سجل قصوراً في تصحيح أوراق الامتحانات، فقد مكن فحص عينة منها الوقوف على هذا الأمر، فعلى سبيل المثال، لوحظ أن أستاذاً يمنح الطلاب نقطتين، واحدة عن المراقبة المستمرة، وثانية عن الامتحان النهائي، مع العلم أنه لم يتم تنظيم أي مراقبة مستمرة، كما تم تسجيل حالة أشد فظاعة حين منح أستاذ مادة “النظم الدستورية المقارنة” طالباً نقطة 12/20  مع العلم أن ورقة امتحانه لم يتم تصحيحها، وعثر عليها فريق المراقبة في الظرف الخاص بأوراق امتحان مادة قانون الأسرة في نفس الدورة!

طالع أيضا  ألا يستحق أساتذة التعاقد الدعم والمساندة؟

وفيما يخص مسطرة وضع الأساتذة للنقط وتسليم نسخ الامتحانات المصححة، رصد التقرير وضع بعض الأساتذة للوائح النقط بطريقة فردية (قائمة لكل مادة)، وتفويض الأستاذ المسؤول عن الشعبة بوضع قائمة النقط التي تجمع نقط جميع مواد الشعبة دون أن يتم توقيع هذه القائمة من قبل جميع أساتذة المواد المعنية، بالإضافة لإرسال نقط الدورات الاستدراكية من طرف الأساتذة، في معظم الحالات، عن طريق رسائل البريد الإلكتروني أو على حامل ورقي، مما قد يؤدي إلى حدوث أخطاء أو حذف غير مقصود لنقط الطلبة.

المجلس سجل أيضاً غياب مسطرة محددة لتسجيل النقط على نظام “APOGEE”، حيث لا يقوم الأساتذة بإدخال النقط مباشرة في هذا النظام، بل يقدمون قوائم النقط، إما على حامل ورقي أو ضمن ملف بيانات لتسجيلها أو استيرادها إلى النظام المذكور من قبل مصلحة الامتحانات. واعتبر  أن هذا الإجراء ينطوي على مجموعة من المخاطر منها أن الأساتذة يجدون أنفسهم مضطرين إلى تعديل الملفات الخاصة بالنقط، وذلك بإضافة أسطر لتشمل النقط الخاصة بالطلاب الذين اجتازوا الاختبارات دون أن يكون قد تم تسجيلهم في لوائح توزيع الممتحنين على المجموعات.

واسترسل التقرير في سرد التجاوزات، حيث كشف عن ضعف حصة الأساتذة في عدد ساعات التدريس، إذ أن فحص توزيع ساعات التكوين في سلك الإجازة للسنة الجامعية 2015/2016 بيّن أن مساهمة الأساتذة تبقى منخفضة نسبيا وموزعة بشكل غير متساو، إذ  لوحظ أن 25 أستاذا لم يدرسوا أي ساعة طيلة السنة، ويترتب على ذلك برمجة أفواج دراسية للطلبة بأعداد كبيرة، وهو ما من شأنه أن يؤثر سلبا على جودة التدريس، والمجهودات التي يبذلها الأساتذة فيما يخص تنظيم الدروس وتصحيح أوراق الامتحانات والحراسة.

وسجل التقرير أيضاَ عدم ضبط الغلاف الزمني للحصص الدراسية المنجزة، فلا يوجد لدى مصلحة البرمجة أي وضعية تتبع بعدي للساعات التي يدرسها الأساتذة بالفعل، حيث تكتفي بحفظ نسخ من إشعارات الغياب وتعويض الحصص التي يتم الإعلان عنها للطلاب. في حين أن دفتر الضوابط البيداغوجية الوطنية لسلك الإجازة يحدد الحد الأدنى للغلاف الزمني في 315 ساعة من التدريس والتقييم لكل فصل دراسي بالنسبة للفصل الأول والثاني، و 270ساعة على الأقل للفصل الواحد من باقي الفصول، أي ما مجموعه 1.710 ساعة على الأقل بالنسبة لسلك الإجازة. بالإضافة إلى ذلك، لا تتوفر مصلحة البرمجة ولا العمادة على أية معلومات تتعلق بالنتيجة البعدية للغلاف الزمني المنجز من طرف الأساتذة بالنسبة لسلك الماستر.

طالع أيضا  المجلس الأعلى للتعليم يقر من جديد بالوضع الكارثي للتعليم وينتقد نظام التعاقد

وفيما يخص محاضر مراقبة حضور الطلاب للامتحانات، فلا يتم ملؤها دائما من قبل الأساتذة المسؤولين عن الحراسة، وهكذا، فإنه من المستحيل عمليا تحديد هوية الطلاب الذين حضروا للامتحانات، وكمثال على ذلك، فبالنسبة للعام الدراسي 2015 / 2016 ، من بين 1.453  قائمة حضور يتعين ملؤها، لوحظ ملء 764 قائمة فقط.