تمهيد

يأتي تقرير المجلس الأعلى للحسابات في سياق خاص يهم تنفيذ مقتضيات الفصل 48 من الدستور، والمادة 100 من القانون رقم 62.99 المتعلقة بمدونة المحاكم المالية، وفي إطار إنجاز المجلس لما يسميه بمهامه الرقابية المرتبطة بنجاعة العمليات المالية للأجهزة العمومية، والمرتبطة أيضا بمدى تحقق أهداف البرامج والسياسات العمومية عبر التقييم الأفقي لهذه البرامج والسياسات وكذا مدى تنفيذ أهداف التنمية المستدامة التي دخل المغرب في التزام بصددها مع الأمم المتحدة.

في المستوى العام، سيركز المجلس على إشكالات العجز المالي للمنظومة الاقتصادية والماثلة في ما سجله تنفيذ قانون المالية لسنة 2018 من عجز في الميزانية بلغ 41.353 مليون درهم، وفي ارتفاع ديون الخزينة والتي بلغت عند متم 2018 ما قدره 722,6 مليار درهم، بنسبة ارتفاع تناهز 4,4 %مقارنة مع 2017. وفي ما يرتبط بمدى تحقق أهداف التنمية المستدامة سيظهر تقرير المجلس اختلالات تقنية علمية تتعلق بعدم تحديد النظام الإحصائي الوطني للقائمة النهائية لمؤشرات أهداف التنمية المستدامة، وسيتم هنا بيان غياب رؤية حول تحديد القيم المرجعية وعدم وجود تشخيص أولي للبيانات المرجعية المتاحة، بل وعدم التوفر على رؤية واضحة فيما يتعلق بالإجراءات التي يتعين القيام بها لوضع قائمة البيانات المرجعية تلك. وإلى جانب غياب استراتيجية تواصلية للتعبئة الوطنية حول خطة أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 يورد المجلس تنازع جهات متعددة لمهمة الرصد والتتبع مما يضيعها جملة وتفصيلا. أيضا يكشف تقرير المجلس بصدد أهداف التنمية المستدامة اختلالات تدبيرية تبرز بالأساس في غياب خطة للتواصل أو استراتيجية للتعبئة، هذا دون أن ننسى مشكلة ضعف وتيرة التقائية الاستراتيجيات الوطنية الجارية مع خطة عام 2030 للتنمية المستدامة.

التعليم الكارثة: اختلالات الرؤية والتسيير

إن ذهبنا إلى الملاحظات المسجلة في مجال التربية والتعليم سنجد أنها ستشمل مستويات متعددة من سيرورة تدبير وتسيير القطاع؛ حكامة تنظيمية، وشفافية مالية، وتدبيرا للبحث العلمي، وتتبعا ورصدا وتقييما. ومنذ البداية يذكر هذا المجلس عدم القدرة على تنفيذ الالتزامات الخاصة بالهدف الرابع من أهداف خطة التنمية المستدامة المعتمدة من لدن الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار خطة عام 2030، ذلكم الهدف الذي ينص على “ضمان التعليم الجيد والمنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع”. والحال أن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة تبقى ذات تأثير محدود بسبب غياب صلاحيات التنفيذ لدى اللجنة المختصة التي تظل حبيسة البيروقراطية المركزية. وربما سنكتفي نحن بإيراد جملة من هذه الاختلالات التي تمت الإشارة إليها والتي ترتبط بالحكامة، وبالبحث العلمي وبالتكوين، وببنيات الاستقبال، وبالإدماج في سوق الشغل، وربما هي اختلالات إن كانت تعني مؤسسات بعينها فهي ستكفي وتغني ويمكن تعميمها على المنظومة، ولعلها كلها غيض من فيض الكوارث العامة التي تمس القطاع.

طالع أيضا  ذ. حمداوي: جذور أزمة التعليم قرارات سياسية لأعلى سلطة في البلاد

في الجانب المرتبط بالحكامة يورد المجلس مثلا كثيرا من الملاحظات تهم عدم احترام المقتضيات القانونية الخاصة بتكوين مجالس المؤسسات الجامعية، وتأخر تشكيل بعض هذه المجالس والتركيبة الموسعة لبعض الهياكل التي تحول دون أداء المهام المطلوبة، وعدم انتظام دورات هذه المجالس حتى في حالة التشكيل، بل و أحيانا غياب رؤية استراتيجية لتطوير بعض المؤسسات الجامعية مع غياب برامج عمل، وقد أورد المجلس كذلك غياب الإشراك لهيئات الحكامة في اتخاذ قرارات مصيرية، وانعدام الشفافية والملاءمة في إجراءات انتقاء طلاب الدكتوراه وعدم التمكن من ضبط البيانات المتعلقة بتسجيل وإعادة تسجيل الطلاب، بل ومما سجل وجود تعديلات في تنقيط الطلبة من دون تحديد المعايير وعدم معالجة الشكايات المتعلقة بالنقط.

في الجانب الخاص بالبحث العلمي يقف بنا المجلس عند العديد من المشاكل التي حدد بعضها في عدم احترام مقتضيات هيكلة البحث العلمي، وتركيز وحدات البحث في عدد محدود من المؤسسات الجامعية، وغياب تتبع وتقييم وحدات البحث العلمي كما تنص على ذلك دفاتر ضوابط التحمل، وسجل المجلس – إلى جانب غياب استراتيجية للبحث العلمي ومحدودية مشاريع البحث العلمي حتى لقد ذكر أن إحدى الكليات لا تتوفر على مقاربة واضحة للبحث العلمي – سجل انخفاضا في الإنتاج العلمي للجامعة، بل أكد وجود عدم مساهمة عدد مهم جدا من الأساتذة الباحثين في البحث العلمي، كما وقف عند ضعف المبالغ المالية المرصودة للإنتاج العلمي.

بالنسبة لمجال التكوين، كانت الملاحظات صادمة حقا، فإلى جانب ما ذكره من غياب دراسات قبلية لتحديد الحاجيات من التكوين المستمر وطرق التقييم، أورد المجلس الأعلى هنا في ما يخص سلك الدكتوراه مثلا عدم تجديد اعتماد بعض تكوينات هذا السلك، وعدم احترام عدد ساعات التكوينات التكميلية الإجبارية والاحتيال في استكمال هذا العدد المحدد في 200 ساعة. ووقف المجلس في مرات عديدة عند اختلالات التكوين الأساس خاصة ما يرتبط بعدد الساعات المنجزة والواجب إنجازها، وقد قدمت إحصاءات غريبة تبرز تباين بين الأساتذة في إنجاز الحصص الزمنية النظامية، وقد مكن تطبيق معلوماتي من بيان أن مجموع عدد الساعات المنجزة في مؤسسة جامعية للطب والصيدلة خلال السنة الجامعية 2018 / 2017 بلغ 2.299 ساعة تدريس فقط، بينما كان يتعين إنجاز عدد ساعات تصل حسب القوانين الجاري بها العمل إلى 21.024 ساعة تدريس، وهو ما يعني أن 18.725 ساعة تدريس لم يتم إنجازها. أيضا طرح المجلس عدم قدرة المستشفيات الجامعية على استيعاب جميع المتدربين، وكشف عن وجود مخاطر إنجاز تدريب غير مناسب لأهداف التكوين. لم يفت المجلس أن يعرض لضعف التأطير البيداغوجي مما يلجئ مؤسسات إلى الاستعانة بأساتذة عرضيين لتدريس المجزوءات الأساسية في تخصصات مهنية بعضهم ليسوا بمتدخلين مهنيين في المجال. وكشف المجلس في هذا الصدد عن وجود توجه لدى الأساتذة نحو التكوين المستمر المؤدى عنه مع إهمال التكوين الأساسي الداخل في المهام، مع استخدام غير مبرر للساعات الإضافية وللأساتذة الخارجيين بالرغم من عدم استكمال الأساتذة الدائمين لحصص الدروس القانونية الخاصة بهم.

طالع أيضا  حوار.. البروفيسور البغدادي: إذا أردت أن تساهم في تطوير المجتمع حقيقة ساهم بتطوير لغته

عنصر المردودية كان حاضرا أيضا في تقرير المجلس الأعلى للحسابات؛ إذ تحدث عن ضعف مردودية سلك دراسات الدكتوراه والتي تظهرها مؤشرات ثلاثة هي: عدد الأطروحات التي تتم مناقشتها، وفترة تهييء الأطروحة، وكذا عدد الطلبة الذين لم يستمروا في تهييء أطروحاتهم. وطرح التقرير مشكلة ارتفاع نسبة الهدر الجامعي بسلك الإجازة بالكلية التي تبلغ بإحدى الكليات مثلا نسبة 50%.

حضرت كذلك اختلالات التسيير المالي من قبيل عدم اخضاع الميزانيات التعديلية لمناقشة ومصادقة المجالس المسؤولة، كما لوحظ في بعض المؤسسات عدم إنجاز ميزانية متعددة السنوات قصد التتبع الأمثل لكل المشاريع المبرمجة. وسجل بسبب اختلالات تدبير الميزانية وجود عدد مهم من القضايا والطعون أمام المحاكم الإدارية ضد قرارات إحدى الأكاديميات أدت إلى إصدار أحكام ضدها كلفت ميزانية الأكاديمية أكثر من 44 مليون درهما خلال الفترة الممتدة بين 2008 و2014.

بنيات الاستقبال عانت أيضا من مشاكل من بينها ما عرفته إحدى الأكاديميات؛ إذ تم رصد مجموعة من النقائص نسردها كما سردها المجلس كالتالي: عدم توفر بعض المؤسسات التعليمية على البنيات التحتية الأساسية من ماء صالح للشرب وكهرباء وتطهير سائل، وجود أقسام متعددة المستويات غير مؤطرة بأساليب بيداغوجية ملائمة لهذا النمط، مع تجاوز بعض الداخليات للطاقة الاستيعابية، وعدم ملاءمة ظروف الاستقبال فيها وفي المطاعم المدرسية، عدم الاستغلال الأمثل للمدارس الجماعاتية، وغياب إطار قانوني منظم لهذه المدارس، إضافة إلى الخصاص في الموارد البشرية وخاصة تلك المتعلقة بتأطير التلاميذ بالداخليات، نقائص على مستوى تدابير الصحة والسلامة داخل بعض المؤسسات التعليمية والداخليات والمطاعم المدرسية، أهمية الاكتظاظ في بعض الأقسام.

ملاحظات وخلاصات

إذا كانت هذه هي أهم المضامين التي عرض لها تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول التعليم، وبدون أن نطرح أسئلة تتعلق بالمجلس وبتركيبته وبمهامه وبوضعيته الاعتبارية وبمهامه الرقابية السابقة ومصيرها وأخرى تتعلق بالظرفية وبالسياقات، ومع افتراض حسن النية وإغفال أسئلة حول الطابع الانتقائي للمهام الرقابية، فيمكننا أن نسجل بصددها ملاحظات جمة من بينها:

– هذه ملاحظات سبق للمجلس أن عرض لمثلها في تقارير سابقة، وعرض لأفدح منها المجلس الأعلى للتربية والتكوين ومجالس أخرى ذات طابع سيادي من دون أن ينجم عنها قطع مع سالف المناهج المعتمدة في مقاربة القضية التعليمية مما يجعلها من الجعجعة التي لا طحن وراءها، مما يجعلنا نطرح أسئلة عن الأدوار الحقيقية لمثل هذه المجالس التي كنا قلنا عنها في سياق آخر إنها تؤدي وظائف ضبطية تحكمية تزيد من إدخال التعليم في دوامة اللعب العبثي بمصير البلاد والعباد، مع تحمل اللوم لنتائج التسيير التي لا يرجى أن تكون غير نسخة أصيلة من المقدمات المنطلق منها.

طالع أيضا  النقابات التعليمية ترفض مقترحات الوزارة وتطالب بالاستجابة لملف الشغيلة التعليمية دون تجزيء

– هذه الملاحظات لم تترك جانبا من جوانب التدبير والتسيير لم تورد بصدده كارثة من الكوارث أو طامة من الطوام، وبعضها خطير جدا يضرب ليس فقط مصداقية النظام التربوي بل يمس ويهدد السلامة الجسمية للمواطنين والمستوى المهني التكويني للخريجين خاصة عند الحديث مثلا عن عدم استكمال مدد التكوين في مجال الطب والصيدلة وفي مجال التدبير الاقتصادي والمقاولاتي والصناعي، بل إن بعضها ذو طابع جنائي كما هي اختلالات التقويم والتنقيط، والاحتيال في نيل تعويضات التكوين، وكل هذه تنم عن مبلغ العبث الذي أصاب جسم المنظومة خاصة مع استمرار الحديث عن غياب الرؤى والاستراتيجيات والبرامج.

– إنها ملاحظات تقنوية تقف عند جوانب ذات طابع تقني دون ملامسة أو اقتراب من حدود السياسة التعليمية المرتبطة بالمدخلات الموضوعة، والاختيارات البيداغوجية، وطرائق تدبير الموارد البشرية، والسياسة اللغوية، والقيم الضابطة، والمخرجات المنتظرة.

– إنها ملاحظات لا تقترب من حمى المسؤولين الحقيقيين عن الاختيارات السياسية المعتمدة في القطاع، فهي لا تعرض لواضعي هذه السياسات، إنما تكتفي بالجهاز التنفيذي، وكأنها، بل إنها، تمارس دور تهريب المسؤولية وتبييض النظام الحاكم وتبرئة ذئبيته من دم الجراح الثخينة في جسم المنظومة وأجيالها ماضيا وحالا ومستقبلا لا قدر الله.

– ثم إنها ملاحظات رجع صدى متناغم لما يطرحه الخطاب الرسمي من انتقادات لاذعة للجهاز التنفيذي في تقاعسه عن تنفيذ وتجسيد الرؤى المسطرة على أرض الواقع، مما يسائل خلفيات هذه التقارير التي لا ينتج عنها ربط المسؤولية بالمحاسبة إلا في نطاق التوجه العام لتصفية الحسابات السياسية الضيقة.

والخلاصة التي وجب التصريح بها هو أننا تعبنا حقا أو “عيينا” صدقا (من العياء بالدارجة) من هذه التوصيفات المكرورة المعادة التي يعرفها العادي والبادي، والقاصي والداني، والحاكم والمحكوم، والبنك الدولي والحارس المسكين لأقسام المدرسة النائية، والمدرس والتلميذ، والمفتش والمدير. ومللنا وسئمنا من هذا العبث الممجوج بمصير أبنائنا في ترداد أسطوانات مشروخة وموسيقى أنين مهترئ مصطنع، والحال أن الوضع يريد رجولة ومسؤولية. والحال أن سلوك النهج التنفيسي الذي تمارسه الدولة عبر مجالسها المعينة المرعية، والتي تكاد تكون معارضة للدولة نفسها أقوى مما تقوله “المعارضة” الحزبية، هذا السلوك ما عاد يفيد في إخفاء الفاعلين الحقيقيين لصالح لوم هنا وعتاب هناك لأكباش فداء ثانويين. فإلى متى ستستمر الإشارات المتتالية المتوالية في هدر الزمن المستقبلي للبلاد في التلويح فقط بالجراح الثخينة في الجسم التعليمي من دون تدخل علاجي سريع يقطع مع آليات التدبير والتسيير التي لم تنتج لنا على مدى التاريخ الطويل لإصلاحات التعليم إلا النتائج ذاتها والمشاكل نفسها.