استمرارا في سلسلة الحوارات التي يجريها موقع “الجماعة.نت” بمناسبة الدخول المدرسي مع مهتمين ومتخصصين في الشأن التربوي، وفي السياسات المتعددة التي لها صلة بالمجال التعليمي، بهدف ملامسة أسباب الفشل الذي أصبح لصيقا بالمجال، واستنباط حلول من شأنها النهوض بالقطاع، نستضيف في هذا الحوار الثالث المستشار في التخطيط التربوي والباحث في العلوم الاجتماعية الأستاذ محمد أقديم لنقف عند قراءة متخصص لبنود القانون الإطار وبسط انعكاساته المتوقعة على المدى القريب والمتوسط والبعيد. فإليكم نص الحوار:


قبيل انطلاق الموسم الدراسي الجديد، تم إصدار القانون الإطار 51.17 الخاص بمنظومة التربية والتعليم في الجريدة الرسمية كحلقة أخيرة ونهائية في مسلسل الإقرار. ما قراءتكم للسياق الذي تم فيه اعتماد القانون والمسار الذي سلكه؟

في الحقيقة السياق الذي أتى فيه اعتماد قانون-إطار 51.17 هو سياق مرتبط بما هو وطني داخلي، كما أنه مرتبط بما هو خارجي ودولي، في جدلية بين البعدين:

– على المستوى الدولي: من المعلوم أن القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين هو الصياغة القانونية للرؤية الاستراتيجية (2015-2030)، التي وضعها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي وفق مقتضيات دستور 2011. وفي الحقيقة هذه الرؤية الاستراتيجية ليست منتوجا خالصا للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، بقدر ما هي اجتهاد منه في تنزيل توصيات إعلان إنشيون للمنتدى العالمي للتربية 2015، المنعقد في ماي من سنة 2015 في مدينة إنشيون الكورية الجنوبية، والذي رفع شعار “التعليم سنة 2030″، شارك فيه الوزراء المعنيون بالتربية والتعليم والتكوين من حوالي 160 دولة، بدعوة من اليونيسكو واليونيسيف والبنك الدولي وصندوق الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. مع العلم أن هذا الإعلان ليس سوى حلقة من سلسلة من المؤتمرات الدولية حول التربية والتعليم والتكوين، فقد سبقه المؤتمر العالمي لليونسكو للتربية من أجل التنمية المستدامة أيشي-ناغويا (اليابان) سنة 2014، كما تبعته سلسلة أخرى  من المؤتمرات في نفس السنة 2015.

معظم مواد الرؤية الاستراتيجية مستمدة من توصيات هذا الإعلان العالمي، الذي يعتبر بدوره إحدى آليات تنزيل وتنفيذ الهدف الرابع من أهداف الألفية الثالثة للتنمية المستديمة، وعليه فالرؤية الاستراتيجية (2015-2030)، على غرار ميثاق التربية والتكوين لفترة (1999-2009)، والبرنامج الاستعجالي (2009-2012)، في جزء كبير من مضامينها، عبارة عن إملاءات فرضتها السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدولية.

– على المستوى الداخلي-الوطني: أتى القانون في سياق الفشل النسبي، لأنه لا يمكن الحديث عن فشل كلّي ومطلق، لكل حلقات المسلسل أو الجيل الثاني للإصلاح الذي خضعت له منظومة التربية والتكوين، الجيل الثاني للإصلاحات الذي انطلق مع بداية هذا القرن بإصدار وتفعيل “ميثاق التربية والتكوين”، وحيث لا نريد الحديث عن المسلسل أو الجيل الأول للإصلاحات، الذي انطلق سنة 1957 بإنشاء المجلس الأعلى للتعليم، وانتهى بإنشاء اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم سنة 1994، مرورا بالعديد من المناظرات و المخططات.

نتحدث عن سياق الفشل النسبي للجيل الثاني من الإصلاحات، حيث تمّ تجريب العديد من الوصفات الإصلاحية، التي تكشف السياقات الوطنية والدولية التي أتت فيها، على أنها عبارة عن برامج ومشاريع كانت في أصلها توصيات وخلاصات لمجموعة من التقارير التي تصدرها بعض المنظمات الدولية (اليونيسكو – اليونيسيف..) وبعض المؤسسات المالية الدولية (البنك العالمي..) منذ منتصف التسعينيات الماضية، وكل تلك المشاريع والبرامج تركّز على ملاءمة مخرجات المدرسة العمومية مع سوق الشغل، وبعدما كان تركيز كل من “ميثاق التربية والتكوين” (1999-2009)،والبرنامج الاستعجالي (2012-2009)،على الانتقال إلى نماذج جديدة من المقاربات البيداغوجية (الكفايات)، ووضع هندسة بيداغوجية جديدة للمنظومة، تمّ الانتقال مع الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين (2015-2030) إلى الحديث عن هندسة لغوية جديدة (التناوب اللغوي) تفسح المجال لعودة الفرنسية من جديد كلغة للتدريس إلى التعليم المدرسي بالمدرسة العمومية المغربية، وإلى مراجعة مبدأ مجانية التمدرس عبر الحديث عن مساهمة الأسر في تمويل التعليم.

ومادام هذا المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ليس سوى مؤسسة للاستشارة والحكامة وإبداء الرأي وتوفير وتقديم الخبرة، تشكل قوة اقتراحية، وليس مؤسسة للقرار والتشريع والتنفيذ، ويبقى رأيه استشاريا، فلا شرعية قانونية لقرارته ولا لآرائه الاستشارية، إلا إذا تمّ تحويلها إلى تشريعات قانونية يصادق عليها البرلمان، وتمت ترجمتها إلى قرارات وزارية و إجراءات إدارية ومشاريع مؤسساتية، ولا تأثير لتوصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين إلا إذا حوّلتها الحكومة إلى سياسة حكومية وقرارات تنفيذية، ولهذا تسعى الحكومة حاليا إلى إصدار قانون-إطار لتُكْسِبَ تلك الرؤية الاستراتيجية صبغة الإلزام والالتزام. على اعتبار أن هناك من يعتبر عدم أجرأة معظم دعامات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وأغلب مشاريع البرنامج الاستعجالي على شكل قوانين أحد الأسباب الرئيسية في فشلها.

ما هي أهم مآخذكم على القانون الإطار 51.17؟

هناك العديد من المآخذ؛ سواء على المستوى الشكلي المسطري أو على مستوى مواده ومضامينه:

– على مستوى الشكل: أولا: لم تُبن الرؤية الاستراتيجية، وآليتها التنفيذية التي هي القانون الإطار، على تشخيص دقيق وموضوعي للوضع الاجتماعي، فمعظم التشخيصات “الموضوعاتية” التي أنجزها المجلس الأعلى وبناء عليها تمت صياغة الرؤية، وفق قوالب توصيات المؤسسات والمؤتمرات الدولية حول التربية، معظم هذه التشخيصات تركّز على وضعية منظومة التربية، دون ربطها بالأوضاع الاجتماعية والثقافية للشعب. فلم تأخذ هذه الرؤية-القانون مثلا الوضع اللغوي بالمغرب بعين الاعتبار ولم تقم بتشخيصه، هذا الوضع اللغوي الذي يعرف حاليا عملية “افتراس لغوي” من المحتمل أن تصل في ظرف وجيز، على المدى المتوسط فقط إلى إبادة لغوية (linguicide)، حيث ستنفرد اللغة الفرنسية، وهي لغة مدعومة سياسيا واقتصاديا وإعلاميا وثقافيا واجتماعيا بنخب ماسكة بكل القرارات في القطاعات الاستراتيجية بالمغرب، مما يسمح لها بافتراس اللغات الوطنية، التي هي في حاجة ماسة واستعجالية إلى سياسة لغوية راشدة وتخطيط لغوي محكم لحمايتها وتنميتها.

ثانيا: قامت الرؤية الاستراتيجية، والقانون الإطار، بأكبر عملية التفاف على الدستور أولا، الذي ينص على أن اللغتين الرسميتين للمغرب هما العربية والأمازيغية، ورغم تنصيصها في ديباجتها على النصوص الدستورية تمويها، فإنها قامت بإفراغ هذا المقتضى الدستوري من محتواه، بآلية ملتوية سمّتها “التناوب اللغوي” الذي لا يعني عمليا سوى فرض لغة غير دستورية في النظام التربوي المغربي، بحجة الانفتاح على اللغات الأجنبية، هذا الانفتاح الذي يتم في كل بلاد العالم من خلال “تدريس اللغات”، و ليس بـ”لغات التدريس”، حيث أرادت الرؤية الاستراتيجية علاج الفشل في “تدريس اللغات” بـتغيير “لغات التدريس”.

– على مستوى المضمون:  ما يسمى بالمسالك الدولية للباكالوريا المغربية ليست سوى “بكالوريا مغربية مفرنسة” بأقسام خاصة تقوم على الانتقاء المرتكز على التفوق في اللغة الفرنسية بالأساس، وهذه “المسالك الدولية”، قبل تعميمها في السلك التأهيلي والآن في السلك الإعدادي، أحدثت شرخا وتمييزا لغويا طبقيا في المدرسة العمومية (لأن التمييز اللغوي في المغرب بين الفرنسية واللغات الوطنية يحمل في طياته تمييزا طبقيا وثقافيا وإقصاء اجتماعيا)، ولا يخفى على أي مراقب ومتتبع للشأن التربوي بالمغرب أن خلق أسلاك “الباكالوريا المفرنسة” وبعدها مباشرة خلق الأسلاك” المهنية” في الإعدادي والتأهيلي للمدرسة العمومية، ليس في مخرجاته سوى فرز طبقي واضح بين أبناء الوطن الواحد، بتوجيه أبناء الفقراء والفئة الدنيا من الطبقة المتوسطة إلى المسالك المهنية، وبتوجيه أبناء الفئة العليا من الطبقة المتوسطة إلى المسالك الدولية المفرنسة، في الوقت الذي يتكفل التعليم الخصوصي بتقديم خدماته لأبناء المحظوظين فقط. وهذه المسالك الدولية التي ليست في الواقع سوى نقل وإحداث لنموذج من التعليم الخصوصي داخل المدرسة العمومية، التي بعدما كانت تعاني من المنافسة غير الشريفة لها من طرف التعليم الخصوصي من خارج أسوارها، والذي يقتات على مواردها البشرية، صارت تعاني من هذا النموذج من “التعليم الخصوصي” الطبقي مع إحداث هذه المسالك داخل أسوارها،  أضحت تعاني من تمزّق وتمييز على الأساس اللغوي، الذي تماهى مع التمييز الطبقي، وبذلك تم ضرب مبدأ تكافؤ الفرص، الذي يعتبر الركن الركين في المدرسة العمومية، والذي إذا مُسَّ فقدت المدرسة العمومية مبرر وجودها. وهو كذلك مبدأ وحق دستوري.

طالع أيضا  د. شكري في حوار شامل حول الدخول المدرسي

كيف تتبعتم مسار إقراره على مستوى اتخاذ القرار وعلى مستوى المسطرة التشريعية؟

إن وزارة التربية الوطنية، تعمل منذ مدّة وتتخذ الكثير من الإجراءات التربوية التي تتنافى مع المقتضيات الدستورية، على اعتبار أن تنصيص الدستور على أن اللغتين الرسميتين للمغرب هما العربية والأمازيغية، مما يقتضي عمليا أنهما لغتا التدريس في المدرسية العمومية، كما هو معمول به في كل دول العالم، ومن هذه الإجراءات التربوية غير الدستورية خلق ما يسمى بـ”مسالك الباكالوريا الدولية”.  وقد شرعت في تعميم هذه المسالك منذ سنة 2017 في التعليم التأهيلي، بدءا من الجذع المشترك، وفي نفس الوقت قفزت إلى البدء في فرنسة السلك الإعدادي بفتح المسالك الدولية فيه، وهي مسالك فرنسية صرفة، تقوم على الانتقاء اللغوي (إتقان اللغة الفرنسية)، وستبدأ في تعميمها انطلاقا من الموسم المقبل في بعض الأكاديميات، لتنتقل  بعد ذلك ومباشرة إلى فرنسة لغة التدريس في الابتدائي بعد المصادقة على مشروع قانون-إطار، لأن نَقْلَ الفرنسة إلى السلك الابتدائي يحتاج إلى قانون نظرا لحساسيته الاجتماعية لارتباطه بالمراحل الأولى لتشكيل الهوية الثقافية للتلميذ، ولأنه سيمس فئات عريضة من المجتمع، وحوالي ثلثي الديموغرافيا المدرسية، في الوقت الذي لا يمس فيه بالسّلك التأهيلي سوى أقل من 10%، وفي السلك الإعدادي سوى 30% من هذه الديموغرافيا المدرسية، وبالتالي فالانعكاسات الخطيرة لهذه الفرنسة ستكون كبيرة في الابتدائي، ولذا تحتاج الوزراة والحكومة إلى قانون يشرعن سياستها هذه.

ما خطورة عدم اعتماد اللغة العربية لغة أساسية للتدريس خاصة المواد العلمية؟

هناك خلط مقصود بين دور لغات التدريس وأهمية تدريس اللغات عند كل حديث عن فشل السياسة التعليمية بالمغرب، حيث كان معيار إتقان المتعلمين أو خريجي المدرسة العمومية المغربية للغات الأجنبية، وخاصة الفرنسية منها، حاضرا بقوة في كل نقاش عمومي أو خاص، سواء بالتصريح أو بالتلميح، وفي كل تقييم لوضعية المنظومة التربوية، وغالبا ما تكون خلاصة خلط بين دور لغات التدريس وأهمية تدريس اللغات، هي تحميل الأزمة البنيوية التي تعاني منها المنظومة التعليمية للغة العربية، واعتبار تعريب لغة تدريس العلوم هو العامل الكبير في هذه الأزمة والسبب الرئيسي في  الضعف في إتقان اللغات الأجنبية، ليشرع طرفي أو أطراف كل حديث أو نقاش من هذا النوع، بكثير من النوسطالجيا الممزوجة بالحسرة، في سرد “الأمجاد” التاريخية للمدرسة العمومية المغربية خلال الستينيات والسبعينيات، وحتى في عهد الاستعمار، عندما كانت لغة التدريس هي الفرنسية، وهذا النوع من البكائيات لا يقتصر على الأجيال التي عاصرت الاستعمار ومرحلة بعد الاستقلال فقط، بل صارت عدواه منتشرة حتى في وسط مواليد ما بعد الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

وبهذا الخلط والتمويه المقصود، خاصة من طرف بعض النخب والمنابر الإعلامية المحسوبة على اللوبي الفرنكوفوني، يتم القفز والتغاضي على الكثير من الحقائق، التي أكدتها وأنتجتها تجارب السياسات التعليمية في العديد من الدول المتقدمة، حيث أن الانفتاح عند كل الأمم والشعوب، وفي كل البلدان المتقدمة، يكون بتدريس اللغات الأجنبية، وتدريس العلوم يكون باللغات الوطنية، والبحث العلمي يكون بالمزاوجة بين اللغات الوطنية واللغات الأجنبية: لأن تدريس اللغات الأجنبية يستهدف الانفتاح والتفاعل مع العالم و به تتم عملية نقل العلوم واستيرادها والانفتاح على المستجدات العلمية والتقنية، في حين تستهدف لغات التدريس (تدريس العلوم باللغات الوطنية) عملية غرس العلوم وتبيئتها في التربة الوطنية، وتهدف إلى استنبات التفكير العلمي في المجتمع وربط العلوم بالهوية الوطنية، وتسعى إلى  إغناء وتخصيب الثقافة المحلية بالتفكير العلمي. وهناك فرق كبير بين العمليتين، حيث لا يمكن لعملية النقل والاستيراد أن تتحول إلى عملية الغرس والاستنبات والتبيئة والتخصيب والإغناء، هما عمليتان متكاملتان، ولا يمكن لإحداهما أن تحل محل الأخرى. وفي نفس الوقت تتم المزاوجة بين اللغات الوطنية واللغات الأجنبية في البحث العلمي. والمشكل في المغرب هو أن الدولة فشلت في التدريس باللغات الأجنبية، وفشلت في البحث العلمي لاعتماد لغة أجنبية متجاوزة عالميا في البحث العلمي، فألقت اللوم على التدريس باللغة الوطنية.

وفي هذا الإطار وفي سياق الحديث عن خطورة إقصاء اللغات الوطنية (العربية – الأمازيغية) من تدريس العلوم في التعليم المدرسي نتساءل:

– كيف يمكن تعميم التمدرس وتحقيق تكافؤ الفرص بين أبناء المغاربة، من خلال تدريس العلوم لهم بغير لغاتهم الوطنية والرسمية، بل بلغة أجنبية، هم غير متكافئين في تحصيلها، ولا يمكن أن يكونوا متكافئين في إتقانها، لأنها لغة نخبة ولغة تمييز وتفييئ في المجتمع، ستحول دون استيعاب فئة عريضة من أبناء المغاربة للعلوم وستشكل حاجزا أمام توجههم إلى الشعب العلمية، التي ستصير حكرا على أبناء النخبة المفرنسة، وأقلية من أبناء الطبقات الشعبية، الذي يتوفرون على قدرات خاصة واستثنائية، كما كان الوضع سابقا قبل التعريب، عندما يُنظرُ إلى تلاميذ وطلاب الشعب العلمية على أنهم فئة من العباقرة؟

– كيف يمكن غرس العلوم في الناشئة بلغة أجنبية (لغة استعمار) في محيط اجتماعي لغوي عربي-أمازيغي؟ كيف يمكن تخصيب الثقافة المحلية بالتفكير العلمي، ومواجهة التفكير الخرافي، بلغة أجنبية عن هذه الثقافة المحلية؟

طالع أيضا  ذ. حمداوي: استخدام اللهجة العامية في التدريس مشروع استعماري قديم

الآن وقد تم الإقرار، ما إمكانيات المقاومة المتاحة أمام القوى المجتمعية والجهات الرافضة للقانون؟

قبل الحدث عن إمكانيات مقاومة هذا القانون من طرف القوى المجتمعية، لابد من الحديث عن النتائج الكارثية المباشرة المنتظرة من التنزيل السريع لمقتضيات هذا القانون، حيث سارعت معظم الأكاديمية الجهوية والمديريات الإقليمية لوزارة التربية إلى تنزيله بشكل عشوائي وغير مدروس، حيث تتسابق الأكاديميات والمديريات الإقليمية في إصدار المذكرات التنظيمية، التي تدعو فيها مدراء المؤسسات الإعدادية التابعة لها بالشروع في تعميم “المسلك الدولي”، الذي ليس سوى تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، بالسنة الأولى إعدادي، ومنها من يدعو إلى تعميم على مستوى المؤسسات بإحداث أقسام خاصة لهذا المسلك، ومن دفع بالتعميم إلى حدوده القصوى، وهي تعميم هذا المسلك على كل أقسام السنة الأولى إعدادي وبكل المؤسسات الإعدادية التابعة لها، في انتظار تعميم السنة المقبلة على المستوى السنة الثانية إعدادي، ثم السنة الثالثة إعدادي.

 أما على مستوى السلك التأهيلي، فخلال هذا الموسم الدراسي سيتم حذف ما تبقى من جيوب تدريس العلوم باللغة العربية في كل المؤسسات التعليمية وبكل المستويات في الشعب العلمية، وسيتم الشروع في تعميم التدريس بالفرنسية للمواد العلمية بالنسبة للشعب الأدبية كذلك.

 قلتُ بأن النتائج المتوقعة لهذا التعميم ستكون كارثية، وستتجلى في نسب الهدر المدرسي التي يتوقّع أن تكون مرتفعة جدا، خاصة على مستوى السنة الأولى إعدادي، خاصة في العالم القروي، عندما سيجد الآلاف من التلاميذ أنفسهم غير قادرين على مواكبة دروس المواد العلمية باللغة الفرنسية، مما سيدفع بهم إلى مغادرة مقاعد الدراسة بعد ثلاثة أشهر أو بعد نهاية الدورة الأولى من السنة الدراسية على أبعد تقدير، عندما يتوصلون بنتائج هذه الدورة.

وقد حاولتْ الوزارة استباق هذه الوضعية منذ نهاية السنة الماضية، بالسعي للتخفيف من آثارها من خلال توسيع الاستفادة من برنامج الدعم الاجتماعي “تيسير”، ليشمل تلاميذ السلك الإعدادي، وليمتد مجاليا ليشمل التلاميذ في الوسط الحضري كذلك، وكذلك بالرفع من قيمته، بعدما كانت الاستفادة من هذا البرنامج تقتصر على تلاميذ السلك الابتدائي وفي جماعات ترابية معينة بالعالم القروي فقط. هذا التوسيع من وعاء برنامج “تيسير” ليشمل كل العالم القروي والوسط الحضري، ليس في الحقيقة إلا آلية لدفع آباء وأمهات التلاميذ على إجبار أبنائهم على استكمال سنوات التمدرس بالسلك الإعدادي، عندما يقدمون على مغادرة مقاعد الدراسة، بسبب عدم قدرتهم على مواكبة دروس المواد العلمية باللغة الفرنسية، فالتلميذ عندما يجد نفسه في وضعية لا يستطيع معها مواكبة الدروس كباقي زملائه في القسم، لا يستسيغ البقاء في المدرسة، وحتما سيغادر مقاعد الدراسة، ولكن والديه سيجعلهم طُعْم ذلك الدعم الهزيل لبرنامج “تيسير” يضغطون عليه لاستكمال سنوات التدريس بالسلك الإعدادي.

ثم إن ضعف النتائج في المواد العلمية، التي ستدرس باللغة الفرنسية، خاصة بالعالم القروي، سيدفع بالوزارة في شخص الأكاديمية الجهوية والمديريات الإقليمية إلى تخفيظ عتبة النجاح بسنوات التدريس بالسلك الإعدادي، بعد سنوات من العمل على رفعها تدريجيا لتصل إلى معدل 10 على 20 (10/20). وفي هذا الإطار يتم إعداد التكوين المهني وهيكلته، ليكون قادرا على استيعاب تلك الأفواج الكبيرة التي ستغادر التعليم بعد استكمالها لسنوات التدريس “الإلزامية” من السنة الثالثة إعدادي، ليتم إحصاؤها في الساكنة المغربية التي استكملت التعليم الإلزامي، وهي في الحقيقة لم تستكمل شيئا، وإنما أُجْبِرَت فقط على البقاء في فصول الدراسة بالسلك الإعدادي لمدة ثلاث سنوات، بحكم ما تتلقاه من دعم مادي من برنامج “تيسير”.  

بخصوص المقاومة، يمكن الحديث عن نمطين من المقاومة يمكن أن يواجههما هذا القانون، مقاومة  منظمة ومدروسة وقانونية تتوسل المساطر القانونية للتصدي له، ومقاومة عفوية وسلبية:

 بالنسبة للمقاومة القانونية المنظمة؛ فمما لا شك فيه أن حظوظ نجاح أية إمكانية لمواجهة هذا القانون قليلة جدا، خاصة بعد مصادقة مجلسي البرلمان عليه وبعد صدوره في الجريدة الرسمية، ويبقى  الأمل ضعيفا في الطعن فيه أمام المحكمة الدستورية، لتناقض مضامين الهندسة اللغوية التي يقرها مع المقتضيات الدستورية التي تنصّ على أن اللغتين الرسميتين للدولة المغربية هما العربية والأمازيغية، وهذا ما يقتضي، إذا ما كنّا بالفعل في دولة تحترم دستورها، أن تكون اللغتين الرسميتين هما لغتا التدريس في المدرسة العمومية، كما هو معمول به في كل الدول الديموقراطية والتواقة إلى التقدم والديموقراطية.

أما المقاومة العفوية والسلبية، فتتمثل في لجوء معظم الأساتذة إلى تدريس المواد العلمية باللغة الدّارجة المعمّمة بالمصطلحات العلمية المفرنسة، خاصة وأن تنزيل هذا القانون تمّ وسيتم بدون تكوين وتأهيل لغوي لأساتذة المواد العلمية، والغالبية العظمى منهم تمرّس على التدريس باللغة العربية. وقد يقول قائل أن الدّارجة تستعمل كذلك جزئيا في تدريس اللغة العربية نفسها، وغيرها من المواد الأدبية، إلا أن التاريخ والواقع يؤكدان أن العربية الدّارجة كانت دائما، وستبقى، رديفة للغة العربية الفصيحة وداعمة لها، لأنها متفرعة عنها وخادمة لها، ولم تسعَ قط لتكون بديلا عنها، والتوظيف الجزئي للدارجة في تعليم اللغة العربية الفصيحة لم يكن في يوم من الأيام عائقا أمام إتقان اللغة العربية نطقا وتعبيرا وكتابة لا في التعليم العتيق ولا في التعليم العصري. ولكن العكس هو الذي سيحدث عندما سيتم تدريس المواد العلمية بدارجة عربية مدعمة بالمصطلحات العلمية المفرنسة، فالأمر يتعلق بلغة دارجة لا شيء يربطها باللغة الفرنسية، مما سيحول دون إتقان الفرنسية ودون استيعاب مضامين المواد العلمية، وهذا ما سيكون له انعكاس خطير على مردودية طرفي العملية التّعليمية التّعلُّمية، ومن تم على التحصيل الدراسي للمتعلمين.

القانون الإطار ينتمي إلى بنية ومنظومة التربية والتعليم. ما أهم الأعطاب التي يعرفها التعليم في المغرب؟

دخلت منظومة التربية والتكوين منذ نهاية عقد التسعينيات في متاهة من الإصلاحات، بعد التقرير الشهير للبنك الدولي حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب لسنة 1995، التقرير المعروف بتقرير: السكتة القلبية”، حيث لا تكاد تخرج وتنتهي من تنزيل مشروع إصلاح، حتى تدخل في مشروع جديد “لإصلاح الإصلاح” الأول، أو “إصلاح مربّع”، و لا تكاد المنظومة تنتهي من تنزيل مقتضيات الإصلاح الثاني، حتى تدخل في دورة إصلاح ثالث، فنكون بصدد “إصلاح إصلاح الإصلاح” أو “الإصلاح المكعّب” وهكذا دواليك بدون تقييم وتقويم لبرامج الإصلاح، لمعرفة مواطن النجاح ومكامن الفشل، ولمعرفة الأسباب، ولتحديد المسؤوليات، ولربط المسؤولية عن الفشل بالمحاسبة.

فعقد التسعينيات هو الفترة الفاصلة أو الانتقالية بين الجيل الأول والجيل الثاني من الإصلاحات لمنظومة التربية والتكوين، التي ستبدأ بميثاق التربية والتكوين لسنة 1999، خلال هذه المرحلة الانتقالية، ومع هذا الجيل الثاني من الإصلاحات حيث سيتمّ القطع تدريجيا مع المبادئ الأربعة (المجانية – التعميم – التعريب – التوحيد) التي كانت تؤطر سياسة التعليم بالمغرب منذ الاستقلال، وهي المبادئ والأهداف التي ناضلت من أجلها الحركة الوطنية. حيث تم التراجع عن استكمال تنزيل تلك المبادئ الأربعة، فتم وقف تعميم التعليم منذ بداية الثمانينيات تحت ضغط الأزمة الاقتصادية التي عاشها المغرب خلال الثمانينيات، وسياسة “ترشيد النفقات” التي فرضتها المؤسسات الدولية على المغرب في إطار ما سمي آنذاك بـ”برنامج التقويم الهيكلي” (PAS)، سيتمّ وقف تعريب المواد العلمية على أبواب الجامعة سنة 1990، كم تم فتح المجال للقطاع الخاص للاستثمار في قطاع التعليم وتقديم الكثير من التحفيزات له، أما بخصوص التوحيد فلم يتم نهائيا المسّ بمدارس البعثات الأجنبية، وفي مقدمتها مدارس البعثة الفرنسية، التي ظلت تشتغل بشكل عادي منذ الاستقلال، ولم يتم فقط التراجع عن استكمال تلك المبادئ الأربعة، بل تم التفريط والتراجع عمّا تحقّق منها، والذي يعتبر من المكتسبات في المنظومة، وفي مقدمتها تعريب التعليم المدرسي.

طالع أيضا  نقابة تعليمية تطالب باسترجاع جميع الأموال المنهوبة في ملفات التعليم

وهنا يمكن الوقوف على ما يُرَدَّد من “فشل” للتعريب، فمن خلال تحليل وتشريح وضعية منظومة التربية والتكوين، والبحث عن جذور أزمتها، وربط ذلك يمكن الحديث عن إفشال التعريب وليس فشله، كما  تردد الكثير من الأبواق التابعة للوبيات الفرنكوفونية بالمغرب.

فقد شرعت الدولة المغربية، تحت ضغط الأزمة الاقتصادية الخانقة، منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي في التخلي عن مسؤولياتها الاجتماعية اتجاه المواطنين (خدمات: التعليم – الصحة – السكن – التشغيل..) وفي التراجع عن الشعارات أو المبادئ الأربعة المؤطرة للسياسة التعليمية منذ الاستقلال (المجانية – التوحيد – التعريب – التعميم)، والتي كانت الحركة الوطنية قد رفعتها منذ الاستقلال، هذا التراجع الذي فرض على الدولة من طرف المؤسسات المالية الدولية، من خلال برنامج التقويم الهيكلي، الذي دام عشر سنوات، وهذا التراجع قد شمل كل تلك الأهداف الأربعة، إما بشكل مواز أو على التوالي، لأنها في الحقيقة أهداف متكاملة. فكان أول مبدأ تلقى الضربة هو التعميم فالمجانية، تحت ضغط تقليص النفقات الاجتماعية في ميزانية الدولة، قصد تحقيق توازنات مالية تمكنها من رد الديون للدائنين، وصادف ذلك أن كان تنزيل مبدأي التعريب والتوحيد قد وصل إلى منتصف الطريق، حيث نجح التعريب في تدريس المواد الأدبية والعلوم الإنسانية في التعليم المدرسي والتعليم الجامعي، وبناء على ذلك النجاح أعطيت في سنة 1980 الانطلاقة للتعريب في تدريس المواد العلمية في السلك الابتدائي، فكان أن أجبرت الدولة على الخضوع لمخطط هيكلة ماليتها سنة 1983، وكان أكبر ضحية لهذه السياسة التقشّفية هو قطاع التعليم بالدرجة الأولى والطبقة المتوسطة في المجتمع، التي يشكل الموظفون جزءا كبيرا منها، مما كان له أثر كبير في تردي الخدمات التعليمية التي تقدمها المدرسة العمومية، فكان أن اقترن الجزء الثاني من خطة التعريب (تعريب المواد العلمية) بتردي الخدمات في التعليم العمومي، كما دفع ذلك بالدولة إلى السماح للقطاع الخاص بالاستثمار في قطاع التعليم، مما يعني التراجع عن مبدأ أو هدف توحيد التعليم، الذي لم يصل بعد إلى ضمّ مدارس البعثات الأجنبية والفرنسية على وجه الخصوص، وتوقّف كذلك تعميم التعليم إلى العالم القروي لغياب الاعتمادات المالية اللازمة، وبذلك تمّ الإجهاز على آخر هدف من أهداف السياسة التعليمية التي صاغتها الحركة الوطنية مع بداية الاستقلال.

كانت بداية استهداف المجانية في التعليم مرتبطة بانطلاق التعليم الخصوصي، الذي كان فيما قبلَ ذلك لا يلجأ إليه إلا التلاميذ الفاشلون في دراستهم بالتعليم العمومي من أبناء الأسر الميسورة، حيث كانت مدارسه معروفة في أوساط رجال ونساء التعليم بـ”مدارس الكسالى والمطرودين”، هذا التعليم الخصوصي المفرنس، والتعليم الخصوصي كان موجودا منذ الاستقلال، ولكنه ظل غير قادر على منافسة المدرسة العمومية، وكان مقتصرا في معظمه على الأسلاك الابتدائية للتعليم المدرسي، ثم صار بعد ذلك يتوسع بسرعة، كما صار يعتمد على تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، كما هو الأمر بالنسبة لمدارس البعثة الفرنسية التي هرّبت إليها النخب السياسية والاقتصادية أبناءها منذ وقت مبكّر، ثم بدأ يكتسح بالتدريج التعليم الثانوي بسلكيه الإعدادي والتأهيلي، وساهم في نموّه تراجع جودة التعليم العمومي وتعميم التعريب فيه إلى غاية الباكالوريا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، دون المرور بتعريب المواد العلمية إلى التعليم الجامعي.

وفي الوقت الذي استأنفت فيه الدولة سياسة تعميم التعليم الابتدائي ليصل إلى العالم القروي والتعليم الإعدادي ليغطي كل الأوساط الحضرية في النصف الأول من عقد التسعينيات الماضية، بتوصية، أو حتى بضغط، من المؤسسات الدولية، حيث صار تعميم التعليم الابتدائي ومحو الأمية مطلبا ملحّا للشركات الصناعية العابرة للقارات والمتعددة الجنسيات، لما لهذا التعميم من دور كبير في توسيع أسواق استهلاك منتوجاتها الصناعية، وتأهيل المستهلكين، في هذا الوقت تم توقيف التعريب على مشارف الجامعة، ولم يتمكن من ولوج كليات العلوم والطب والمعاهد التقنية والمدارس العليا، مما جعله عقبة كبيرة أمام مخرجات التعليم المدرسي العمومي المعرّب، التي يتّجه معظمها إلى كليات الآداب والحقوق، في الوقت الذي تتجه معظم مخرجات التعليم الخصوصي المفرنس من الحاصلين على الباكالوريا إلى كليات الطب والعلوم والمعاهد والمدارس العليا. هذا ما دفع بالطبقة المتوسطة في المجتمع، التي وعت بأهمية التعليم ودوره في الارتقاء الاجتماعي، منذ بداية العشرية الأولى من هذا القرن، إلى فعل المستحيل للاستثمار في أبنائها من أجل ضمان تمدرس جيّد لهم، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بالذهاب بهم إلى مدارس التعليم الخصوصي المفرنس، أو البحث لهم عن دروس الدعم في المواد العلمية، من خلال الساعات الإضافية، التي يقدمها أساتذة التعليم العمومي في مختلف الفضاءات الخاصة والعامة بمقابل مادي، بعد الجمود الكبير في أجور الموظفين، وهذا ما زاد من الأعباء المادية للأسر، التي تضطر في الكثير من الأحيان إلى بيع أثمن ما تملكه من أجل ضمان تمدرس جيد لأبنائها وبناتها.

وعبر كل هذه المحطات تم الإجهاز تدريجيا على مبدأ تكافؤ الفرص في المدرسة العمومية المغربية، هذا المبدأ الذي بدونه لا يمكن الحديث نهائيا على مدرسة عمومية، حيث صار التعليم العمومي بالمغرب قطاعا للتمايز الاجتماعي والتمييز الطبقي، ويعيد إنتاج عدم تكافؤ الفرص، بدل العمل على القضاء عليه.