لم يكن قرار القطع مع مجانية التعليم الذي اعتمد من طرف وزارة التربية الوطنية في القانون الإطار الذي صادقت عليه قبل أشهر قليلة قرارا مفاجئا، حيث سبقته إرهاصات مهدت له تتعدى تصريحات المسؤولين التي تناسلت بغرض التهييء للإجهاز على هذا الحق، فقبل ذلك بسنوات صدرت عدد من التقارير من طرف وزارة التربية الوطنية من أجل خدمة تلك الغاية، ولعل أبرز ما كانت تحمله تلك الأوراق الرسمية نقطة شركاء المدرسة العمومية التي تحولت إلى نقطة قارة في أوراق وزارة التربية الوطنية، حيث كانت مدخلا لتخلص الدولة بالتدريج من قطاع الدولة الأكثر حيوية.

 الشركاء في المنظومة التعليمية

استخدم مصطلح شركاء المدرسة العمومية في منتصف الثمانينيات بهدف انفتاح المدرسة على محيطها والاستفادة من الفاعلين خارج أسوارها، حيث إن دورهم وفقا لهذه المقاربة يتجاوز دور الحياد السلبي الذي كان يتلقى مخرجات المدرسة دون أي تأثير فيها إلى المساهمة الفعلية في تدبير شؤونها وارتقائهم لكونهم شركاء، فمسؤوليتهم لا تقل عن مسؤولية الفاعلين التقليديين في العملية التعليمية التعلمية.

 وطبعا هذا الاتجاه الذي أصبح ركيزة في عدد من النظم التعليمية كان لا بد له أن يصل إلى النظام التربوي المغربي، غير أن الإكراه الرئيسي الذي مثله مثل كثير من المستجدات التي تصل إلى البيئة المغربية يكمن في تنزيلها وفي حسن توظيفها، فبدل أن يعزز إقحام فاعلين خارجيين من أدوار المدرسة ويخفف من أعبائها استغل كشكل من أشكال التهرب من مسؤولية الدولة ورمي ثقل هذا القطاع لجهات أخرى.

منطق الشراكات والإجهاز على مجانية التعليم

 شهد النظام التعليمي المغربي عدة مبادرات إصلاحية من بدايات الاستقلال إلى نهايات التسعينيات ارتكزت كلها على محورية دور الدولة والوزارة الوصية على القطاع، حيث اعتبر التعليم ملفا سياديا لحساسيته السياسية والمجتمعية، وهذا ما جعل تدبير القطاع تدبيرا حصريا بالدولة وبمؤسساتها الرسمية.

طالع أيضا  التشغيل بالعقدة يتضخم في قطاع التعليم.. والدولة تتخفف من أعباء "الوظيفة العمومية"

 أما مرحلة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فقد كانت قفزة نوعية في علاقة المدرسة بمحيطها الخارجي، حيث أصبحت الدولة تحمل مسؤولية نجاعة أي إصلاح في هذا القطاع إلى أطراف أخرى غيرها، وهذا ما تم التنصيص عليه في ديباجة الميثاق المقتبسة من إحدى الخطب الملكية “وإذا ما ساهمت في الإنجاز كل الأطراف المعنية من جماعات محلية وقطاع خاص ومؤسسات إنتاجية وجمعيات ومنظمات وسائر الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، دون إغفال دور الآباء والأمهات ومسؤولية الأسر في المشاركة بالمراقبة والتتبع والحرص على المستوى المطلوب”.

كما أولى الميثاق موضوع الشراكة اهتماما بالغا، حيث اعتبره واحدا من مجالات التجديد الست التي فصل فيها في قسمه الثاني مع إفراده معاملة خاصة للتعليم الخاص، شريكه الأبرز، والدعوة إلى تحفيزه.

 كذلك فقد نسج المخطط الاستعجالي على ذات المنوال بتأكيده على “إشراك وانخراط الفاعلين في الإصلاح بما في ذلك الهياكل المسيرة للجامعات والأكاديميات”. اللافت كذلك أن الميثاق أكد على إلزامية التعليم الأساسي فقط، ولأول مرة يتم التطرق إلى رسوم التسجيل في الثانوي التأهيلي وكذا الجامعي كما في الخطاب الملكي الذي عبر في إحدى فقراته: “ولقد أصررنا من منطلق حرصنا على تمتيع كل الفئات بالتعليم وبالتربية أن يظل مجانيا على مستوى التعليم الأساسي، ولن تتم مساهمة الفئات ذات الدخل المرتفع بالنسبة للتعليم الثانوي إلا بعد خمس سنوات من الوقوف على نجاح التجربة مع الإعفاء التام للأسر ذات الدخل المحدود، أما بالنسبة للتعليم العالي فلن تفرض رسوم التسجيل إلا بعد ثلاث سنوات من تطبيق المشروع…”.

نية الدولة إذا كانت واضحة من البداية في ضرب مجانية التعليم، غير أن التدافع السياسي والنقابي والمجتمعي آنذاك أجل الحسم في هذه النقطة ريثما تنضج الظروف، وهو ما حدث بعد ذلك بعد تطبيع المجتمع مع عدد من الظواهر التي أسس لها الميثاق.

طالع أيضا  العودة إلى تدريس العلوم بالفرنسية.. تصحيح مسار أم انتكاسة جديدة؟

 فوزارة التربية الوطنية عملت على رمي الكرة بعيدا عنها، حيث تراجعت عن تشييد المؤسسات وتركت الأمر للقطاع الخاص فتناسلت المدارس الخصوصية وتضاعف عددها، هي كذلك حملت جزءا كبيرا من مسؤولية تجهيز المؤسسات وصيانتها وترميمها إلى الشركاء من سلطات محلية وجمعيات … دون أية ضمانات بالتزامهم، فأوكلت الأمر إلى مدى قدرة رؤساء المؤسسات التعليمية على إقناعهم بذلك، إضافة إلى الظروف الكارثية التي كانت تعاني منها المدارس من اكتظاظ وقلة أطر التدريس الناجمة عن المغادرة الطوعية وعن أفواج المتقاعدين الذين لم يتم تعويضهم.

 المحصلة أن أوضاع التعليم العمومي منذ عصر الميثاق إلى الآن زادت ترديا وانحطاطا مما أدى إلى هجرة جماعية نحو المؤسسات الخصوصية، فتحملت الأسر مسؤولية تمويل تعليم أبنائهم وإنهاكهم بأعباء مالية إضافية.

هذه هي الشراكة باختصار كما فهمتها الدولة حتى أوصلت الجميع إلى مرحلة تقبل خطوتها بالإجهاز الرسمي على مجانية التعليم، حيث كانت الرؤية الاستراتيجية بما تحمله من أفكار ومشاريع، لا سيما فيما يخص تفويض الأكاديميات بعدد من الصلاحيات والمهام التدبيرية، مقدمة لما سيزكيه القانون الإطار بشكل حاسم ونهائي بتأكيده على “فرض مساهمات على الجماعات الترابية والقطاع الخاص والأسر” ليكون نتيجة تلقائية للمسار الذي خطط له قبل 20 سنة.