يجري موقع “الجماعة.نت” سلسلة حوارات مع مهتمين ومتخصصين في الشأن التربوي، وفي السياسات المتعددة التي لها صلة بالمجال التعليمي لتسليط المزيد من الأضواء عليها.
نستضيف في هذا الحوار الثاني ضمن سلسلة حوارات بمناسبة الدخول المدرسي، الأستاذ الجامعي والدكتور المتخصص في علم الفيزياء الرياضية محمد البغدادي.
الدكتور البغدادي سوري الأصل، تخرج بكلية الحقوق بدمشق، ثم أُرسل إلى فرنسا في إطار بعثة لدراسة الرياضيات، وحصل بها على الإجازة في الدراسات العليا ثم دكتوراه في الرياضيات، ومنها تحول إلى الفيزياء النظرية، بعد عودته درس في مدارس الهندسة بدمشق.
جاء البغدادي إلى المغرب في مهمة كخبير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، وكان المفروض أن يبقى سنتين بالمغرب، لكنه بقي 51 عاما منذ 1968 إلى الآن. درس بجامعة محمد الخامس لمدة 32 سنة، وأسس بها مختبر الفيزياء النظرية.
أهدى البروفيسور محمد البغدادي للحضارة العربية هذه السنة أول موسوعة عربية في الفيزياء النظرية، متكونة من خمسة مجلدات بعنوان “أسس الفيزياء المعاصرة”.
تحدث البغدادي في هذا الحوار عن علاقة اعتماد اللغة الوطنية في التعليم بتقدم الأمم، وأشار إلى أن الأمة العربية والإسلامية كانت متحضرة، وكانت لغتها لغة العلم الوحيدة في العالم لثمانية قرون.
وشدد العالم الفيزيائي من خلال هذا الحوار على أنه لا يمكن لأي أمة أن تتقدم إلا إذا اشتركت في التفكير العلمي وفي الإنتاج العلمي.
وأضاف البغدادي متحدثا عن مستقبل اللغة العربية وما ينبغي فعله لتطويرها وتطوير المجتمع وقال: “النظرة إلى اللغة هي النظرة إلى المجتمع، إذا أردت أن تساهم في تطوير مجتمع ساهم بتطوير لغته”.
هذه القضايا وغيرها تجدونها في الحوار التالي:


أول سؤال دكتور نفتح به شهية النقاش عن علاقة اعتماد اللغة الوطنية في التعليم بتقدم الأمم؟

لا أعلم كيف أبدأ لأن السؤال بالنسبة لي من البديهيات، والإجابة عن البديهيات صعب، اللغة موجودة في غريزتك، في جيناتك، تشعر بهذه اللغة وعندما تبدأ بالتفكير تفكر بهذه اللغة وعندما تريد التعلم تتعلم بهذه اللغة. لا يوجد في العالم أشخاص يتخلون عن لغتهم، خذ مثلا الدول الراقية: لا يوجد في أوروبا بلد واحد على الإطلاق لا يدرس بلغته، من أصغر الدول الإسكندنافية من السويد والدانمارك، وفنلندا رغم أن لغتها بعيدة عن كل اللغات الأوروبية منشأها تركي إلى حد ما وكل التدريس فيها -خلافا لما أشيع هنا بالمناسبة – باللغة الفنلندية من المدارس الابتدائية إلى التدريس الجامعي، إسلاندا سكانها أقل من 350 ألف وأغلبهم صيادون ويحرصون على التدريس بلغتهم، فلا غرابة أن نسمع عن تقدم تلك الدول.

ماهي أسباب تراجع اللغة العربية مقارنة مع ماضيها المزهر؟ وهل بإمكانها مواكبة التطور التكنولوجي والتقدم العلمي الحاصل اليوم؟

يا سيدي السؤال لا يخص اللغة، السؤال الذي ينبغي أن يطرح على شكل أعم بكثير هو عن سبب انحطاط الأمة العربية، وانحطاط الأمة العربية يعني انحطاط تصوراتها وانحطاط تفكيرها العلمي، يعني انحطاط لغتها، وكلها أشياء مرتبطة ببعضها. فالأمة العربية والإسلامية كانت متحضرة، علمها دام ثمانية قرون، وكانت اللغة العربية لغة العلم الوحيدة في العالم، أقصد بلغة العلم؛ لغة النشر العلمي أكثر من الثقافة، وكانت اللغة العربية تترجم إلى اللاتينية، ثم وقع ما وقع.

طالع أيضا  1,68 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة.. "اليونسيف" ترسم صورة قاتمة عن مغرب 2030

السؤال الآخر لماذا ترتفع الحضارات وتهبط؟ والآراء في هذا الموضوع سياسية رغم أنه ليس موضوعنا الآن. جاءنا الاستعمار، فهل تخلصنا منه اليوم أم لا؟ بل إننا مستعمرون أكثر مما نظن وأكثر من الاستعمار الحقيقي.

كيف أتت الدكتاتوريات إلى العالم العربي؟ كيف ترى دولة عربية في سوريا مثلا يقتل رئيسها المفروض عليها شعبه ويستعين بأي كان؟ هذا لم يحدث في التاريخ أبدا.

ما هي علاقة العلمي بالسياسي في أي نهضة علمية أو حضارية؟

لا يمكن لأي أمة أن تتقدم إلا إذا اشتركت في التفكير العلمي وفي الإنتاج العلمي، نحن في العالم العربي لا ننتج أي علم، نحن نستهلك التكنولوجيا الآتية من العلم، نستهلكها لأشيائنا اليومية ولرفاهيتنا، من تلفزيون إلى الهاتف إلخ… ونستعملها لقتل شعوبنا أيضا. لا تصنع دولة عربية الطائرات بل تشتريها لتقتل شعبها بها. فعلاقتنا بالعلم علاقة أشخاص مدمنين على التكنولوجيا بكل معنى كلمة إدمان. ولنأخذ مثالا؛ في أحد مؤتمرات هيئة الأمم المتحدة عام 2000 للعلم والتكنولوجيا والنمو في فيينا، كتبت كل دولة عن مشاريعها، تقدمت السعودية ولخصت برنامجها في أنها ستذهب إلى السوق وتشتري من التكنولوجيا ما تحتاجه، وهذا مشروعها في النهوض العلمي والتكنولوجي، فهل تعتقد أن الأمر اختلف بين عام 2000 و2019 أم بالعكس انهار أكثر، ووجهة نظري أن انحطاط الأمة العربية يزداد كل يوم عن اليوم السابق.

 كيف ترد على من يعتبر اللغة العربية متخلفة عن الركب وأنها لغة أدب وشعر وليست لغة علوم؟

بكلمتين صغيرتين؛ كلام جهل، كلام جاهل لا يعرف ما هي اللغة، لا توجد لغة للشعر والأدب وليست لغة علم هذا لا معنى له، ما هو الشعر؟ الشعر أيضا تفكير، الشعر تصور، الشعر فيه نهوض إلى الأسمى والأعلى، والعلم أيضا نفس الشيء؛ العلم تفكير، كيف أستطيع أن أتصور من الناحية الشعرية ولا أستطيع أن أتصور من الناحية العلمية، التصور من الناحية العلمية أسهل بكثير، ففي الرياضيات على سبيل المثال لا أحتاج إلى لغة عمليا فهي رموز، والمفروض فيها ألا تتكلم وتستعمل فقط الرموز -ومن حسن الحظ هذا غير ممكن – لأنه يمكن في الكلام حدوث التباس أو خطأ بينما الرموز منطقية وتصبح كالآلة من حيث وضوحها، إذا فهو كلام جاهل فعلا أيا كان صاحبه، وقل له أنت جاهل فقط.

هذا الكلام ضمن حملات التشويه والتغريض التي تتعرض لها اللغة العربية؟ لكن لماذا هذا التشويه ومن المستفيد؟

بدون أدنى شك هناك حملات، وفي حملات التشويه لكي تشوه يجب أن تكذب أو تبين جهلك لا أي شيء آخر، فعندما تقول إن اللغة فشلت؛ فما هو الهدف الذي كان عليها أن تحققه ولم تحققه، وإذا لم يتحقق هذا الهدف فهل اللغة هي المسؤولة مباشرة، ولابد عندئذ من تبيان كيف كان ذلك. ففي أي حديث من هذا النوع لا تجد فيه أي محتوى علمي يستحق النقاش. الأعداء عندما يريدون التشويه يقولون ما يريدون والأهم أن ينشر لك من يستفيد من هذا، في كتاب الاستشراقي الشهير إدوارد سعيد المترجم لعشرات اللغات العالمية يروي فيه أن أحد العرب الأمريكيين العاملين في علم النفس – إن صح ذلك نظرا لآلية الدجل في هذا المجال – نشر مقالا في مجلة سنة 1976، يقول في هذا المقال “اللغة العربية إيديولوجية خطيرة”، ووجد مجلة تنشر له هذا الكلام ونشر وأعيد وأعيد مرارا. العداء للعرب والعربية موجود والعداء للإسلام لا يقل عن العداء للعرب، مع أن اللغة العربية ليست لغة كل المسلمين وإنما لغة أقلية من المسلمين هم العرب، والدفاع عن اللغة العربية لا يجب دوما أن يكون مرتبطا بالدفاع عن الدين لأن هذا يؤدي إلى خلط الأوراق وإلى التشويه الذي تحدثت عنه، والهدف الأكبر من الهجوم على العربية هو ألا تصل إلى المستوى العلمي، اللغة والدين دعامتان من دعائم الحضارة والتهجم على أحدهما أو كليهما هو تهجم على أركان الحضارة.

طالع أيضا  ذ. حمداوي: استخدام اللهجة العامية في التدريس مشروع استعماري قديم

أما من المستفيد ففيه عودة إلى السياسة، وإذا شئت قل السياسة وعلم النفس، أنت مثلا درست باللغة الفرنسية وأعجبت بهذه اللغة، قد تكون تمكنت منها أو لم تتمكن ووجدت أنه لا يمكن العمل إلا بهذه اللغة في أبسط الأحوال. العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، وبين السيد والمسود علاقة معقدة جدا، أنا عبد لسيد قد يظلمني ويجوز أن أكرهه لكنني معجب به في الوقت نفسه وأريد خدمته أحيانا. لا أريد الدخول في علم النفس، ولكنك ذكرتني بعلماء الاجتماع والعديد منهم خصوصا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مثلا “غابرييل تارد” تكلم عن التقليد في المجتمعات، كيف يقلد الفقير الغني، والصغير يقلد من هو أكبر منه سنا… وفي العوامل النفسية في التقليد يذكرني بجملة نسختها حديثا لـ”ابن خلدون” تنطبق على بعض من يشوه ويتحدث ولا أقول الجميع، يقول فيها: “إن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب، والنفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب”.

 رغم الحصار والتضييق الممارس عليها اليوم، فإن هناك دراسات وأبحاث صنفتها ضمن اللغات العالمية لغناها في بنيتها ولكثرة متحدثيها، كيف تنظر لمستقبل اللغة العربية؟

النظرة إلى اللغة هي النظرة إلى المجتمع، إذا أردت أن تساهم في تطوير مجتمع ساهم بتطوير لغته إذا كانت قد تخلفت قليلا ولا أعتقد أنها تخلفت، اجعل الناس يفكرون بلغتهم، إذا أردت للعلم أن يتوطن ويصبح جزءا من بلدك يجب أن تثقف البلد بالعلم، ولا تثقفه بالعلم إلا بالمقالات العلمية على المستوى الصحافي غير المبتذل، بلغة يمكن للقارئ أن يفهمها.

مع الأسف لا توجد لدينا ثقافة علمية، إذا أردنا الحديث فقط فيما يتعلق بنا كعلميين، علينا على الأقل نشر الثقافة العلمية، لا أتحدث عن الكتب المدرسية أو الكتب الجامعية وإنما عن الكتب والمقالات العلمية للعامة، فمثلا عند اكتشاف شيء جديد مثل “بوزونهيكز” في السنوات الأخيرة، لم نجد مقالا واحدا في الصحافة العربية لتفهم ما هو “بوزونهيكز” وهو الاكتشاف الذي تحدث عنه كل العالم وكلف اكتشافه مليارات ومليارات الدولارات، فنحن فقط نستهلك ونستهلك كل شيء.

هل اعتماد اللغة العربية في التدريس بما في ذلك المواد العلمية كاف لتطويرها أم تلزم إجراءات أخرى؟ وما هي هذه الإجراءات في نظركم دكتور؟

الأشياء مرتبطة ببعضها، والعلم لن يتوطن في بلدك إلا إذا استعملت لغتك للعمل بها وللتدريس بها وللكتابة بها في مختلف المستويات، وهو ما سيحسن اللغة في الوقت نفسه ويدخل فيها تعابير غير معروفة سابقا، ولدينا تعابير عديدة قديمة ألفت فيها الآلاف المؤلفة من الكتب وأتحدث عن الأشياء التي أعرفها عن الجبر والفيزياء، وعن ابن الهيثم والرازي وابن سينا، وأشياء أخرى أخترعها فأغني اللغة وأغتني أنا كذلك.

طالع أيضا  أساتذة التعليم العالي يضربون يومين احتجاجا على استمرار أزمة التعليم

هل يتوفر المغرب على سياسة لغوية استراتيجية في حقل التعليم؟ وعلى أي أساس ينبغي أن تبنى هذه السياسة الاستراتيجية؟

بصراحة لا أعلم ولا أريد أن أدخل في هذا الموضوع، صحيح مقيم في المغرب منذ خمسين عاما ورغم شعوري بالانتماء إلى هذا البلد لكنني لست مغربيا، ولا أستطيع الكلام عن السياسة الاستراتيجية المغربية، وحتى لو كنت مغربيا فسأجد صعوبة.

واكبت موضوع تعريب التعليم العالي في اشتغالك في الجامعة المغربية واطلعت ربما على نقاشات لها صلة بالموضوع، كيف بدأ مشروع التعريب وكيف انتهى بشكل مطلق خصوصا بعد صدور القانون الإطار 51.17؟

عندما بُدئ بالتعريب في المغرب كان من المفروض، وهذا شيء طبيعي، أننا بعد أن عربنا التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي فمن المفروض أن يعرب التعليم العالي، وهذا لم يحدث ولا أعلم لماذا، والمشكل المطروح اليوم هو أن المعربين يدخلون إلى الكليات العلمية ويجدون صعوبة أكثر من سابقيهم في الدراسة باللغة الفرنسية، فكان الحل هو التخلي عن التعريب في المراحل الأولى بدل الأخذ بالعكس. كما سبق وأعطيت مثالا بأحد الأفلام الهزلية لـ”شارلي شابلن” عازف “بيانو” قصير القامة والمقعد بعيد عن البيانو فينهض ليقرب “البيانو” من مقعده بدل القيام بالعكس، هل نحن هكذا في المغرب؟ لا أعلم، وقد يكون.

بعد أن درست 32 عاما بالمغرب ما تقييمك للجامعة المغربية؟ وهل يمكن للمجتمعات أن تتطور بدون جامعة؟

في الفترة التي كنت فيها كان لدينا مختبر فيزياء نظرية خرّج عشرات من حملة الدكتوراه وأصبحت له شهرة عالمية، كان أحمد عبد السلام حامل جائزة نوبل في الفيزياء يزورنا وكنا نعمل معه، كان يقول لي مختبرك من أفضل المختبرات في العالم الثالث إن لم يكن أفضلها، ولا أعلم ما هو عليه الآن، والذي أعرفه أن مستوى التعليم انخفض.

البلدان العربية لما استقلت أول ما فعلت هو إنشاء جامعات، وكان هذا جيد جدا، في المغرب مثلا، وهذه دراسة قمت بها، كان عدد الأطباء المغاربة في بدء الاستقلال لا يتجاوز 10 أطباء مغاربة، لأن الأطباء كانوا فرنسيين، أنشئت كلية الطب وقامت بعمل جبار وخرجت أعدادا كبيرة من الأطباء، قد لا يكونوا متمركزين في الأماكن التي يجب أن يكونوا فيها بالنظر إلى وجودهم في المدن أكثر من وجودهم في الريف، لكن المغرب كون عددا من الأطباء وفي فرنسا أيضا يوجد فيها عدد كبير منهم وأغلبهم تكونوا في المغرب، يعني أن المغرب بذل جهدا وأموالا عليهم لكنه لم يستفد ولم يستثمر هذه الأموال وفرنسا هي من استثمرها، أو كندا أو غيرها…

الجامعة شيء أساسي جدا لكن لا ينبغي لها أن تكتفي بالتكوين في السلك الأول بل لابد من الاستمرار وهذا ما فعلناه في كلية العلوم التي لم تكن تمنح الدكتوراه وأنشأنا المختبر لذلك. وجود الجامعات فيه غنى كبير للدولة وللمجتمع ونريدها أفضل مما هي عليه.