اعتبر مراقبون وباحثون تقرير المجلس الأعلى للحسابات كارثة بكل المقاييس، حيث رسم، بصورة واضحة وجلية، مكامن الفساد التي تنخر القطاعات الحيوية للبلاد، وأموال الشعب المبذرة دون حسيب أو رقيب وعدم تقديم العناية اللازمة للعنصر البشري.. ورغم أنه لم يأت بجديد، فالحالة أصبح يعرفها المتخصص والعام، ولكن أن يوثقها تقرير رسمي بالأرقام فهذا ما اعتبر جديدا في طريقة التدبير السياسي للبلاد.

ومع أن التقرير سلط الضوء على قطاعات بعينها وأغفل قطاعات أخرى، وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى، لكنه يعتبر إقرارا رسميا بالفساد المعشش في القطاعات المذكورة يستدعي الوقوف عنده ومحاسبة المسؤولين عليه؛ المباشرين وغير المباشرين، الأصليين والثانويين.

بهذه المناسبة سيتناول موقع الجماعة.نت التقرير حسب القطاعات، ونبدأ مع قنوات القطب العمومي الممولة من جيوب الشعب.


سلط المجلس الأعلى للحسابات أضواءه على قنوات القطب العمومي، ورصد عدة اختلالات في الصفحات الخاصة بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة وبالقناة الثانية 2M، ووقف على الأوضاع المالية “المقلقة” بتعبير التقرير، واعتبر النموذج الاقتصادي لـ2M غير قادر على الجمع بين الربحية المالية والتزامات الخدمة العمومية.

المجلس الأعلى في تقريره أكد أن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المتعهد الرئيس للبث الأرضي والفضائي للبرامج الإذاعية والتلفزيونية، بلغت الميزانية المخصصة لمديرية البث بها بين سنوات 2015 و2017 حوالي 310 مليون درهم رغم أن الشركة لا تتوفر على استراتيجية واضحة وموثقة في مجال البث الإذاعي والتلفزي، ولم تحدد بشكل مسبق عتبة الأهداف في التغطية المراد تحقيقها.

إضافة إلى ذلك فإن الشركة الوطنية يعتريها حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات ضعف الارتباط بين البرمجة ومختلف أنواع البث الإذاعي والتلفزي.

ولم يغفل المجلس الإشارة إلى عدم تجميع المحطات الفضائية التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في مركز واحد، وهو ما يجعل من الصعب ترشيد تدبيرها من حيث المراقبة والتحكم واستهلاك الطاقة والصيانة، وبهذا تكون المحطات الفضائية متفرقة بين (7Eutelsat)، و (Arabsat)، و(21 Eutelsat)، ثم (Hotbird).

طالع أيضا  استطلاع: %83 من الشباب دون 30 سنة و%61 فوقها غير راضين عن النظام التعليمي

وسجل المجلس الأعلى للحسابات عدم استكمال عملية التسوية العقارية للمحطات، حيث أسفر فحص البيانات المتوفرة لدى مديرية الشؤون القانونية مع تلك المتوفرة لدى مديرية البث، عن تسجيل تضارب بين البيانات المتعلقة بعدد المواقع، إذ تشير بيانات مديرية البث إلى وجود 254 محطة (تضم مختلف الأصناف)، في حين تشير الوضعية المتوفرة لدى مديرية الشؤون القانونية إلى وجود 188 محطة.

وبالاعتماد على المحطات المكونة من 188 فإن الوضعية العقارية للتجهيزات والمحطات التابعة للشركة غير مضبوطة، وفي هذا الصدد، لوحظ أن 48 في المائة من هذه المحطات توجد في حالة “وضع رهن الإشارة”، في حين 28 في المائة منها لا تتوفر على وثائق تبرر وضعها القانوني.

وأبرز التقرير أن 14 في المائة من المحطات تم تحويلها إلى الشركة بـ”أمر أو قرار لوزير المالية”، مع العلم أن عددا مهما من المحطات التي توجد في حالة “وضع رهن الإشارة” لا تتوفر بدورها على وثائق تثبت وضعيتها القانونية.

تقرير المجلس الأعلى للحسابات تناول شركة 2M، وقال إن قيمتها المضافة تمثل 50% من نفقات التسيير وإن المحصلات المالية للشركة بناء على ذلك تثير تساؤلات كثيرة، وأشار التقرير إلى أنه في بعض السنوات لا تمكن القيمة المضافة من تغطية نفقات الموظفين، وأن رقم المعاملات لا يمكن من تغطية نفقات الشركة.

وشدد التقرير على أن الشركة استفادت من منح الدولة بما مجموعه 506 مليون درهم في الفترة الممتدة بين 2008-2017، أي بمعدل 50,5 مليون درهم في السنة، بينما اكتفت في ضريبتها على الشاشة التي دفعتها بما مجموعه 32 مليون درهم عن نفس الفترة.

وعاد تقرير جطو ليكشف أن النموذج الاقتصادي للقناة الثانية يجعل المفاضلة صعبة بين الربحية المالية والتزامات الخدمة العمومية على النحو المحدد في دفتر التحملات، والذي يفرض عددا معينا من الالتزامات لبث الإشهار، وأكد أنه منذ سنة 2008 والشركة تحقق نتائج صافية سلبية، وأقر بأنها تكبدت في المتوسط خسارة سنوية قدرها 4,98 مليون درهم بين عامي 2008 و2017. ومرد الخسارة إلى أهمية حجم النفقات مقارنة بالموارد بما في ذلك دعم الدولة.

طالع أيضا  صادم: ‰ 2 فقط من الشركات تؤدي الضريبة والمديونية "692 مليار درهم" الدولة إلى أين..؟

التقرير بعد مناداته بمراجعة النموذج الاقتصادي للقناة الذي وصفه بـ”غير الملائم”، بيّن وجه التناقض بين احتلالها للمركز الأول في نسب المشاهدة وضعف أدائها المالي، فرغم كون طلب المعلنين للإشهار في القناة مهم جدا، لم تحقق الشركة إلا الخسائر منذ عام 2008.

وأوضح التقرير أن الوضعية الصافية للشركة لا تحترم قانون شركات المساهمة، حيث بلغت هذه الوضعية سنة 2013 ما قدره 73,54 مليون درهم، مقابل رأس مال بقيمة 69,358 مليون درهم. لذلك فهو أقل من الحد الأدنى القانوني المنصوص عليه في قانون شركات المساهمة، والبالغ ربع رأس المال. وبينما كان يلزم إعادة رسملة الشركة قبل نهاية سنة 2016 للامتثال للقانون السالف الذكر، إلا أنه وحتى نهاية سنة 2017 كانت الوضعية الصافية للشركة أقل من ربع رأس مالها، وطلبت تأجيل تاريخ الاكتتاب.

التقرير أكد أنه بعد أكثر من 12 سنة، لم يتم إنشاء “القطب السمعي البصري العمومي” على النحو الموصى به على الرغم من أن الشركتين العموميتين لهما نفس الرئيس المدير العام، دون أن يشكلا قطبا واحد. مما يؤدي في بعض الأحيان بالقناتين إلى القيام بأنشطة دون تكامل أو تنسيق بدلا من الاستفادة من تجميع الجهود.

مجلس جطو أكد في التقرير أن تحليل شبكة البرامج التي تم بثها، بيّن أنه قد تم الحصول على العديد من البرامج دون طلب عروض. حيث أنه خلال الفترة 2013-2017، أبرمت الشركة عدة عقود بطريقة مباشرة دون اللجوء إلى طلبات العروض للحصول على برامج جاهزة للبث تتجاوز قيمتها الإجمالية 275 مليون درهم، أي ما يعادل 74% من الميزانية المنفقة على اقتناء البرامج بالمناقصة خلال نفس الفترة (368 مليون درهم). ويتعلق الأمر بعقود تجمع بين ثلاثة (3) أطراف، وهي شركة “صورياد 2M ” ووكالة الإشهار الحصرية (الوكالة رقم 3)، وشركة الإنتاج، حيث تسمى هذه العقود بـ”عقود الرعاية”.

طالع أيضا  تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي.. عد لمكامن الخلل وتغييب لمبدإ المحاسبة

ويوصي المجلس بإعادة النظر في العلاقة التعاقدية مع وكالة الإشهار “الوكالة رقم 3” بما في ذلك عقود الإشهار للإذاعة والأنشطة الرقمية، وضمان تقديم وكالة الإشهار للوثائق المحاسبية لشركة “صورياد 2M” وفقا للمادة 21 من العقد المبرم بتاريخ 19-07-1991 والقيام بتدقيق حساباتها.

كما يوصي المجلس الأعلى للحسابات بالتحقق من التطبيق السليم للشروط التجارية من طرف وكالة الإشهار، وضمان نشر التعريفات والشروط التجارية، والإصدار المباشر للفواتير من طرف “صورياد 2M”، واحترام آجال الأداء المنصوص عليها في القانون 10-32 وتفادي منح خصومات للوكالات التي لا تدفع قبل هذه الآجال.