الدولة المدنية والمجتمع المدني

تحدثنا في الجزأين الأُولَيَيْنِ عن الدولة المدنية، كدولة تفتقد الأساس النظري والنموذج التاريخي، وأنها دولة متخيلة ومرجوة يتطلع إليها رواد التغيير في الوطن العربي. وأكدنا بعد الاستدلال أن كل الفرقاء السياسيين لم يحددوا معالم هذه الدولة، بل يختبؤون جميعا وراء هذا المسمى تأجيلا للبوح بالغايات المتوخاة من هذا الشعار البراق. وقلنا أن التيار العلماني الحداثي التغييري والتيار الإسلامي التغييري يتماهىيان في طرحهما لنموذج الدولة المدنية مع الدولة الحديثة، اللهم ما يطمح إليه كل فريق من صبغ هذه الدولة بلونه ومخرجاته. ولكي نخرج من هذا الخلط الذي لا يميز بين الدولة الوظيفة، والدولة السلطة، والدولة الغاية، والذي لا يميز أيضا بين سلطة الدولة وسلطة الجماعة المدنية (étatique/civique)، رأيت أن أنطلق من فرضية مفادها أن الدولة المدنية كيان معنوي تكون فيه الدولة جهازا إداريا وظيفيا يشرف على تنفيذ القرارات السيادية لسلطة المجتمع، بمعنى أن السلطة والسيادة تكون حقيقية للمؤسسات المدنية والأهلية، وتكون دينامية الفضاء المدني هي الأكثر بروزا وحضورا من دينامية أجهزة الدولة، وهو ما يعبر عنه جيل دولوز “بقليل من الدولة” (peu d’état) . وهذه الفرضية لم تنشأ من فراغ، بل تأسست على معطى تغول الدولة الحديثة وبسط نفوذها على كل مفاصل الحياة الفردية والجماعية. وبهذا وضحنا في الجزء الثاني أن وجود قانون للدولة، وتبنيها لآلية الديمقراطية لا يجيز  البتة صفة المدنية للدولة على النحو الذي افترضناه، أنها دولة يسود فيها المجتمع ولا يحكم، وتحكم فيها الدولة ولا تسود. دولة يستعيد فيها الفرد إرادته المسلوبة، ويستعيد فيها المجتمع فضاءاته المدنية من هيمنة الدولة. وهو ما عبرنا عنه بعودة الكثير من الأخلاقي، عوض هيمنة القانوني الذي لابد منه في تنظيم المجالات العامة. تحدثنا في الجزء الثاني أيضا كيف أن الدولة الحديثة وظفت القانون والديمقراطية كأدوات لتغلغلها وتغولها وهيمنتها على الحياة العامة والخاصة، وأصبح الأفراد والجماعات يدورون في فلك الدولة، وعوض أن تكون في خدمتهم وسعادتهم، أصبحوا هم من يخدمونها. وعوض أن نكون إزاء دولة الإنسان، أصبحنا أمام دولة الأجهزة أو النظام!

بعد هذا التذكير المؤَسِّس، ننتقل في هذا الجزء الثالث إلى نقطة جوهرية في الموضوع، تتعلق بدور المجتمع المدني في الدولة الحديثة، وهو ما يدفعنا إلى السؤال المحوري التالي:

– هل وجود المجتمع المدني في الدولة الحديثة كاف لتكون صفة المدنية تحصيل حاصل في حقها؟

– أم أن المجتمع المدني هو الآخر لقي نفس مصير القانون والديمقراطية وأصبح هو الآخر مجرد أداة في يد الدولة لتكريس هيمنتها على أبعد ثخوم الحياة الفردية والأهلية؟

يَحسُنُ بنا الحديث هنا عن فكرة المجتمع المدني لارتباطه في الأذهان مع الدولة المدنية المتخيلة والمرجوة. وأُعَرِّف باختصار المجتمع المدني:  «أنه مجموعة تشكيلات منتظمة من المواطنين تسعى إلى تحقيق هدف يفيد المجتمع باستقلال كبير عن أجهزة الدولة. وبذلك يضم هذا المفهوم طيفا واسعا من المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي هدفها خدمة المجتمع». والسمتان اللتان تميزان مؤسسات المجتمع المدني هما:

طالع أيضا  الدولة المدنيّةُ (1): تَهَافُت نَظرِيّ أم تَجَاوُز لِلدَّولَةِ الحَدِيثَةِ؟

– السمة الاختيارية غير الملزمة في سلوكها وحركتها ومخرجاتها، وهو ما يميزها عن المؤسسات الرسمية الحكومية.

– السمة التطوعية اللاربحية، وهي التي تُزَايِلُها عن الشركات التجارية والصناعية وما شابهها.

كما تتراوح منظمات المجتمع المدني بين بعدين:

– الأول يتمثل في طبيعة اهتمام المنظمات، فقد يكون عاما متاحا لكل الناس، وقد يكون موجها لغرض تخصصي يشارك فيه فقط أهل التخصص. وفي هذا السياق قد يكون العاملون إما متطوعون أو موظفون متفرغون يشغلون هياكل إدارة المؤسسة المدنية، كالجمعيات والهيئات بشتى وظائفها ومجالاتها، ويتقاضون أجورهم إما من أموال الدعم الحكومي، أو تبرعات الأفراد.

ومن الواضح أن وجود مجتمع مدني فاعل له أثر بليغ في سير الأمور المعاشية بعيدا عن غلواء الدولة الحديثة التي اعتدت على المجال الخاص واكتسبت نوعا من القداسة، إما مسكوبة في شخص الحاكم أو في أجهزة الدولة. وهذا ما يفسر هيمنة رموز الدولة على الأعمال الخيرية وظهورهم المُلفِت في أنشطتها، بل إصرارهم على احتوائها وجعل خَراجِها يُسْهم في تحسين صورة الحاكم والدولة، حتى إن مثل هذه الأنشطة في الدول المستبدة أصبحت تقام تحت رعاية الحاكم وباسمه، هو من يعطي انطلاقتها، ولا يجوز التقدم عليه فيها، الوضع الذي نقل هذه الأنشطة من المستوى المدني إلى الطابع الدولتي. وحتى لا نغرق في التحليل الظاهري للمجتمع المدني من خلال الأنشطة الممارسة، دعونا ندخل بنية هذا المجتمع للتأكيد على أن المجتمع المدني الحداثي وُلد ونشأ في أحضان الدولة وتحت وصايتها، وهذا يحتاج منا التنبيه إلى خمس خصائص للمجتمع المدني قد يغفل عنها الكثير من المحللين في حديثهم الطافح بالفأل عن الدولة الحديثة وهي:

– الخاصية الأولى، الصفة القانونية:

صحيح أن منظمات المجتمع المدني تبدو في ظاهرها أنها مدنية، لكن توجد عادة قوانين وضعتها الدولة لقولبة كل هذه المنظمات وتحديد نطاقها، وجعل كل نشاطاتها تنسجم وتخدم الاتجاه العام لسياسات واختيارات الدولة. وهذا ما يدفع بالدولة إلى قبول منظمات ومؤسسات مدنية دون غيرها، بل هو ما يدفعها إلى إحداث منظمات «مدنية» تابعة لها وتكثير سوادها وفروعها حتى يصبح المجتمع المدني عنوان إجماع في كل ما تقرره الدولة. وهذا التوجه تشترك فيه الدول الديمقراطية والمستبدة. ولأن المجتمع المدني مجرد أداة وأكذوبة في يد الدولة، تتم محاربة كل المنظمات التي تعتبرها الدولة مارقة وباسم القانون، فتُمنَع وتُحاصَر وتُتَّهَمُ في كثير من الأحيان بالعمالة للخارج، وزعزعة وتهديد الأمن العام. وهنا نذكر بما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية والمنتظم الدولي من اعتبار كل المنظمات الداعمة للقضية الفلسطينية ماديا وسياسيا أنها منظمات إرهابية يتم حجز أموالها وتوقيف أنشطتها والحد من تنقل أفرادها. وعلى منوالها تمنع الدول المستبدة محليا وإقليميا كل حزب أو جمعية أو منظمة لا يُسَبِّحُ بحمد الدولة ولا يقدس حاكمها.

طالع أيضا  الدولة المدنيّةُ (2): تَهَافُتٌ نَظَرِيٌّ أَمْ تَجَاوُزٌ لِلدَّوْلَةِ الْحَدِيثَةِ؟

– الخاصية الثانية، التمويل:

 في الوقت الذي تقبل فيه أي منظمة مدنية منحة من الحكومة، فإنها تقع بالقوة تحت رقابة وتوجيه الدولة. وحيث أن مال الحكومة هو مال عام، فلابد أن تراقبه مراقبة صارمة، ولابد أن تكون أعمال المنظمة المدنية تخدم الصالح العام بما تحدده سلفا الدولة أنه صالح عام! أما إن اعتمدت هذه المنظمات على تبرعات أعضائها وتمويل المقتنعين بمشروعها، فإن الدولة تُعمِل قوانينها لتتبع آثار هذا التمويل، فإذا تبَيَّن أن أنشطة هذه المنظمة المدنية لا يفتل في حبل سيادة الدولة، اختلقت لها عدة أسباب لتوقيف هذا التمويل؛ ومثال ذلك ما تعرضت له الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من مضايقات بخصوص تمويل الاتحاد الأوروبي لبعض أنشطتها.

– الخاصية الثالثة، درجة الاستقلالية:

وبناء على خاصيتي القانون والتمويل نتساءل هل فعلا تتمتع منظمات المجتمع المدني بالاستقلالية أم أنه مجرد وَهْمٍ؟ إن الخضوع لقوانين الدولة وتمويل الدولة ورقابة الدولة ورحمة الدولة في قبول شرعية المنظمة من عدمه، لا يدع أدنى شك في أن المجتمع المدني في الدولة الحديثة مهما بدا لنا مدنيا فإنه أداة في يد الدولة، إما بخدمة سياساتها بصفة مباشرة، أو بتلميع صورتها في الداخل والخارج، خاصة إن كان بنحو منحى المعارضة؛ إذ في نهاية الأمر لا تخرج هذه المنظمات من جُبَّةِ الدولة.

– الخاصية الرابعة، التساوق أم المعارضة:

 الانطباع العام أن منظمات المجتمع المدني أقرب إلى المعارضة بطبيعتها، سيما أنها تشتغل في حقل يبحث عن سلطة وسيادة إن لم تكن موازية للدولة، فعلى الأقل سيادة تضمن حرية الاختيار والقرار. والغالب أن منظمات المجتمع المدني لا تكون اهتماماتها سياسية محضة، وفي أقصى الحالات تشكل طبقة موازية للمؤسسات الحكومية، تناظرها وتراقبها وتعكس لها تطلعات الشعب وشكاويه وآماله. وهذا النوع من العمل تنزعج منه الدولة الديموقراطية بَلْهَ الدولة المستبدة. فكل الدول الحديثة مهما أظهرت من دعم للمجتمع المدني، فإنها لا تقبل بعلاقة النِّدِّيةِ معه، ذلك أن القرارات السياسية والاقتصادية الكبرى تُتَّخَذُ بعيدا عن المجتمع المدني، ودليل ذلك التظاهرات والاحتجاجات التي تعقب دائما قرارات الحرب، والزيادة في الضرائب، وخوصصة المرافق العمومية.. والتي لا تأبه الدولة بها ولا بأصحابها. الأمر الذي يدل أن المجتمع المدني في الدولة الحديثة تنتهي سيادته عند التصويت والانتخاب، لتتوارى خلف سيادة الدولة.

– الخاصية الخامسة، المجتمع الأهلي:

 ويمثل المؤسسات التقليدية الضاربة في عمق التاريخ، أو ما يسميه الانتروبولوجيون بالمؤسسات الفطرية، كالأسرة، ودور العبادة (مساجد، كنائس، أديرة، زوايا)، والمؤسسات التعليمية الخاصة، وروابط الجوار، ونُظُم العشيرة والقبيلة، والروابط الحرفية والمهنية، والشخصيات الاعتبارية المعتمدة في الوساطة والتحكيم… كل هذه الفضاءات الأهلية كانت عبر التاريخ بعيدة عن تأثير الدولة، وكانت تخضع للقيم الأخلاقية والأعراف المدنية، ولم تكن خاضعة لقوانين الدولة. غير أن الدولة الحديثة أخضعت المجتمع الأهلي لسيادتها وجعلته تحت قوانينها. ونُذَكِّرُ هنا أن الحضارية الإسلامية عرفت تاريخيا تجربة متميزة للمجتمع الأهلي، والتي تمثلت:

طالع أيضا  الدولة المدنيّةُ (2): تَهَافُتٌ نَظَرِيٌّ أَمْ تَجَاوُزٌ لِلدَّوْلَةِ الْحَدِيثَةِ؟

– اقتصاديا في التنظيم الحرفي وتنظيم الأسواق، حيث أمناء الحرف وأمين السوق.

– اجتماعيا في وجود دور الإيواء والزوايا وميثاق الجوار.

– سياسيا في مُمانعة الكثير من القبائل والعشائر الخضوع التام للدولة المركزية.

– قانونيا في استقلال القضاء واعتماد الشريعة كمرجعية للعدالة.

– مِلِّيا احتفظت المجموعات الدينية بهويتها والاعتراف بها.

وكل هذه الأدوار تلاشت إن لم نقل انتفت تحت يافطة دولة المواطنة والحق والقانون!

وخلاصة القول، هل يصبح مقبولا القول بالدولة المدنية، إذا ما استحضرنا الملاحظات والاستدراكات التي أشرنا إليها في الأجزاء الثلاث لهذا المقال، على أنها تشكل منصة تفاهم بين الإيديولوجيات السياسية القائمة، وتعفي عمليا من الجدل وتسهل تخيل نموذجٍ للدولة المرجوة. فيكون المعنى المقبول من الدولة المدنية:

–  أنها الدولة التي اتسقت وجهتها وانسجمت وتقاطعت مع آمال المدنيين الذين تحكمهم.

– أنها دولة لها وظائف الإدارة والتسيير، تعمل من خلال مؤسسات يضبط القانون سلوكها، وتخضع دون أي تحفظ لسيادة المجتمع المدني.

– أنها دولة يَؤُمها ذوو الكفاءات بغض النظر عن خلفياتهم.

– أنها دولة قطبها الإنسان، وغايتها الإنسان، وخراجها يصب في إسعاد الإنسان.

– أنها دولة الهدف من قوانينها تحرير الإنسان وحفظ كرامة الإنسان.

–  أنها دولة يترجم نظامها ميثاق المجتمع المدني وسيادته، ويكون فيها الحاكم موظف سامٍ يعيَّن ويُعزل.

– أنها دولة يتداول فيها على الإدارة والتسيير.

في حين أن القرارات السيادية تتخذها المؤسسات المدنية والأهلية التي يحكمها مبدأ التشاور والنقاش العمومي، وبلورة الرأي الحكيم والسديد، بعيدا عن آلية الديمقراطية التي قد لا تعبر بتاتا عن موقف الشعب، والتي تحسم فيها الأمور بِعَدِّ الأرقام لا بتحري الرأي العام والموقف العام. فالشورى والتشاور يكون بين مكونات الجماعة المدنية، التي تحسم في الخيارات، في حين تصلح الديمقراطية كآلية لحسم سبل وكيفية إنجاز هذه الخيارات من طرف مؤسسات الدولة.

 قد تبدو الدولة المدنية، من خلال هذه المعالم أنها دولة حالمة ستلتحق هي الأخرى بجمهورية أفلاطون، أو مدينة الفرابي الفاضلة، لكن سيبقى من أهم حسنات مناقشتها أنها جعلتنا نكتشف تغول الدولة الحديثة وضرورة تجاوز نموذجها صوب نموذج تكون فيه السيادة للمدني والأخلاقي، وتكون فيه الدولة والقانون وآليات الحكم مجرد وسائل، لغاية اسمها الإنسان!

 فؤاد هراجة / باحث في الفلسفة والفكر المعاصر.