نظرات في الأدوار التحكمية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي

 التعليم بالمغرب : القرار التربوي في قبضة القرار السياسي

  لن نكون بصدد جديد مبتدع إن انطلقنا من تأكيد أن الدولة الاستبدادية الشمولية القمعية تكره العلم والعلماء؛ إذ الاستبداد والعلم عند المستبدين ضدان متغالبان كما يقول الحكيم الكواكبي. ولن نعدو الحقيقة أبدا إن قلنا إن “منظومتنا” التربوية – إن جاز أصلا أن نتحدث عن منظومة – تعيش منذ تناسل تاريخ ما يسمى بإصلاحات التعليم بالمغرب في ظل قبضة التحكم المخزني وأدواته التي ترى في المجال أداة من أدوات صناعة المواطن الصالح لها.

من هنا، لن يجد الباحث كبير صعوبة في الاستدلال على بعض من تجليات تدخل المخزن عبر أم الوزارات الداخلية وأجهزتها المختلفة في مراقبة وتتبع القرار التربوي، من ذلك مما هو مشهود ومعروف:

–  تعيين وزير داخلية سابق في منصب وزير التربية والتعليم وكأن الهراوة والقلم سيان.

–  التعامل بمنطق التعليمات والأوامر عبر الهاتف من دون مراعاة الأعراف والقوانين الإدارية.

– الإعفاءات التي شملت عديدا من الأطر التربوية: مفتشين تربويين، موجهين، حراس عامين، مديرين، مهندسين، رؤساء مصالح بتعليمات من الداخلية لم يعرف بها مدبرو الشأن التربوي أنفسهم.

– سحب مبادرة مليون محفظة من السادة مديري المؤسسات التعليمية وإلحاقها بالعمالات، حتى إن عملية توزيع هذه الأدوات المدرسية تتأخر بدعوى ضرورة حضور ممثلي السلطة المحلية الذين قد يحصرون أحيانا في المقدمين والشيوخ.

– الحمى الكبرى التي تلحق مختلف الأجهزة الأمنية التي تتسابق وتتسارع لنيل معطيات اجتياز امتحانات البكالوريا، إذ تتهافت كل جهة أمنية واستخبارية على ضبط الغياب والغش وكل حركة وسكون يقعان أيام الامتحانات.

– التجسس الذي يمارس على النشطاء المجتمعيين والحقوقيين داخل المؤسسات التعليمية، والذي قد يستغل فيه حتى التلاميذ أحيانا.

هذه بعض من المظاهر البارزة على السطح من التدخل المباشر لأم الوزارات في المجال التعليمي، ويبقى جوهر التحكم قائما في أعماق المنظومة عبر المجالس المعينة، والبرامج المصنوعة، والتدابير المعتمدة، والمساطر المحددة على نحو يجعل قطاع التعليم من أهم مجالات التنشئة الاجتماعية التي يحرص المخزن أشد الحرص على ألا تفلت من عيون مراقبته مدخلات ومخرجات، وهو ما يشكل عائقا حقيقيا أمام تقدم البلاد وتطورها ونموها ويجعلها تحصد دائما المراتب الذيلية في مراتب التنمية البشرية لأن سنة الله في كونه أنه لا يصلح عمل المفسدين.

طالع أيضا  ذ. الريمي: يجب المراهنة على التعليم فمهما غلت تكلفته لن تصل إلى تكلفة الجهل

بيد أن هذه المظاهر البارزة الماثلة للعيان، إنما تخفي الغابة الحقيقية الكاشفة عن كون مسيرة التعليم بالمغرب هي مسيرة “إصلاحات متحكم فيها” مسبقا من المدخلات أصلا عبر الطرائق والآليات التي توضع بها الإصلاحات، وعبر المجالس التي تتصدى لشرعنة القرار السياسي والتمكين للاعبين الرئيسيين الذين ليسوا مختفين على أية حال!

 والحاصل أن هناك ثلاثة ثوابت جوهرية تعيق بنيويا أي تغيير حقيقي لمنظومة التربية والتعليم في المغرب؛ الثابت الأول فقدان المشروع المجتمعي المحدد للمواطن المراد، والمستجيب لهوية الأمة الحضارية، والقادر على مجابهة تحديات الحاجات الملحة حالا واستقبالا في أزمنة التسارع المعرفي والعلمي. الثابت الثاني هو الارتهان للإملاءات الأجنبية للمؤسسات الدولية المانحة، ولعل فرض التعاقد تحت مسميات تنويع أوضاع الموظفين، وفرض رسم التسجيل، وفصل التكوين عن التوظيف، والتوجه نحو “تسليع خدمة التربية والتعليم” من بعض تجليات ذلك الارتهان الذي ربما يخفي ما هو أعظم. ويبقى الثابت الثالث الممكن للثابتين أعلاه، هو تحكم القرار السياسي في القرار التربوي، ولعل قراءة السياقات والمرجعيات ومنهجيات الإعداد التي ضبطت إنجاز مختلف الإصلاحات التي عرفتها البلاد تكشف عن تحكم جلي للقصر ولمؤسساته المعينة، وتنم عن توجه ضبطي للقطاع تحت دعاوى الإجماع الوطني والقضية الوطنية الثانية والتعاقد والتعبئة والسلم …

المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي: أدوار تحكمية في لبوس استشاري

لا يتم ضبط المجال التعليمي فقط من خلال خطب وتوجيهات وإشارات ومشاريع الملك إنما يمتد احتكار المجال إلى المجالس الاستشارية المعينة، التي نراها تمثل الأداة الضاربة للحكم باعتباره فاعلا رئيسيا – حتى لا نقول وحيدا وأساسيا – في رسم وتوجيه السياسة التعليمية كما هو شأنه في باقي مجالات السياسات العمومية للقطاعات المجتمعية الأخرى.

المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أحد هذه المؤسسات الضاربة في المجال التعليمي، والآلية الواجهة المفصلة للتعليمات والتوجيهات الملكية في شكل تقييمات ورؤى وقوانين. هذا المجلس يفترض حسب الوظائف المنوطة به دستوريا أنه مؤسسة ذات طابع “استشاري”، وفضاء للتفكير “الاستراتيجي”، ومجال “للنقاش التعددي” حول قضايا التربية والتعليم، وإطار “مستقل” للحكامة “الجيدة” وللإسهام في “التنمية البشرية المستدامة”. لكن  التاريخ العملي لواقع الممارسة الفعلية يظهر أننا بصدد “إطار” يؤدي وظائف “فوق دستورية” تجعله يؤكد الطوابع التحكمية الضبطية لانفراد النظام الحاكم بقضايا التربية والتعليم.

طالع أيضا  كعادتها.. جامعات المغرب تغيب عن قائمة أفضل الجامعات في تكوين الأطر التدريسية

بغض النظر عن الاختلالات الكبيرة التي واكبت التركيبة البشرية المكونة للمجلس، والتي حلت فيها التوافقات الحزبية والترضيات السياسوية والقرب من دوائر القرار ومنطق الولاء للحكم محل مواصفات الكفاءة والخبرة والدربة والالتزام بقيم الهوية الوطنية، وبغض النظر عن الحجم الهائل من التعويضات التي تصرف لأعضاء المجلس من مال الشعب نظير “اجتماعات” و”مجالس” و”ندوات” تعيد إنتاج كم هائل من التقارير التي تكرر أوصافا معادة لاختلالات معروفة، سنجد أن هذا المجلس قد عاد  بعد سبات طويل ليتصدر المشهد التعليمي منذ نهاية البرنامج الاستعجالي، فنجده بعد التغيير الذي طال ظهيره المؤسس وبعد تركيبته التي تضم بين ثناياها دعاة “الغربنة والدارجة”، يدخل على خط اللقاءات التشاورية للوزارة حول المدرسة المغربية بعقد لقاءات سماها حوارية لتأهيل المنظومة – تعددت الأسماء والكارثة واحدة – لتلد لنا هذه اللقاءات التشاورية عند الوزارة تدابير ذات أولوية ستبتلعها اللقاءات الحوارية عند المجلس المعين لتفرز “رؤية” قيل إنها استراتيجية.

سيصدر المجلس عبر هيئته الوطنية للتقييم، تقريرا تقييميا لتطبيق الميثاق الوطني، سيكون عبارة عن محاكمات للجهاز التنفيذي تردد صدى نغمات اللوم المستوحى من خطابات الملك في نقده لعدم قدرة الحكومات على أجرأة المقترحات الثاقبة للنظر السديد، وسيصدر المجلس غير ذلك من التقارير التي تهم الارتقاء بمهن التربية والتكوين وتقييم التعليم العالي، والحكامة، وتقييم الدكتوراه والكليات المتعددة التخصصات، وتقريرا حول “مدرسة العدالة الاجتماعية وإشكالات النموذج التنموي”، وكلها تقارير يتخذ فيها المجلس وضعية انتقادية توجيهية يطرح معها أسئلة الحياد والاستقلالية والحكامة الجيدة.

إن من أبرز المحطات التي يظهر فيها الوجه التحكمي للمجلس الأعلى المعين المذكور، محطات إقرار القانون الإطار 17/51؛ فبعيدا عن أوهام وزيف شعارات الإشراك وإبداء الرأي، نسجل أن المجلس سيتدخل بقوة في توجيه وتنقيط عمل الحكومة وتصحيح أخطائها في المشروع الأولي الذي وضعته للقانون الإطار – الذي سيكون الإطار الذي سيقفل به النظام مدخلات ومخرجات المنظومة وسيكفيها إزعاج المطالبات بالإصلاحات المتتالية – وذلك منذ الرأي الذي أعده في نونبر 2016 تحت رقم 02/2016. وهو الرأي الذي سيذهب فيه المجلس مذهبا بعيدا في ممارسة أدوار رقابية حول مدى انسجام القانون مع الرؤية وحل الصياغة القانونية، تلكم الملاحظات التي ستعتمد في النسخ التي ستنجز للقانون لاحقا. ولقد كان غريبا أن يختص بالنقد وبالرفض ما قدم من تفصيل يهم التعليم الأصيل بدعوى أن تخصيص التعليم الأصيل بهذا التفريع يمس وحدة المنظومة!

طالع أيضا  ذ. الجوري: واقع الأقسام ينبئ عن إفلاس تعليمي وبيداغوجي وتوجيهي

ولقد ضرب المجلس الأعلى كما النظام الحاكم والجهات المكلفة بالتنفيذ عرض الحائط كل الاحتجاجات العلمية والنضالية التي خاضها الفاعلون المجتمعيون ضد هذا القانون الإطار، ليتم إقرار وتمرير القانون في جلسات بهلوانية تمثيلية ممجوجة في البرلمان ومجلس المستشارين. وقد تضمن القانون جملة من الإجراءات التي تظهر لنا هذا الوضع الفوق دستوري للمجلس والمكانة الاعتبارية الكبرى في نسق صناعة السياسة التعليمية المحققة للغايات “التربوية” للنظام الحاكم. ونضرب مثالا لذلك تنصيصه على عرض مخطط إعادة هيكلة التعليم العالي على أنظاره قصد إبداء الرأي بشأنه، وكذا على ضرورة أن يبدي رأيه بصدد “ميثاق المتعلم”، و”نظام التقييم والاعتماد والمصادقة”، و”الدلائل المرجعية الخاصة بالبرامج والمناهج والتكوينات”، و”تطبيقات الهندسة اللغوية”، و”دلائل معايير التوجيه”، و”دلائل مرجعية الوظائف والكفاءات”… فأي شيء تبقى من مكونات المنظومة هيكلة ومناهج وهندسة لغوية وتوجيها تربويا وتوظيفا وتكوينا لم يطلب بشأنها المجلس العرض على أنظاره لإبداء الرأي، وهي العبارة المخففة المترجمة عن هواجس الضبط ومخاوف التحكم والمراقبة؟

تبقى الإشارة واجبة إلى أن وضعية الخصم والحكم التي يتخذها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي تحول دون أداء الوظائف المثلى التي تناط عادة بمثل هذه المؤسسات في الدول المتقدمة، وهو ما يمس بحكامة المجلس وشفافية منجزاته. لتبقى معضلة المعضلات التي لا يفقه لها معنى، و لا تدرى لها فائدة،  أن تصدر عن المجلس تقارير تقدم تشخيصا يعرض لمعطيات خطيرة عن وضعية المنظومة بفداحة الأعطاب المكتشفة دون أن يتم تحريك آلية المحاسبة، مما يجعل المجلس جهاز تنفيس، وعصا “رمتني بدائها وانسلت”، لأنه يبقى الواجهة التي تحرف النقاش بتوجيهها اللوم – مثلها مثل من تمثل – إلى غير المسؤول إلا في دائرة التنفيذ للخطط، والتي لا تقود دائما بسبب النهج المعتمد، والرؤى الموجهة، إلا إلى النتائج نفسها التي تجعل من الإصلاح ذاك الأمل المعلق المطلوب دائما إلى حين يخرج تقرير جديد يضعنا في  ذيل الترتيب العالمي، يتلوه خطاب جديد يعيد الأسطوانة ذاتها، ليعهد للمجلس الأعلى بلورة تصور جديد يزيد الزمن التربوي ضياعا، ويرهن مستقبل أجيال وأجيال لدوامة دائرية لا تبرح مكانها من العبث والارتجال، اللذين نؤدي وسنؤدي ثمنهما غاليا إن لم نتّحد في جبهة وطنية لإنقاذ المدرسة المغربية.