منذ اليوم الأول من شهر شتنبر 2019 بدت أولى ملامح الدخول المدرسي الجديد لموسم 2019/2020، احتجاجات عارمة عمت الشوارع الرئيسة للعاصمة الرباط وأمام قبة البرلمان المغربي، آلاف الأساتذة والأستاذات يتوعدون بدخول مدرسي ساخن ينذر بأجواء مشحونة، تصعيد قابلته الوزارة المعنية -كعادتها- بالأذن الصماء.

وإذا كان الدخول المدرسي مناسبة للاحتفاء بكل الفاعلين في ميدان التربية والتعليم، فإن هذا العرف غائب تماما في بلدنا المغرب؛ ففيه يُزج بالمواطن المغربي في دوامة معضلات لا قبل له بها، معضلات تمس دخله المادي وتضعه أمام خيارات صعبة تتعلق بمستقبل فلذة كبده.

وأهم ما يميز الدخول المدرسي الجديد، تخبط المنظومة التربوية في معضلات جمة، أهمها سوء تدبير القطاع وتسييره الإداري والتربوي والتعليمي، وفتح جبهات للصراع المجتمعي بين المغاربة والتأسيس لتعليم طبقي، كان آخرها ما جاء في بنود القانون الإطار رقم 51.17. وشرعنة «نظام للسُّخرة» بلَبوس عصري يستغل طاقات أبناء المغاربة وكفاءاتهم، خدمة لمصالح الباطرونا ولوبيات الشركات الأجنبية واقتصاد الريع، بدعوى أن «الحصول على شهادة الباكالوريا وولوج الجامعة ليس امتيازا، ولا يشكل سوى مرحلة في التعليم.. وأن الأهم هو الحصول على تكوين يفتح آفاق الاندماج المهني، والاستقرار الاجتماعي».

وحتى نتبين مصداقية الدعوة إلى إعطاء الأولوية للتكوين المهني على حساب التعليم الجامعي، يكفينا أن ننصت إلى صوت آخر من داخل الدار لنرى من كثب واقع الحال؛ إذ أصدرت المندوبية السامية للتخطيط دراسة مفصلة كشفت فيها عن نتائج دراسة حديثة لها، دراسة تشير إلى نسبة حاملي شهادات التعليم العام الذين يعيشون البطالة %19,7، في مقابل %25,5 من ذوي شهادات التكوين المهني.

ونرى أن القانون الإطار 1 قد جاء محكوما بالعقلية نفسها، المغرقة في التقليدانية التي تمتح من المعجم المخزني المتشبع بأعراف الحكم الثيوقراطي وسلطته «المقدسة» على رعاياه الأفياء؛ فليس من الغريب أن يأتي هذا القانون على نغمة الإصلاحات السابقة، التي لم تُعر اهتماما للفاعلين المباشرين في الحقل التربوي فلم تُعمل المقاربة التشاركية، وبذلك غاب الحوار المجتمعي وغابت معه كل نية صادقة في إصلاح حال منظومة التربية والتعليم المأزومة. لتراهن الدولة على عامل الزمن لكسب مزيد من الوقت، علّها تجد -عبثا- حلولا ترقيعية أخرى.

طالع أيضا  الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد يعلنون عن برنامجهم النضالي لشهر أكتوبر

كما يطفو على سطح مشهد الدخول الدرسي الجديد قضية «فرنسة» التعليم؛ فإذا كان منطوق القانون الإطار في مادته الثانية يدعو إلى اعتماد التناوب اللغوي، بما هو «مقاربة بيداغوجية وخيار تربوي متدرج يستثمر في التعليم المتعدد اللغات، بهدف تنويع لغات التدريس إلى جانب اللغتين الرسميتين للدولة، وذلك بتدريس بعض المواد، ولا سيما العلمية والتقنية منها، أو بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد بلغة أو بلغات أجنبية»، فإن التأويل الأوحد الذي تراه الوزارة يعكس مفهوم التناوب اللغوي يتجلى في تدريس المواد العلمية بالفرنسية، عوضا عن اللغة العربية وغَمطا لحق لغات أجنبية أخرى كاللغة الإنجليزية.    

أما أزمة الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد فوصلت إلى النفق المسدود؛ ففي الوقت الذي كان حريا بوزارة التربية الوطنية البحث عن حلول ناجعة، لتجنيب المدرسة المغربية حالة الشد والجذب التي شهدها الموسم المنصرم 2018/2019، والاحتكام إلى التعقل في تدبير الحوار والأزمة «المفتعلة»، والاستعانة بوساطة من النقابات وذوي المروءات والحكماء، ما تزال الوزارة سادرة في عبثها، تناور ولا تحاور، تصدر الإملاءات ولا تؤمن بمنطق التوافقات. وما ملف الأساتذة المرسبين إلا دليل دامغ على حالة الشوفينية لدى بعض مسؤولي القطاع وغلبة رأي الفرد على سلطة القانون، ذلك أن الترسيب الذي طال الأساتذة المرسّبين في المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين (150 أستاذاً) جريمة متكاملة الأركان؛ حين قررت الدولة إسكات صوت الحق، فاستهدفت مناضلي التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين، رغبة في الانتقام منهم والقضاء على حقهم في الاحتجاج، فتعطي للأفواج اللاحقة صورة عن المصير المحتوم لكل من سولت له نفسه المطالبة بحقه في دولة الحق والقانون!! 

وبخصوص الأساتذة حملة الشهادات العليا، فقد دعت التنسيقية الوطنية لحاملي الشهادات وزارة التربية الوطنية في بلاغها المؤرخ بـ3 شتنبر 2019 إلى عقد جموع جهوية وإقليمية، استعدادا للمحطات النضالية التي تعتزم خوضها مع انطلاق الموسم الدراسي الجديد. سعيا إلى تحقيق المطلب الأساس لموظفي وزارة التربية الوطنية حاملي الشهادات، المتمثل في الترقية بالشهادة وتغيير الإطار بالشهادات الجامعية «دون قيد أو شرط وبأثر رجعي»، ومطالبتهم الوزارة بتدبير ملفهم المشروع أسوة بالأفواج السابقة لموظفي الوزارة وباقي الوزارات.

طالع أيضا  تقرير دولي: المغرب متقهقر في ترتيب عالمي حول الاهتمام بالرأسمال البشري

وأما أساتذة ضحايا النّظامين وأساتذة «الزنزانة 9» فهم أشد فئات موظفي وزارة التربية الوطنية تضرراً؛ بعد أن فشلت الوزارة فشلا ذريعا في إيجاد حلّ لملفاتهم العالقة، وتماطل الإدارة المركزية في الاستجابة لمطالبهم المشروعة؛ فقد جفت الحناجر وبحت الأصوات المطالبة بـ«تمكينهم من ترقية استثنائية بأثر رجعي ومالي منذ موسم 2012.2013»، نساء ورجال صمدوا في وجه الاستبداد الإداري و«سياسة التهميش والإجحاف والتمييز بين الفئات، والتي كان أساتذة الزنزانة أول ضحاياها بعد حرمانهم من الترقية».

وفي ظل هذه الملفات الشائكة، لم تجد الدولة من حل إلا انتهاج أسلوب الهروب إلى الأمام؛ فبدلا من السعي إلى حل المعضلات التي تتخبط فيها منظومة التربية والتعليم بالمغرب، تدفع الدولة بالقطاع لقمة سائغة إلى تجار القطاع الخاص، تملصاً منها في تدبير شؤون المدرسة المغربية ورغبة في التخلص من أعبائها المادية. حتى شهدنا في السنوات الأخيرة عملية «تفريخ» للمؤسسات الخصوصية؛ تفتقر للشروط الموضوعية التي تجعل منها مؤسسات للتربية والتعليم، ودون التزام بشروط الجودة أو مراعاة للظروف المادية للأسر المغربية.

ولم يعد تدريس الأبناء في المدارس الخصوصية في المغرب حكرا على الطبقة الغنية والمتوسطة؛ بل زُجَّ بالأسر المحدودة لتصلى معمعان الواقع الجديد وتكتوي بناره، في استغلال واضح لوضع المدرسة العمومية التي تعيش ألوان التخبط والاهتراء، ومشكلات عديدة كالاكتظاظ ورهاب العنف المدرسي، الذي لا تتورع وسائل الإعلام الرسمية وغيرها في التشهير به، فتكيل التهم جزافاً لرجال التعليم ونسائه، لغاية في نفس المتحكمين بهذه المنابر الإعلامية والأيادي الخفية وراءها.

 أما المدارس الخصوصية فتستغل حالة فقدان الثقة لدى المواطنين في التعليم العمومي، لترفع أثمنة التدريس إلى مستويات خيالية أحيانا، دون الحديث عن تكاليف التسجيل ومصاريف التأمين وما يشوبها من تجاوزات كثيرة. ومادامت الدولة قد ألقت بالحبل على الغارب في مؤسسات التعليم الخصوصية، فإنها تفتح الباب مشرعا لكل أشكال الاستنزاف المادي لجيوب الأسر المحدودة الدخل. وعوض الارتقاء بالمدرسة العمومية المغربية نرى تعميقا لأزمتها وإمعانا في تهميشها ورفع اليد عنها.  

طالع أيضا  التعليم الكارثة.. تعليقات على تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2018

رجاؤنا أن تقوم القوى الحية في البلاد بكل مكوناتها السياسية والمجتمعية والاقتصادية لإنقاذ المنظومة التربوية التعليمية بالمغرب من براثن الرأسمالية المتوحشة وسلطة الرأي الفردي «المقدّس»، وفق إرادة جماعية حقيقية؛ تلغى بموجبها المصالح الفئوية والحسابات الحزبية أو النقابية أو الإيديولوجية الضيقة، تأسيسا لميثاق وطني يخدم البناء الديمقراطي المشترك المأمول، قاعدته روح الحوار وقبول الاختلاف، وتبني الممارسة الديمقراطية.

سعيا إلى إصلاح حقيقي يشمل مكونات المنظومة التربوية جميعها، وتجاوز مستنقعات العمل الأحادي ومنطق تبادل الاتهامات. فلا يجب أن تلهينا تلك عن السير قُدما لتجاوز الواقع المأزوم، والإفادة منه في تجديد دماء المدرسة العمومية المغربية. وبعد هذه المرحلة -وبعدها فقط- يمكننا البدء في التناول المطلوب للمسألة التربوية بالمغرب، بما تستوجبه المرحلة من وعي كاف من لدن كل القوى الحية بالبلاد، حتى تكون قمينة بحمل الأمانة العظيمة؛ أمانة أجيال من أبناء هذا البلد الكريم.


[1] القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، صدر بالجريدة الرسمية الظهير الشريف رقم 1.19.113 مؤرخ في 7 ذي الحجة 1440 الموافق لـ9 غشت 2019.