يدشن موقع الجماعة.نت بمناسبة الدخول المدرسي سلسلة حوارات مع مهتمين ومتخصصين في الشأن التربوي، وفي السياسات التعليمية المغربية لتسليط المزيد من الأضواء عليها.
وفي هذا السياق نستضيف في أول حوار الأستاذ محمد حمداوي؛ المفتش التربوي وعضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، الذي ناقشنا معه مسارات المنظومة التربوية التعليمية المغربية منذ الاستقلال، وعرج في قراءته وتحليله على أهم الإصلاحات الكبرى التي عرفتها المنظومة.
وأكد مدير المركز الدولي للدراسات والأبحاث التربوية من خلال هذا الحوار أن الدولة لم تكن جادة في يوم من الأيام في إجراء إصلاح حقيقي بناء على إرادة الشعب المغربي ويستجيب لتطلعاته، وكل الإصلاحات لم تكن نابعة من إجماع المجتمع بأطيافه المتعددة وإنما كانت تستأثر بالمقاربات الأحادية، وهي نفس المنهجية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للوطن.

ولم يغفل المحاوَر التعليق على المناهج المعتمدة وعلاقة السياسة التعليمية الرسمية بتحقيق التنمية وقضايا أخرى.. فيما يلي نص الحوار:


عرفت المنظومة التعليمية التربوية المغربية منذ بدايتها إلى اليوم جملة من الإصلاحات ‏الكبرى ما هي نظرتكم لهذه الإصلاحات؟

عرفت المنظومة التعليمية التربوية المغربية منذ فجر الاستقلال عدة محطات لمحاولة إصلاح التعليم ‏انطلاقا من إقرار المجتمع المغربي للمبادئ الأربعة للتعليم، المتمثلة في التعميم والتوحيد والتعريب ‏ومغربة الأطر، ويقصد بها تعميم التعليم على جميع الأطفال البالغين سن التمدرس، وتوحيده في مدرسة ‏وطنية واحدة، أما التعريب فقد كان المقصود منه وما يزال جعل اللغة العربية لغة تعليم جميع المواد، وأما ‏‏”مغربة الأطر” فقد كان يراد بها تعويض الفرنسيين بكفاءات مغربية وهو ما تم في حدود الثمانينات. ‏

 لم يكن للنظام منذ البداية رغبة ولا إرادة في تحقيق هذه المبادئ ولا العمل بها، وقد حاول في ‏محطات كثيرة تحويل هذه الرغبة المجتمعية إلى وجهات أخرى، فكان للعلماء ولرموز الحركة الوطنية ‏ولفعاليات المجتمع دور كبير في التصدي لهذه المحاولات، سواء في مناظرة المعمورة سنة 1964 أو ‏مناظرة إفران سنة 1970 بعد المسار المتميز الذي عرفه تعميم التمدرس منذ الاستقلال إلى منتصف الستينات. لكن ‏جاءت مذكرة ملكية توجيهية ليعرف هذا التعميم انتكاسة مع ما عرف بمخطط “مذهب بنهيمة 1965-1969” (يمكن مراجعة التفاصيل بمجلة النداء التربوي العدد 18..‏‏) وتم تعريب تدريس المواد الأدبية مع بداية السبعينات وبقيت المواد العلمية إلى حدود نهاية الثمانينات، إلا ‏أن هذه العملية كانت بدون فائدة، حيث تمكن فرض تعليم المواد العلمية بالفرنسية في الجامعة، ورفض مشروع ‏ميثاق لجنة التعليم لسنة 1995 من الملك الراحل الحسن الثاني بمبرر  تشبثها بالمبادئ القديمة، وعلى أنقاضها جاء ميثاق ‏التربية والتكوين سنة 2000 ليسير بالمنظومة في سياق توجيهات البنك الدولي والعولمة وما جاء بعده من ‏‏برنامج استعجالي ورؤية استراتيجية  يدخل في هذا السياق، ولم تكن هناك رغبة ولا إرادة سياسة لدى ‏الحاكمين في إصلاح حقيقي للتعليم وهو الوضع الذي لا يزال قائما مضطربا إلى الآن!

طالع أيضا  ذ. جوري: قرار فرنسة المواد العلمية دليل على غياب الإرادة الحقيقة في إنقاذ التعليم

تحدثت عن المبادئ الأربعة التي سطرتها الحركة الوطنية من تعميم وتوحيد وتعريب ومغربة كيف ترى تعاطي الدولة معها؟ ومدى تمثلها في برامج الإصلاح المتعاقبة؟

أدركت الحركة الوطنية ومعها غالبية الشعب المغربي بعيد الاستقلال أهمية التعليم في الرقي الاجتماعي والنهضة الحقيقية. لذا سارعت الحركة الوطنية بتبني المبادئ الأربعة التي تحدثنا عنها، والتي صارت مطالب في كل المحطات وعلى كل الألسن. ومن المؤسف أن جل الحكومات المتعاقبة، بل النظام المخزني اتخذ هذه المبادئ مجرد شعارات لكسب الوقت وضمان أصوات انتخابية لإعادة انتاج النخب الحاكمة وإبقاء الأوضاع على ماهي عليه. فبعد 63 سنة من الاستقلال لم يتحقق تعميم التعليم وهذا بشهادة التقارير الدولية والرسمية، وخصوصا في العالم القروي، وتوحيد التعليم بقي شعارا فارغا؛ بالعكس أصبح بعيد المنال أمام تزايد وتغول نوع من التعليم الخصوصي مغرب يتباهى في أغلبه باعتماد كتب ومقررات أجنبية، إضافة إلى الإقبال الملحوظ على مدارس البعثات الأجنبية…  لقد كان توحيد التعليم الغائب الأكبر في الإصلاحات. وكان التعميم فيها مجرد شعار. ولم يعد يخفى على أحد التراجع العلني عن التعريب..

يخشى المتحكمون في السياسة التعليمة كل إصلاح يقود إلى التحرر الحقيقي من أوجه التخلف والتبعية والإملاءات الأجنبية، لذا يحرصون دوما على الانفراد بما يسمى الإصلاحات التعليمية. وبتصفح لكرونولوجيا الإصلاحات نجدها في معظمها، صادرة بقرار سياسي ومن القصر الملكي.  كالميثاق الوطني والرؤية الإستراتيجية والمجلس الأعلى للتربية والتكوين، وقبله المخطط الاستعجالي وقانون العار القانون الإطار الحالي. كل هذه الإصلاحات انفرادية من القصر ومحيطه يغيب عنها الإشراك الحقيقي والتفويض لذوي الاختصاص والتقويم والمحاسبة.

وقد أثبت التاريخ فشل كل المقاربات الأحادية في جميع المجالات: السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية وغيرها، لأن جوهرها يحكمه المنظور الفرعوني ما أريكم إلا ما أرى.

طالع أيضا  تضامنا مع الأب الذي تم الاعتداء عليه.. أساتذة التعاقد يخرجون في مسيرة بآسفي

هل تنهج الدولة فعلا مقاربة أحادية في الإصلاحات التعليمية في مقابل تغييب الإجماع الوطني حقيقة أستاذ حمداوي؟ ولماذا؟

قد تتعدد الصور والأشكال والأساليب التي توحي أن تدبير الدولة لملف التعليم هو تدبير مؤسساتي على شكل لجان أو مجالس دستورية أو حتى برلمانية، لكنها في الحقيقة إنما هي أشكال ورسوم تنافي تماما المقاربة التشاركية في التدبير بله مراعاة الإجماع الوطني. ويبدو ذلك جليا في العديد من الملفات كان آخرها القانون الإطار الذي أجهز على اللغة العربية لحساب تسييد اللغة الفرنسية ضدا على إرادة المجتمع وثوابته وقيمه. وهذه نتيجة طبيعية في ظل نظام استبدادي يتحكم في كل مفاصل الدولة والمجتمع، وليست له إرادة حقيقية في إشراك الآخر في أي قرار وإن تزيى بزي الديمقراطية ولبوسها.

ما هي المظاهر التشريعية والقانونية لأزمة التعليم ببلادنا؟

تحدثت لك عن الرغبة المجتمعية للعمل وفق المبادئ الأربع، وأشرت للمحطات ‏‏”الإصلاحية” التي كانت تعاكس هذه الرغبة المجتمعية، حيث إنه كان من المفروض أن يحاسب المجتمع ‏القائمين على الشأن التعليمي لينساقوا وفق إرادة الشعب والمجتمع، وهذه أول مظاهر الأزمة التشريعية في ‏بلادنا.‏

‏الحاكم لا يحاسب وقد خول لنفسه صلاحيات كبيرة دستورية، يرأس كثيرا من المجالس العليا بما فيها المجلس الأعلى للتربية والتعليم ‏والتكوين والبحث العلمي، ويرأس الدورات الافتتاحية للبرلمان حيث تمثل الخطابات الملكية عامة بما ‏فيها الافتتاحية لعمل البرلمان والتوجيهات الواردة بها البرامج التي عليها أن تنفذ في السنة التشريعية وينبثق منها عمل ‏الحكومة “الممثلة” للأغلبية البرلمانية، التي وصلت للبرلمان عبر “انتخابات” وفق برامج انتخابية. ‏

في هذه العملية تكمن الأزمة التشريعية والقانونية، التشريعات التي تصدر من البرلمان لا تمثل البرامج ‏الانتخابية ولا القوانين المصادق عليها، وإنما تمثل استجابة للتوجيهات والتعليمات وهذا ما نلاحظه في تناقضات صارخة نراها في تصديق بعض الأحزاب على قوانين لا تتماشى مع قناعاتها ولا مع برامجها. بل التوجهات والقوانين المهمة تفرض فرضا ضدا على هوية أمة بأكملها، وضدا على دستور وعلى مساطر تنظيمية هم من وضعوها، كما كان الحال ‏مع المهزلة/الفضيحة التي حدثت أثناء التصويت على القانون الإطار 51.17 مؤخرا!

طالع أيضا  حوار.. البروفيسور البغدادي: إذا أردت أن تساهم في تطوير المجتمع حقيقة ساهم بتطوير لغته

ما قيمة المناهج المعتمدة في المنظومة وهل يرجى منها أثر في صناعة الجودة؟

تخضع المناهج للتوجهات وللسياسة المرسومة. فهي بمثابة تفصيلات لها في قوالب ديداكتيكية وبيداغوجية يتم تنزيلها في الفضاء الدراسي. ورغم ذلك فإن الكفاءات التربوية الوطنية بكل أصنافها كانت دائما ومازالت تبذل جهودا كبيرة من أجل أن يكون للمادة الدراسية معنى مفيد للأجيال المتعاقبة. لكن يبقى ذلك في حدود المتاح ويصطدم بالسقف المرسوم الأمر الذي يؤثر ولا شك على الجودة المنشودة.

هل تسهم السياسة التعليمية الرسمية المتبعة الآن في تحقيق التنمية فعلا؟

إن العكس هو الصحيح تماما، ففشل الدولة في قطاعات اجتماعية حيوية كالتعليم والصحة هو الذي جعل المغرب في ذيل قائمة الدول في مؤشرات التنمية البشرية، مسبوقا بالجزائر وتونس وليبيا ودول أخرى تعاني من حروب أو اضطرابات كالعراق وفلسطين ومصر. ثم إن الدولة على المستوى الرسمي اعترفت بفشل نموذجها التنموي الذي أهدرت من أجله الملايير. كما أن إطلالة سريعة على ارتفاع نسب الهدر المدرسي، وعلى مخرجات النظام التعليمي بالمغرب من بطالة الخريجين وهجرة الكفاءات كافية للتدليل على فشل السياسة التعليمية في الإسهام في تحقيق التنمية.