مرت العطلة الصيفية كسابقاتها وفتحت المؤسسات التعليمية أبوابها لتستقبل وفود المتعلمين الذين تتعدد مراميهم من ولوجها؛ بين محب للطلب طامع في إتقان التحصيل، وبين محارب للأمية الأبجدية أو راغب في الانعتاق أو النجاح بأي ثمن لاقتناص شغل شحت فرصه في وطننا الحبيب…

لا يخفى على ناظر ما تعيشه منظومتنا التعليمية من نكبات، وما يجب على أطراف العملية التعليمية التعلمية تخطيه من عراقيل ومثبطات، وما يواكب ذلك كله من تدابير لا تعدو أن تكون مجرد ترقيعات في مجال ليس يستتر على أحد انفراط عقده.

فبالإضافة إلى مآسي الاكتظاظ، وكثرة المناهج واعتمادها على الكم قبل الكيف، وطول المقررات، والارتجالية في تدبير الشأن التعليمي، واهتراء البنية التحتية لا سيما في المناطق النائية، والهدر المدرسي، وضحالة المخططات المتعددة التي لم تكد تتجاوز أبواب مكاتب منظريها بدءا بميثاق التربية والتكوين والمخطط الاستعجالي، ووصولا إلى الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين 2015-2030، بالإضافة إلى هشاشة التكوين وشبه غياب التكوين المستمر، وضعف القيم والإفساد الذي طال العلاقة التي تربط بين المعلم والمتعلم مع إلقاء لائمة التردي على المدرس دائما عوض التداول في إطار حوار وطني في الواقع المخزي بحثا عن وسائل التطوير وسبل العلاج، حوار مجتمعي يشارك فيه أهل الميدان ويتحملون مخرجاته.

ضاع التعليم بتوالي سياسات الإفساد، وفرغت المؤسسة التعليمية من روحها باعتبارها مشتلا للتربية والتعليم وزرع القيم، وتطوير الكفاءات، واكتشاف الطاقات، وتوجيه الذكاءات… تراجعت لما أريد للمعلم أن يشتغل بسباق محموم لإنهاء المقررات عوض بناء العقول والعلاقات، وتحقيق الكفايات، وغرس الهدايات، وممارسة الأبوة الرحيمة والأمومة الرفيقة والتكوين الرصين.

وثالثة الأثافي حينما اتهمت اللغة العربية في كنهها واعتبرت عاجزة عن حمل العلوم والفهوم، وتم التخطيط لفرنسة التعليم وضرب مجانيته بصدور القانون الإطار الجديد الذي يلزم الأسر بدفع رسوم التسجيل للتعليمين الثانوي والجامعي، فتم وضع التعليم في نعش الوداع ولم يبق إلا أن يحثى عليه تراب النسيان إلى حيث لا رجعة،  وتكون  حكومتنا الموقرة قد شيعته، وضربت بقذيفة ثقيلة قدرة الأسر المغربية، وكرست الفئوية المقيتة، وشجعت أولياء الأمور على طرق أبواب المدارس الحرة في أفق خَوصصة التعليم، ذاك القطاع الذي في تقدير من لا يحسنون التقدير غير منتج ولا يجمل رصد الميزانيات المعقولة لتطويره، وإن فُعل فلِتضيع بين سوء التدبير وضعف التسيير وهشاشة الحكامة، وتبقى دار لقمان على حالها.

طالع أيضا  فصيل طلبة العدل والإحسان يناقش "السياسات العمومية للتعليم بالمغرب" بكلية الآداب بالرباط

لا الفرنسة سترفع عن تعليمنا كابوس الفشل، ولا محاولات الإصلاح الماراطونية ستجعله في المقدمة، ولا تجديد المناهج سيجعلنا نؤمن بنجاعته، ولا التخطيط الذي يصدر عن المكاتب المكيفة ولا يشرك أهل الاختصاص سيعيد له شأوه ويحقق في واقعنا تعليما مؤهلا وقادرا على المنافسة والانفتاح على المحيط، ومواكبا للتطورات العلمية والتكنولوجية، ولا المعدلات العالية لبعض المتعلمين في السنوات الإشهادية أو نسب النجاح المرتفعة فيها ستجعلنا ننسى 79 في المائة من التلاميذ البالغين عشر سنوات الذين لا يتقنون أساسيات القراءة، ولا ما يزيد عن مليون ونصف من الأطفال المغاربة الذين سيجدون أنفسهم خارج مقاعد الدراسة بحلول سنة  2030 إذا لم تسرع وتيرة الإنقاذ كما نبهت إلى ذلك منظمة اليونسيف.

حري أن يوضع التعليم في مقدمة المجالات التي تحتاج إلى الإصلاح عسانا نبرح مؤخرة الركب، ونقطع مع الارتجالية في التخطيط والتنفيذ، ونحقق فعليا جودة التعليم التي للأسف في ديارنا أقل من متوسط الدول الفقيرة بإفريقيا جنوب الصحراء كما تشير إلى ذلك المؤشرات.

لا بد من إعادة النظر في تكوين الأساتذة واستمرار تكوينهم، والإتقان في اختيار الحوامل البيداغوجية، والجودة في انتقاء المقررات ووضع البرامج والمناهج، مع ضرورة الإشراك والربط بسوق العمل.

لا بد من أن تتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة في تمويل التعليم، ورصد أكبر الميزانيات له، وأن تضمن حقوق أطره التي تعتبر قوة التنفيذ وقاعدة الصمود والفاعلية.

وقبل ذلك ومعه، لا مجال لحل أزمة التعليم بمعزل عن باقي القطاعات والسياسات، ومن المحال تدبيره من خلال خطب موسمية أو إصلاحات ارتجالية أو مملاة.

لابد من أن يناضل المجتمع من أجل أبنائه، ومن أجل استرجاع كرامة الأستاذ والتلميذ على حد سواء، لإعادة الاعتبار لمنظومة التعليم عساها تتقدم وتتفتح معها العقول وتسعد الأوطان.

طالع أيضا  التشغيل بالعقدة يتضخم في قطاع التعليم.. والدولة تتخفف من أعباء "الوظيفة العمومية"