المغرب لديه ثاني أعلى معدل لهجرة الأدمغة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هذا ما كشفت عنه مجلة “عرب ويكلي Arab Weekly” الأسبوعية، الناطقة بالإنجليزية، والمهتمة بتطورات الأحداث في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو حسب التقرير العربي للتنمية الثقافية من بين أعلى 30 دولة “مصدرة” للكفاءات العالية في العالم.

هجرة الأدمغة.. كيف بدأت؟

هجرة الأدمغة أو (Brain Drain) تعبير صحافي أطلق في الستينات من القرن الماضي على هجرة العلماء من بريطانيا وكندا إلى الولايات المتحدة الأميركية. ويقصد به اليوم كل هجرة يقوم بها العلماء، والمتخصصون في مختلف فروع العلم، من بلد إلى آخر طلباً لرواتب أعلى أو التماساً لأحوال معيشية أو فكرية أفضل، وذلك حسب منير البعلبكي في موسوعته “المورد”.

وقد صارت هذه الهجرة اليوم ظاهرة مقرونة عادة بالانتقال من البلدان “النامية” إلى البلدان المتقدمة، وأصبحت مقلقة ومخيفة لأنها تزيد من اتساع الفجوة بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب، وتسبب خسارتين بارزتين على الأقل للدول صاحبة الكفاءات: الأولى مادية؛ حيث يصرف على الأطر المهاجرة ملايين الدراهم من أموال دافعي الضرائب من أجل تعليمها وتأهيلها وتكوينها دون أن يستفيد الوطن من خدماتها، والثانية معنوية؛ حيث تقدم هذه الأطر على طبق من ذهب للدول الغنية، لتزداد قوة ومناعة، والدول المصدرة لهاته الكفاءات في أشد الحاجة إليها لإخراجها من أوضاعها المتأزمة مع الفقر والتخلف والفساد.

“Arab Weekly” المجلة الصادرة من الولايات المتحدة الأمريكية أفادت أن الحكومة المغربية حاولت إيلاء الأمر أهمية، حينما أسست سنة 2007 المنتدى الدولي للكفاءات المغربية في الخارج (FINCOME)، وذلك لجذب المهنيين الشباب والأكاديميين المغاربة الذين يعملون في الخارج إلى المغرب، وإدماجهم في قطاعات التعليم العالي والبحث العلمي والأعمال في البلاد. لكن الأرقام كانت ناطقة بالواقع المرير، فقد باءت محاولات استعادة الكفاءات المهاجرة بالفشل الذريع.

أرقام صادمة!

دراسة نشرتها جامعة الدول العربية العام الماضي، كشفت أن هناك حوالي 50 ألف طالب مغربي يدرسون في الخارج، وحوالي 200 ألف خبير مغربي في مجالات مختلفة اختاروا العمل خارج بلدهم. وحسب ذات المجلة، فقد أظهرت دراسة أجراها موقع شركة “روكرتRecruit” على الإنترنت، وهي شركة توظيف رائدة، أن 91٪ من الخريجين المغاربة يحلمون بمغادرة البلاد وإيجاد فرص عمل في الخارج لأنهم يعتقدون أن الهجرة من المغرب ستساعدهم على التقدم وتطوير حياتهم المهنية.

طالع أيضا    تقرير أجنبي.. بسبب انسداد الأفق المغرب يفقد %17 من أدمغته

وحسب إحصاءات رسمية قدمتها وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي، فإن 600 مهندس متخرج يغادرون المغرب سنويا، وهو رقم يعادل تقريبا عدد الخريجين في أربع مدارس كبرى للهندسة بالدار البيضاء.

أما فدرالية التكنولوجيات والاتصال والأوفشورينغ، التي سبق أن دقت ناقوس الخطر جراء ارتفاع وتيرة مغادرة الكفاءات المغربية المتخصصة إلى خارج الوطن، فتشير البيانات الصادرة عنها إلى أن المعاهد المغربية بمختلف أنواعها تُخرج ما بين 7 و8 آلاف كفاءة سنوياً، غالباً ما تدرس 12 سنة بعد الباكلوريا، بخبرة مرتبطة بالهندسة وتكنولوجيا المعلومات، يفقد منها المغرب حوالي 20 ٪. والتي تختار الهجرة إلى الخارج مباشرة بعد التخرج، ودون تردد، رغم أن هناك حاجة شديدة لهم في سوق الشغل المغربي.

سلوى كركري بلقزيز رئيسة الفدرالية أفادت أن الظاهرة ليست مقتصرة فقط على المهندسين، فالكوادر المغربية العليا تغادر كل عام، سواء تم تدريبهم في القطاع العام أو الخاص، بل هؤلاء الأفراد يستقيلون من مناصبهم للذهاب إلى أي مكان آخر، غير المغرب، في تصريح قدمته لجريدة “أخبار المغرب العالمية” الناطقة بالإنجليزية.

علاوة على ذلك، فقد أشارت رئيسة الفدرالية إلى أن “الشركات الفرنسية، متعددة الجنسيات، تقوم بزيارات أسبوعية للمديرين التنفيذيين المغاربة لإقناعهم بالهجرة والإقامة في فرنسا”، وتقدم لهم في المقابل منحاً وأجوراً مرتفعة، وتغطية صحية متكاملة، وبيئة عمل مشجعة لتطوير كفاءاتهم.

الصادم والغريب كان تصريح وزير التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي سعيد أمزازي، الذي اعتبر أن “النسبة العالية للخبرة المغربية التي يتم توظيفها في الخارج، وتصنيف المغرب كدولة ثانية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط في الخبراء “المصدرين”، هي شهادة على “جودة التدريب والتعليم” الممتازة في المغرب من طرف الدول الأجنبية، وهي مؤشر أيضاً على “جودة” الكفاءات المغربية”. واعتبر في معقب رده على أحد الأسئلة بمجلس المستشارين بخصوص هجرة الكفاءات أن “هذه مناسبة للتنويه بالكفاءات المغربية المهاجرة، لأنه ولله الحمد هناك إقبال عليهم بكثرة من طرف الدول الأوروبية وأمريكا وآسيا.. أريد أن أبرز هنا أهمية النظام التربوي والتعليمي العالي الوطني، الذي يفرز لنا هذه الخبرات ويمكننا من تصدير “بروفيل” ذي جودة”. وهو التصريح الذي اعتبرته مجلة “Arab Weekly” حسب مراقبين تشجيعًا للكفاءات المغربية على مزيد من الهجرة ومغادرة البلاد.

طالع أيضا  مؤسسة محلية: المغرب يخسر آلاف الكفاءات العالية وهجرة الأدمغة في ارتفاع

رغم أن المجلة قد أوردت تصريحاً سابقاً لرئيس الدولة، والذي قال في خطاب سابق السنة الماضية أن مسألة هجرة الأدمغة تؤرقه! ليس لأن “الكثير من الشباب في المغرب، وخاصة خريجي جامعات العلوم والتكنولوجيا، يفكرون في الهجرة، فقط بسبب الحوافز المادية المغرية في الخارج، ولكن أيضًا بسبب أنهم لا يجدون في بلدهم الظروف المناسبة للتوظيف والتقدم الوظيفي، والابتكار، والبحث العلمي”. وأضاف حسب نفس المجلة أنه “لنفس الأسباب لا يعود عدد من الطلاب المغاربة في الخارج للعمل في بلدهم بعد الانتهاء من دراستهم”.

التقرير العربي العاشر للتنمية الثقافية اعتبر أن هجرة الأدمغة والكفاءات العربية تشكل أزمة بنيوية في مجتمعاتنا، وخصوصا أن نحو 20 مليون مواطن عربي ينتشرون خارج الوطن العربي، نسبة كبيرة منهم تتمتع بكفاءات علمية عالية. بل إن المهاجرين العرب من ذوي الكفاءات العالية يشكلون أعلى نسبة من مجموع المهاجرين في العالم بنسبة تقدر ب%18.9، حيث يحمل حوالي 86 ألف عربي شهادة الماجستير، و55 ألف شهادة الدكتوراه.

ويعتبر المغرب والجزائر من بين أعلى 30 دولة مصدرة للكفاءات العالية في العالم، خاصة لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وقدرت مؤسسة الفكر العربي كلفة هجرة الأدمغة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين للدول العربية، بنحو 200 مليار دولار تقريباً، وذلك حسب التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية الصادر سنة 2010، لكن هذه الخسارة تبقى ضئيلة إذا قورنت بالخسارة الحضارية التي لا تعوض بمال، إزاء هجرة الأدمغة العلمية أو المادة الرمادية للشعوب.

هل من حلول للأزمة؟

ظاهرة هجرة الكفاءات باتت مقلقة جداً، ووصلت مستويات محرجة للغاية بالنسبة للمغرب، والبرامج التي اتخذتها الحكومة لم توقف أو تقلل من النزيف المستمر المرتبط بهجرة الأدمغة. لكن رغم ذلك يبقى حل المعضلة غير مستحيل، طالما امتلك أصحاب القرار الجرأة على الوقوف أمام الظاهرة، والتصدي لأسبابها الحقيقية، فليس البحث عن الوضعية المهنية والحياتية الأفضل فقط سببا للمشكل، ولا الإغراءات التي تقدمها المختبرات الدولية، فاحتياطي الكوادر العليا، والخبراء، والمهنيين المؤهلين تأهيلا عاليا حسب المعايير الدولية متوفر بكثرة لدى المغرب، إلا أن غياب العدالة فيما يتعلق بفرص العمل، وانعدام الشفافية في التوظيف والترقية، والافتقار للإرادة السياسية، وعدم المتابعة السليمة ومرافقة الخريجين الجدد، بالإضافة إلى انخفاض الأجور وانتشار المحسوبية على نطاق واسع، والقيود المفروضة على الحريات، أسباب كافية لتدفعهم إلى اختيار الهجرة.

طالع أيضا  مؤسسة محلية: المغرب يخسر آلاف الكفاءات العالية وهجرة الأدمغة في ارتفاع

واعتبر فريق الاتحاد المغربي للشغل بمجلس المستشارين أن هذه الهجرة تنعكس سلبا على التنمية البشرية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، وتعد بمثابة ضياع الموارد وغياب العائد الاستثماري، خصوصا وأن المغرب أنفق على تكوين عدد من هذه الكفاءات، وهي كفاءات متخصصة في مجالات جد حساسة وهامة وأطر في القطاعات التنموية.

آمال العمري رئيسة الفريق النقابي اعتبرت أن المغرب أصبح يعيش “تهجيراً للعلم للمساهمة في تنمية بلدان المهجر بدل تصدير القيمة المضافة للعلم والمساهمة في المجهود التنموي لبلدنا”، وأرجعت سبب الظاهرة في مداخلتها بالبرلمان المغربي إلى “فشل السياسيات الحكومية المتعاقبة في رسم استراتيجية عمومية من شأنها إدماج الكفاءات في سوق الشغل وعجز الاقتصاد الوطني”، وإلى “غياب رؤية استراتيجية لمواكبة خريجي الجامعات والمعاهد في حياتهم المهنية”، إضافة إلى “غياب الإرادة السياسية لتطوير البحث العلمي”.

وعلى الرغم من كل هذا النزيف، فإن 74% من المهنيين المغاربة الذين يعيشون في الخارج، يميلون إلى العودة إلى بلادهم على أمل تحسين وتطوير ظروف عملهم، والاستقرار في بلدهم الأم. ومع ذلك، يبقى الكثيرون مترددين لأن مناخ الأعمال في المغرب يفتقر إلى الجاذبية، وبالتالي فإن الكثير منهم لا يعودون في النهاية. وذلك حسب إحصاءات أوردتها جريدة “أخبار المغرب العالمية”.

فبناء على هذه الرغبة الموجودة لدى المهاجرين، يمكن للمغرب أن يبدأ بداية جديدة، وذلك من خلال محاربة أسباب النفور الأصلية، ومحاربة مظاهر الفساد والمحسوبية والزبونية، مع تحسين ظروف العمل، وإدماج الكفاءات العليا بالمكانة التي تليق بها، وتوفير المرافق البحثية.

وسيكون تسهيل عودة هذه الكفاءات العليا ذات القدرات الأكاديمية والمهنية سبيلاً حقيقياً للانتفاع من الخبرة التي جمعوها في بلدان المهجر، وسبباً لتطوير وتحسين الاقتصاد المغربي بشكل كبير، والوصول إلى آفاق جديدة وواعدة من التقدم والازدهار. هذا إن كان لدى صانع القرار أذن تسمع وعقل يعي!