نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الانفصال عن الجماعة بالارتداد عن الهجرة، لكن هذا الانفصال قد يقع حتى داخل الجماعة بالانفصال عنها شعوريا حين يستبطن المؤمن هم مصيره الفردي الأخروي عند الله عز وجل ويستقيل من الهم الجماعي السياسي الدنيوي الذي عليه قوام مصير أمته في التاريخ، ولذلك كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الارتداد بعد الهجرة نهى عن العزلة والتبتل لأن كلاهما انشغال بالهموم الفردية عن هموم الجماعة، سواء كانت هذه الهموم دنيوية أو أخروية، وهروب من مواجهة التحديات، واستقالة من أعباء الجهاد وتكاليف الجهاد، ومن كانت هذه حاله وإن لم يفارق الجماعة بالبدن فقد فارقها بالنية والقلب.

روى ابن سعد في الطبقات عن ابن شهاب أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أراد أن يختصي ويسيح في الأرض فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أليس لك فيّ أسوة حسنة؟” 1، وأخرج البخاري عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول: “رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا” 2، والمراد بالتبتل هنا الانقطاع عن النساء وترك النكاح 3 وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة، وبعبارة واحدة: الانقطاع عن الدنيا والإعراض عنها بالكلية والاشتغال بالله والدار الآخرة، وهذا وإن كان أصله محمودا، بل مرغوبا فيه ومطلوبا، لقوله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا 4، فإن التبتل المقصود هنا غير المذكور هناك، أما المقصود هنا فقول ابن كثير: “أي أكثر من ذكره، وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك، وما تحتاج إليه من أمور دنياك، كما قال تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ 5 أي إذا فرغت من مهامك فانصب في طاعته وعبادته، لتكون فارغ البال” 6، ومهامه صلى الله عليه وسلم بَيَّنَها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا 7، فلا يشغله صلى الله عليه وسلم الإخلاص في العبادة عن الاجتهاد في الدعوة، ولا يشغله ذكر ربه عز وجل ومصيره إليه عن ذكر أمته ومصيرها في التاريخ، بل هذه من تلك وهذا من ذاك، وتلك سنته الكاملة صلى الله عليه وسلم وتلك أسوته، فلا ينبغي للمؤمن المؤتسي بنبيه صلى الله عليه وسلم أن تتزاحم عليه الوظائف المختلفة الأنواع، فيكون توغله في بعض الأعمال شاغلا عن البعض الآخر وقاطعا له دونه 8.

 عثمان بن مظعون 9 رضي الله عنه من سادة المهاجرين، ومن أولياء الله المتقين، أسلم قبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وكان ممن هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، وكان أميرهم، وكان ممن أوذي في الله بعد رغبته عن جوار المشركين وذمتهم عند رجوعه من الحبشة بعد شيوع خبر إسلام مشركي مكة، ورغبته في جوار الله وذمته، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا؛ ثم بعد ذلك اتخذ رضي الله عنه بيتا فقعد يتعبد فيه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه، فقال: “يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانية، مرتين أو ثلاثا، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة” 10.

طالع أيضا  الهجرة النبوية في عيون الشعر | 3 | الإمام البوصيري

لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان بن مظعون تبتله، و رَدَّ عليه انعزاله عن الجماعة، وأعلن من باب خلوته أن الأسلوب الفردي الانزوائي ليس من شعار الإسلام – وهو دين الجماعة 11 –  في شيء؛ قال صلى الله عليه وسلم: “إن لكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله” 12. لكن المصادر التي بين أيدينا لا تشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج عثمان من خلوته ولا أنه عزم عليه بالخروج، ولا أن ابن مظعون خرج من تلقاء نفسه بعد سماعه كلامه صلى الله عليه وسلم، وهذا يعطينا أن المسلك الذي سلكه عثمان بن مظعون، وهو الخلوة والتحنث والتعبد، مسلك فاضل في نفسه مفضول بغيره وهو مسلك الجهاد في سبيل الله وحمل رسالة الإسلام إلى العالمين. ويؤيدنا في استخلاص هذا الاستنتاج المكانة التي كانت لعثمان بن مظعون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وثناؤه عليه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون حين مات، فأكب عليه، فرفع رأسه، فكأنهم رأوا أثر البكاء، ثم جثا الثانية، فرفع رأسه، فرأوه يبكي، ثم جثا الثالثة، فرفع رأسه وله شهيق، فعرفوا أنه يبكي، فبكى القوم، فقال: “مه، هذا من الشيطان”. ثم قال: “أستغفر الله. أبا السائب! لقد خرجت منها ولم تلبس منها بشيء” 13. وكان رضي الله عنه أول من دفن بالبقيع، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من دفنه وضع حجرا عند رأسه، وقال: “هذا قبر فرطنا”، ولما توفي ابنه إبراهيم قال صلى الله عليه وسلم: “الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون”، ولما توفيت زينب ابنته رضي الله عنها، قال: “الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون”، وكان صلى الله عليه وسلم يزوره ويدعو له 14. ورثته امرأته، فقالت 15:

يا عين جودي بدمع غير ممنــــون ** على رزية عثمان بن مظعــــــون

على امرئ كان في رضوان خالقه ** طوبى له من فقيد الشخص مدفون

طاب البقيع له سكنى وغرقـــــــده **  وأشرقت أرضه من بعد تفتيــــــن

وأورث القلب حزنا لا انقطاع لــه ** حتى الممات وما ترقى له شونــي

وروى البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت رضي الله عنهما: “أن أم العلاء – امرأة من نسائهم بايعت النبي صلى الله عليه وسلم – أخبرته أن عثمان بن مظعون طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين. قالت أم العلاء: فاشتكى عثمان عندنا، فمَرَّضْتُه حتى توفي، وجعلناه في أثوابه، فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ قالت: لا أدري، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فمن؟ قال: أما هو فقد جاءه والله اليقين، والله إني لأرجو له الخير، وما أدري والله – وأنا رسول الله – ما يفعل بي. قالت: فوالله لا أزكي أحدا بعده. قالت فأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عينا تجري، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته، فقال: ذلك عمله” 16.

طالع أيضا  الهجرة النبوية.. بأي معنى؟

لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون في التبتل والانعزال والخلوة لأنه لو أذن له لأوشك أن يتوارد على ذلك خيار الصحابة 17 رضي الله عنهم وهم الذين كانت أرواحهم تهفوا إلى الله عز وجل والدار الآخرة، وكانت أشواقهم تعطف بهم إلى الخلوة بحبيبهم ومجالسته والأنس به دون ما سواه؛ وقد أشار لذلك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين قال: “ولو أذن له لاختصينا”، كما أن عليا وأبا ذر رضي الله عنهما جاءا بدورهما يستأذنان النبي صلى الله عليه وسلم في الاختصاء والسياحة في الأرض 18، فحسم النبي صلى الله عليه وسلم مادة ذلك حين أعلن من باب خلوة ابن مظعون أن أمة حاملة رسالة لا يليق بها شعار الرهبانية، وإنما يليق بها شعار الجهاد في سبيل الله؛ فعلم الناس، سابقهم ولاحقهم، أن الإسلام الفردي الانعزالي، إسلام الزهادة والدروشة والخلوة على “خلاف المقصود من البعثة المحمدية” 19.


[1] كتاب الطبقات الكبير – ابن سعد (ج3/366).
[2] صحيح البخاري – كتاب النكاح – باب ما يكره من التبتل والخصاء (حديث رقم 5073، ص1294).
[3] النهاية في غريب الحديث والأثر – ابن الأثير (ج1/226).
[4] سورة المزمل – الآية (8).
[5] سورة الشرح – الآية (7).
[6] تفسير القرآن العظيم – ابن كثير (ج8/255).
[7] سورة الأحزاب – الآيتان (45 – 46).
[8] قال الشاطبي في كتاب المقاصد في المسألة السابعة من مقاصد وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها، والمعنونة بـ: المشقة الزائدة على المعتاد، وهي غير مانعة من التكليف ولا مقصودة منه، قال: “اعلم أن الحرج مرفوع عن المكلف لوجهين: أحدهما: الخوف من الانقطاع من الطريق، وبغض العبادة، وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه أوعقله أوماله أوحاله. والثاني: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله وولده، إلى تكاليف أخر تأتي في الطريق، فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلا عنها، وقاطعا المكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما”. الموافقات – الشاطبي (ج2/355 – 356).
[9] ينظر ترجمته في: الطبقات الكبير لابن سعد (ج3/365)، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (ج4/381)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (ج3/1053)، سير أعلام النبلاء للذهبي (ج1/153)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (ج4/1954)، معجم الصحابة للبغوي (ج4/338)، معجم الصحابة لابن قانع (ج2/258).
[10] كتاب الطبقات الكبير – ابن سعد (ج3/367).
[11] قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إنه لا إسلام إلا بجماعة”. المسند الجامع للدارمي – كتاب العلم – باب في ذهاب العلم (حديث رقم 271، ص 151).
[12] كتاب الجهاد – ابن أبي عاصم (حديث رقم 33، ج1/186).
[13] سير أعلام النبلاء – الذهبي (ج1/156).
[14] ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب – ابن عبد البر (ج3/1054).
[15] نفسه (ج3/1056).
[16] صحيح البخاري – كتاب مناقب الأنصار – باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة (حديث رقم 3929، ص 965).
[17] قال الباقلاني في الانتصار: “ولقد ظهر من حرصهم وشدة عنايتهم لحفظ القرآن ودراسته، والقيام به في آناء الليل وآخر النهار ما ورمت معه أقدامهم، واصفرت ألوانهم، وعرفت به سيماهم من أثر السجود والركوع، حتى هم خلق كثير منهم بالتبتل والرهبانية والإخلاد والاجتهاد إلى العبادة فقط، وقطع الحرث والنسل حتى أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهاهم عنه، حتى ظهر عن سعد بن مالك قوله: “لقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو رخص فيه لاختصينا””. الانتصار للقرآن – أبو بكر الباقلاني (ج1/145).
[18] ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب – ابن عبد البر (ج3/1054).
[19] قال ابن حجر في الفتح : “والحكمة في منعهم من الاختصاء إرادة تكثير النسل ليستمر جهاد الكفار، وإلا لو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه فينقطع النسل فيقل المسلمون بانقطاعه ويكثر الكفار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية”. فتح الباري بشرح صحيح البخاري – ابن حجر العسقلاني (ج11/338)