لم يكن حدث الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة حدثا منفصلا معزولا عن مجموع الأحداث والمعاني الإيمانية التي سبقته وقعَّدت له ونظمته في سياق عبادي معرفي عملي، إذ ليس فعل الهجرة الحسي المتمثل في الانتقال من مكان إلى مكان إلا وجها واحدا من أوجه الهجرة الشاملة والعميقة والمركبة، وعنصرا من عناصر نجاح الدعوة الدائمة التي تتداخل فيها جملة من الأعمال الحسية والمعنوية، التربوية والتنظيمية والتدبيرية.

الصُّحبة “جماعُ الدِّين كلِّه”
في فضل الصحبة والجماعة قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في سياق حديثه عن واجب (المعاشرة والمعاونة والصُّحبة): “فالواجب عليه (أي العبد) فيها أن يكون اجتماعه بهم (بالخلق) وصحبته لهم تعاونا على مرضاة الله وطاعته التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له إلا بها، وهي البر والتقوى اللذان هما جِماع الدين كلِّه”، ولا يقوم ذلك إلا بـ: ”محض النصيحة والإحسان ورعاية الأمر…وهذا معنى قول الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: “كُن مع الحق بلا خَلق، ومع الخَلق بلا نفْس، ومن لم يكن كذلك لم يزل في تخبيط، ولم يزل أمره فُرطا”.

فإن شئتَ وصْلَ القوم فاسلُك سبيلهم ** فقد وضَحَتْ للسالكين عِيانا

لِمَ كانت الصحبة جماع الدِّين كله حسب تعبير ابن القيم؟ 

إذا كان فعل الهجرة فعلا مستمرا في الأمة مستأنفا عبر الأجيال فهو يطلب من الشروط ما به يحدث التغيير والتحول والانتقال، والواحد عاجز بنفسه في الغالب ما لم يستعن بغيره ممن لهم سابقة وحظ وإمكان، يقول ابن القيم في نفس الكتاب: “فإن العبد وحده لا يستقل بعلم ذلك ولا بالقدرة عليه، فاقتضت حكمة الرب سبحانه أن جعل النوع الإنساني قائما بعضه ببعضه، مُعينا بعضه لبعضه”، والقيام الجماعي (بعضه ببعض) انسجام عاطفي نفسي وتراص وجداني روحي قبل أن يكون حركة تنظيمية عقلانية في الواقع ومعها، والتعاون عمل جماعي متماسك ومصابرة ومرابطة ومناجزة.

طالع أيضا  درس الهجرة وبناء الإرادة الإسلامية (3)

الهجرة هجرتان: هجرة جسدية جغرافية، وتكون من بلد إلى بلد آخر “وليس المراد الكلام فيها”، وهجرة قلبية معنوية تتم في القلب، “وهذه هي المقصودة هنا، وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها (وهي) فرض عين على كل أحد في كل وقت، وإنه لا انفكاك لأحد عن وجوبها، وهي مطلوب الله ومراده من العباد” .

(..)

تتمة المقال على موقع ياسين.نت.