إن المشاركة في الشؤون العامة للجماعة شرط للدخول في ولاية المؤمنين، فمن شرط الولاية الهجرة والجهاد، ومن مقتضياتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لكل مسلم، قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 1، فلا ينبغي للمسلم أن ينعزل عن الشأن العام، وليس لأحد أن يعزله عنه. فالهجرة انحياز للجماعة، ومشاركة فاعلة في حمل أعبائها، وانخراط كامل في شؤونها، وموقف مسؤول من همومها وقضاياها. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن التعرب بعد الهجرة، كما نهى عن الرهبانية والعزلة.

أخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “المرتد أعرابيا بعد الهجرة ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة” 2، وأخرج الطبراني في المعجم الكبير عن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: “اجتنبوا الكبائر السبع” فسكت الناس فلم يتكلم أحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا تسألوني عنهن؟ الشرك بالله، وقتل النفس، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، والتعرب بعد الهجرة” 3؛ قال ابن الأثير في النهاية: “التعرب بعد الهجرة هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد” 4.

وليس المقصود من التعرب بعد الهجرة مفارقة المدينة وسكنى البادية لكن المقصود مفارقة الجماعة والرجوع عن الدين، فعن علي بن موسى الرضا عليه السلام، أنه قال: “حرم الله عز وجل التعرب بعد الهجرة للرجوع عن الدين وترك المؤازرة للأنبياء والحجج عليهم السلام وما في ذلك من الفساد وإبطال حق كل ذي حق لا لعلة سكنى البدو” 5؛ وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع رضي الله عنه في سكنى البادية، فقد دخل رضي الله عنه يوما على الحجاج فقال: يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك، تعربت؟ قال: “لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو”؛ وعن يزيد بن أبي عبيد قال: “لما قتل عثمان بن عفان خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة وتزوج هناك امرأة وولدت له أولادا، فلم يزل بها قبل أن يموت بليال، نزل المدينة” 6. وقد أذن صلى الله عليه وسلم لسلمة وقومه في البدو وأقرهم على وصف الهجرة، قال صلى الله عليه وسلم: “ابدوا يا أسلم”، قالوا: “إنا نخاف أن يقدح ذلك في هجرتنا”، قال: “أنتم مهاجرون حيث كنتم” 7، فدل ذلك على أن استمرار وصف الهجرة لا يتعلق بدوام الإقامة في المدينة بل بدوام الإقامة في معنى الهجرة وحالها، فلا يغني تبوء الدار شيئا ما لم يصاحبه تبوء الإيمان.

طالع أيضا  منظمة العفو الدولية تطالب بتحقيق مستقل حول مقتل "حياة"

لقد كان تبوء الدار وتبوء الإيمان أمران متحدان قبل فتح مكة، فكان الخروج من المدينة علامة على الاستقالة من حمل أعباء الجماعة وقد تكالبت عليها الأحزاب للقضاء على دولة الإسلام ودعوة الإسلام، إذ لم تكن ساعتها بقعة على الأرض تدين لله بالإسلام وتعيش وفق شرائعه وسننه وتكافح وتجاهد من أجله سوى المدينة، فلا غرابة أن يكون الانتقال إلى المدينة علامة الدخول في ولاية المومنين الخاصة، وهي حق المواطنة بمعنى ما من معانيها المعاصرة؛ وقد كان مما يوصي به النبي صلى الله عليه وسلم أميره على الجيش إن أجابه القوم الذين يغزوهم إلى الإسلام أن يدعوهم “إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المومنين 8 ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين” 9، فجعل صلى الله عليه وسلم الخروج من وصف الأعرابية والدخول في الولاية الإيمانية مشروطا بالهجرة والجهاد، وعدّ ترك الجهاد والخروج من المدينة ردة عن الهجرة؛ وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم لأصحابه: “اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة” 10، وسعد بن خول 11 رضي الله عنه من السابقين الأولين، هاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا والمشاهد بعدها لكنه توفي رضي الله عنه بمكة في السنة السابعة 12 للهجرة، خرج إليها في بعض شأنه فتوفي بها فرثي له النبي صلى الله عليه وسلم لذلك.

وبعد فتح مكة سئل النبي صلى الله عليه وسلم هل انقطعت الهجرة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها” 13، وبين صلى الله عليه وسلم معنى الهجرة التي لم تنقطع، فقال يوم فتح مكة: “لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا” 14، وعن مجاشع ابن مسعود السلمي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أبايعه على الهجرة، فقال: “إن الهجرة مضت لأهلها، ولكن على الإسلام والجهاد والخير” 15؛ لقد مضت الهجرة لأهلها بعد فتح مكة، وبقي الإسلام والجهاد والخير، ولم يعد الارتداد عن الهجرة الخروج من المدينة ولكنه الخروج عن الجهاد ونية الجهاد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق” 16، ومن حدث نفسه بالغزو كتب مع الغازين وإن تعذر عليه الكون معهم، فـ“إذا صدقت النيات من العباد، وحال دون القيام بالعمل المراد الحوائل، فإن صاحب النية يعد في عداد العاملين” 17؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في غزوة تبوك: “إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر” 18، “لأن قلوبهم في صدق إرادة الخير، وبذل المال والنفس، والرغبة في طلب الشهادة وإعلاء كلمة الله تعالى كقلوب الخارجين في الجهاد، وإنما فارقوهم بالأبدان لعوائق تخص الأسباب الخارجة عن القلب، وذلك غير مطلوب إلا لتأكيد هذه الصفات” 19.

طالع أيضا  مواطنون قتلهم الفقر في المغرب.. اغتيال "حياة" قتل للإنسان

– يتبع –


[1] سورة التوبة – الآية (71).
[2] وأورد الحديث بلفظ آخر: “آكل الربا، وموكله، وشاهداه، وكاتبه إذا علموا، والواشمة والمؤتشمة، والمستوشمة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة”. مسند الإمام أحمد – مسند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (حديث رقم 4428، ج7/430 – 431).
[3] المعجم الكبير للطبراني (حديث رقم 5636، ج6/103).
[4] النهاية في غريب الحديث والأثر – ابن الأثير (ج6/2697).
[5] من لا يحضره الفقيه – ابن بابويه القمي (ج3/377).
[6] صحيح البخاري – كتاب الفتن – باب التعرب في الفتنة (حديث رقم 7087، ص 1754).
[7] فتح الباري بشرح صحيح البخاري – ابن حجر العسقلاني (ج6/494).
[8] أي أنهم يدخلون في الولاية العامة للمسلمين دون الولاية الخاصة.
[9] صحيح مسلم – كتاب الجهاد والسير – باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها (حديث رقم 1731، ج2/828).
[10] صحيح البخاري – كتاب الجنائز – باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة (حديث رقم 1295، ص 313).
[11] ةينظر ترجمته في: الاستيعاب في معرفة الأصحاب – ابن عبد البر (ترجمة رقم 928، ج2/586 – 588).
[12] ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب الخلاف في سنة وفاة سعد بن خولة رضي الله عنه، فذكر الطبري أنه توفي سنة سبع للهجرة وذكر غيره أنه توفي في حجة الوداع وهو ما صححه ابن عبد البر، لكني أستبعد أن يرثي النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن خولة أن توفي في حجة الوداع والحج باب من أبواب الجهاد!
[13] سنن أبي داوود – كتاب الجهاد – باب في الهجرة هل انقطعت؟ (حديث رقم 2479، ج4/136).
[14] صحيح مسلم – كتاب الإمارة – باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير، وبيان معنى “لا هجرة بعد الفتح” (حديث رقم 1353، ج2/903).
[15] نفسه (حديث رقم 1863، ج2/902).
[16] صحيح مسلم – كتاب الإمارة – باب ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو (حديث رقم 1910، ج2/921).
[17] مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين – عمر سليمان الأشقر (86).
[18] صحيح البخاري – كتاب الجهاد والسير- باب من حبسه العذر عن الغزو (حديث رقم 2839، ص702).
[19] إحياء علوم الدين – أبو حامد الغزالي (ج9/30).