فجأة صارت مدرجات ملاعب كرة القدم المعروفة بالتعصب لفرقها، والتي لطالما نسب إليها إثارة الشغب والعنف، مصدراً لأكثر الأغنيات الاحتجاجية حماساً واتقاداً، والملهبة لآلاف بل ملايين المعجبين والمتابعين، ولا تلبث هذه الأهازيج طويلا حتى تخرج من مدرجات الملاعب لتملأ مواقع التواصل الاجتماعي، ويرددها الكبار والصغار في الأحياء والأزقة.

اللافت أن هاته الشعارات الجديدة من نوعها، تجاوزت الهموم الرياضية ومعاناة فرق التشجيع مع السلطات التي عمرت لسنوات، لتنتقل إلى خطاب اجتماعي سياسي صريح، يستنكر واقع المعاناة الحياتية اليومية، ويلخص المطالب الاجتماعية الأكثر حرقة بالنسبة للمغاربة، ويتهم المسؤولين ويطالبهم بإيجاد حل للشباب عوض تركهم لمصيرهم المجهول.

فرق المشجعين أو الألتراس كما يحبون تسمية أنفسهم، ليست أحزابا سياسية أو جمعيات مدنية، بل هي عبارة عن تجمعات لشباب متعلقين بفرقهم الكروية، ومعروفين بانتمائهم وولائهم الشديد لها، هدفهم التشجيع والمؤازرة المتواصلة التي لا تبالي بفوز أو خسارة.

عرض محمد جمال بشير في مؤلفه “كتاب الألتراس” الصادر سنة 2011 تاريخهم، وحاول تفسير طبيعة كيانهم وأهدافهم، إذ تعود أصول كلمة الألتراس للاتينية (Ultras) وتعني المتطرفين في الحب. أُنشئت أول فرقة أولتراس عام 1940 بالبرازيل، ثم انتقلت الظاهرة فيما بعد إلى أوروبا، ومن ثم إلى العالم بأسره. وتميل هذه المجموعات إلى استخدام الألعاب النارية، وأيضًا القيام بالغناء وترديد الهتافات الحماسية لدعم فرقهم.

“ولد الشعب يغني” آخر الأهازيج التي أطلقتها المجموعة المساندة لفريق اتحاد طنجة ماي 2019، وحازت عشرات الآلاف من المشاهدات والتعليقات والمشاركة والإعجاب في ظرف وجيز، لتنضاف إلى سلسلة الشعارات التي أطلقتها مجموعات الألتراس المنتقدة للأوضاع السيئة، حيث تطرقت للعديد من المشاكل والقضايا المتعلقة بالمواطنين، خاصة قضية الهجرة السرية:

ولد الشعب يغني على الناس المقهورة.. كلام الكورفا يمعني.. أبار هاد الكورة..

(ابن الشعب يغني عن الناس المقهورة، من مقاعد الجماهير نبعث الرسائل خارج موضوع كرة القدم)

بوركي يا هاد البلاد.. هجرو منك الولاد.. اللي وصلو واللي مات.. هاد العيشة نيكرة.. هي سباب الهجرة.. مبروك البلاد خوات

(لماذا يا بلادنا هجرك أبناؤك؟ من وصلوا منهم ومن ماتوا، هذه العيشة السوداء هي سبب الهجرة، مبروك البلاد أصبحت خالية)

لا صحة لا تعليم.. غير الرشوة والفساد.. صابرين وربي كريم واكلين حق العباد

بيردونا يا يما والله ماشي بخاطري.. لا خدمة لا ردمة وبغاوني نكون عسكري

طالع أيضا  د. بنمسعود: الدولة فشلت في ترسيخ ديمقراطية حقيقية بعيدة عن المقاربات السلطوية

(عذرا يا أمي.. والله ليس عن إرادتي، لا يوجد عمل ولا شغل، ويريدون أن أكون عسكريا (التجنيد الإجباري))

خربقتونا العقول.. لادروك ماين دخلات.. دخلت من الديوانة.. والشعب على جوانة طلعتوه للحباسات

(لوثتم عقولنا، المخدرات من أين دخلت؟ دخلت من إدارة الجمارك، والشعب تعتقلونه بسبب سيجارة)

والحال يبقى فيا.. ملي نشوف والدي..كانو طامعين فيا.. وقريت صرفو عليا.. شهادة ها هي.. والخدمة فاينا

(وأتألم حينما أرى والداي، الذين كانوا يطمعون في مستقبلي، درست وأنفقوا علي، حصلت على الشهادة وأين العمل؟)

محمد بن مسعود الإطار التربوي الجامعي والمناضل النقابي أعاد نشر شعار “ولد الشعب يغني”، وعلق قائلا: “أمست ملاعب البلد منصات تعتليها الشبيبة المغربية لتعبر بعنفوانها القوي عن غضبها العارم تجاه السياسات العمومية في المغرب. سياسات لا تنتج إلا الفقر والبطالة والأمية والتشريد والتفاوت الطبقي وانتشار المخدرات والجريمة والفساد”. وأضاف في تدوينته على حسابه بالفايسبوك: “تتنافس الألتراس في إبداع أغنيات معبرة، تحمل رسائل قوية لمن يهمهم الأمر. خلاصتها: أن الشعب “يتألم”، وأن الشباب مظلوم ومقهور في بلده، وأن السيل بلغ الزبى! وأن آماله لم تنقطع في بناء غد أفضل رغم سواد الواقع الدافع نحو المخدرات والهجرة السرية دفعا”.

أما الأغنية ذات الصيت الأكبر “فبلادي ظلموني”، وهي شعار أحد مجموعات الألتراس المساندة لجمهور فريق الرجاء البيضاوي لكرة القدم، والذي أُطلق سنة 2017، وبعد أن تمت إعادة تلحينه ورفعه في المدرجات نوفمبر 2018 سرى كالنار في الهشيم، وانتشر حتى صار الجميع يتغنى به ويمتدح معانيه وكلماته، ونسجت على ألحانه الكثير من الأغاني الثورية بتونس وفلسطين ولبنان، وتناولته العديد من المنابر الإعلامية العربية والدولية، بسبب حمولته الاحتجاجية التي تنقل معاناة شرائح واسعة من الشباب المغربي.

لمن نشكي حالي.. الشكوى للرب العالي.. غير هو اللي داري

(لمن أشكي حالي، الشكوى للرب العالي، هو الوحيد الذي يعلم)

فهاد البلاد عايشين فغمامة.. طالبين السلامة.. نصرنا يا مولانا

( في هذه البلاد نعيش في غمامة، نطلبُ السلامة، انصرنا يا مولانا)

صرفو علينا حشيش كتامة.. خلاونا كي اليتامى.. نتحاسبو فالقيامة

( يُوزّعون لنا حشيش كتامة (منطقة معروفة بزراعة الحشيش بالمغرب)، تركونا مثل اليتامى، سنتحاسب يوم القيامة)

طالع أيضا  تعليق على خطاب يوليوز 2019

مواهب ضيعتوها.. بالدوخة هرستوها.. كيف بغيتو تشوفوها

( مواهب أضعتموها، بالمخدرات كسرتموها، كيف تريدون رؤيتها؟  )

فلوس البلاد گع كليتوها.. للبرّاني عطيتوها.. Génération قمعتوها

( أموال البلد كلها سرقتموها، للأجانب سلّمتموها، جيل كامل تمّ قمعه)

عبد الصمد ناصر، الصحافي ومقدم الأخبار بقناة الجزيرة، قال بعد أن أعاد نشر شعار “فبلادي ظلموني”: “إن الملاعب في المغرب لها وظيفة أخرى، فهي لم تعد مجرد فضاء رياضي للفرجة والتشجيع والمنافسة، بل تحولت إلى (ترمومتر) لقياس نبض الشعب”. وزاد ناصر في تدوينته على موقع تويتر: “في الملاعب المغربية تصدح حناجر المقهورين لتبعث رسائل معبّرة ومباشرة وواضحة للسلطات، وبصوت تقشعر له الأبدان، عن ألم وغضب شديدين مما آلت إليه أحوال الوطن”.

ولم ينتظر جمهور الوداد البيضاوي، الأكثر منافسة لجمهور الرجاء البيضاوي، كثيراً، حتى أطلق شعاراً جميلا أيضا بعنوان: “قلب حزين” شهر أبريل 2019، فيما يشبه تنافساً وسط مشجعي الفرق الرياضية، لإظهار أفضلية روابطهم في التشجيع الرياضي، وفي حبك الشعارات التي تعكس واقعهم الأليم:

يا قلب حزين.. يبكي على سنين اللي ضاعت منّي.. مستقبل فين؟.. لعمر يزيد.. لـ pauvré راهو يعاني

(يا قلب حزين، يبكي على سنين ضاعت منّي، أين المستقبل؟ العمر يزيد، والفقير يُعاني)

حتى أنا اجتهدت وقريت.. بغيت نخدم ما لقيت.. بلادي ما عطاتنيش.. تعطي للبرّاني

(حتى أنا اجتهدت وتابعت دراستي، وأردت أن أعمل ولم أجد، بلادي لم تنصفني، منحت للأجانب فقط)

وفي أقوى مقاطع شعار جمهور فريق الوداد البيضاوي قالوا:

مرانيش à l’aise.. في بلاد الشفارة.. متحلموش بالـparadis .. نتلاقاو عند مولانا

(أنا لست مرتاحا، في بلاد اللصوص، لا تحلموا بالجنّة، سنلتقي عند الخالق سبحانه)

ربّي عطانا قدر.. ورزقنا بجوج بحور.. كلشي كيتصدّر.. والشعب عايش مقهور

(ربّي أعطانا قدر، ورزقنا بواجهتين بحريتين،كل شيء يتم تصديره، والشعب يعيش مقهورا)

نسكت ولاّ نهدر.. شي عايش فشبر شي فالقصور.. البلاد زادت فسدات، أوفيق يا المسؤول

(هل أسكت أم أتكلم؟ هناك من يعيش في متر، وهناك من يعيش في قصور! البلاد ازدادت فساداً، أفق أيها المسؤول!)

la jeunesse كاع حركات.. من البلاد راها هربات.. شي قطع البحر وشي مات

(الشباب كلّه هاجر بطريقة غير نظامية، من البلد فرّ، هناك من وصل للضفة الأخرى، وهناك من مات)

طالع أيضا  ذ. فتحي: الخاسر الأكبر من حصيلة عقدين من حكم "العهد الجديد" هو الشعب والوطن

التضليل في الإعلام.. تبينوا غير التفاهات.. كتبوا على المسكين اللي ما لاقي فين يبات، دويو على حقوقو شوفوها فين مشات

(التضليل في الإعلام، الذي يُظهر التفاهات فقط، اكتبوا على المواطن المسكين الذي لا يجد أين يبيت، تكلموا عن حقوقه أين ذهبت)

تناسل هذه الشعارات أفرز تباينا في الآراء تجاه هذا الحضور المتزايد للبعد الاجتماعي والسياسي داخل الملاعب الرياضية، بين مشجع لهؤلاء الشباب الذين كانوا يطمحون لمستقبل أفضل، وفاجأهم الواقع المستعصي، فبثوا شكواهم في هاته الشعارات والأهازيج. وبين متخوف من دخول اليافعين والمراهقين غمار ميدان متوتر بتهور سيزيد التحديات الأمنية، خاصة وأن هذه المجموعات تحرك الآلاف منهم، وعادة ما ارتبطت تحركاتهم بحدوث أنواع من الفوضى والتخريب، وهو ما يجعل السلطة تتابع هذه التطوارت بكثير من التوجس.

حيث يرى زكرياء أكضيض الباحث في علم الاجتماع في تصريحه لموقع “الجماعة.نت” أن هذه الدينامية التي تعرفها مجموعات تشجيع الفرق: “لا يمكن فهمها دون استدعاء وضعية الشباب في المجتمع المغربي الذي أصبحت تربطه علاقة متوترة مع مختلف الوسطاء التقليديين الذين كانوا يشرفون على تأطير الفعل الشبابي، سواء كانوا أحزابا أو جمعيات أو هيئات أخرى”، هذا التوتر نتج عنه بحسب أكضيض: “ملء مجموعات التشجيع (ultras) للفراغات الاجتماعية التي تركها الوسطاء، واتساع قاعدة مناصريهم في صفوف الشباب، واستدماج الخطاب الرياضي لحمولة سياسية، امتصت شحنة التوتر التي يحملها الوعي الشبابي تجاه سلطة الدولة.. وفي هذا دلالة واضحة على بروز شكل من أشكال المقاومة المدنية في المجتمع المغربي، وهي عبارة عن فعل جماعي مقصود، يختفي خلف التشجيع الرياضي”.

إذا أضيفت هاته الأهازيج التي تصوغها هاته المجموعات الرياضية إلى التطورات التي تعرفها الساحة الاحتجاجية المغربية بعد لحظة 20 فبراير، من حراكات فئوية ضخمة كحراك الطلبة الأطباء والأساتذة المتدربين والمتعاقدين.. والحركات المجالية الاجتماعية كحراك الريف وجرادة وزاكورة.. ومختلف التعبيرات المجتمعية الجديدة كحركة المقاطعة الشهيرة للسلع والمنتجات، وتدبيج “فرقة عونيات” بمدينة مراكش لأغنية سياسية بمطالب اجتماعية خرجت عن نمط الغناء والاهتمام المعتاد لمثل هذه الفئة، فهذا يؤكد أن هناك تطورا قوياً يحدث داخل المجتمع المغربي، وأن تجلياته العديدة والمتنوعة تؤكد أن رهانات الحفاظ على مجتمع خانع ومستسلم للأوضاع السياسية والاقتصادية الحالية لن يعمر طويلاً.