من كتاب التذكرة في الوعظ لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله

من مختارات الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

الحمد لله ما سبحت بحمده ألسنة الذاكرين، وسبحان الله ما أشرقت أنوار ذكره في وجوه العابدين، وما امتدت إلى عطائه أكف السائلين.

سبحان الله ما حنت إلى لقائه قلوب العارفين، سبحان الله إله الأولين والآخرين، ورب الخلائق أجمعين. أنزل إلينا كتابا أوضح به منازل السالكين، وأيقظ به عقول الغافلين. نزل به الروح الأمين على قلب سيدنا محمد سيد المرسلين، صلى الله عليه وسلم صلاة وسلاما دائمين باقيين أبد الآبدين ودهر الداهرين.

سبحان من أذن لأوليائه في مناجاته إذا أرخى ستور الليل البهيم، سبحان من فتح أقفال القلوب بمفاتيح الذكر الحكيم، سبحان من منع رحيق فضله أن يشربه إلا كل ذو حظ عظيم، سبحان من أجزل نصيب أوليائه من خالصة الود القديم، فلو شهدت أيها المحروم نفاسة ما وصلوا إليه لزهقت نفسك حسرة عليه، لكن جهلت فما وصلت، وكل من جهل التواصل لا يحن إليه.

سهر العابدون في إحراز رغائب العبادة وأنت راقد، ونهض العارفون إلى تشييد معاقل السعادة وأنت قاعد، وذاب المشتاقون من توقد حرارة الصَّبابة وأنت جامد، فلا إلى ما وصلوا إليه أنت واصل، ولا على ما وفدوا عليه أنت وافد.

ما الذي فاتك يا محروم من نيل مُنَاكَ؟ أمَتَّ قلبا كان حيا، أحسن الله عزاك! فإنك إن ساعدك الدمع، وإلا فتباك. إنما يحصد الزرع من بذر البذور، فما أنت حاصد؟ وإنما يزَوَّجُ الحور من نقد المهور، فما أنت ناقد؟ كل امرئ على ما قدم فاقد، وفيما شَيَّد خالد، فما الذي قدمت لنفسك؟ يا جاهلا في صورة عاقل! وغائبا في مظهر شاهد!

طالع أيضا  العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة

أسفي وما أسفي عليك لأنني ** ضيعت من أمري ولا تضييعكْ

وقعدت مثلك عن عبادة خالقي ** من غفلتي وصنعت مثل صنيعكْ

أنا فديتك دما لتفريطي فَنُحْ ** يا صاح وابك دما على تفريطكْ

واعلم بأن بكاك لا يغني إذا ** لم تستمسك بالطوع أمر مليككْ

كل شهر في غير خدمة الله باطل، فنافسوا في اقتناء ما يبقى ولا يزول، وفرغوا قلوبكم من فضول أشغال الدنيا وكلها فضول.

كيف يثق بالحياة الدنيا مَنِ الـمَنِيّةُ رابضة إلى جنبه؟ كيف يرجو راحة الدنيا من لا راحة له دون لقاء ربه؟ والله لو كانت الدنيا صافية المشارب من كل شائب، ميسرة المطالب لكل طالب، باقية علينا لا يسلبها منا سالب؛ لكان الزهد فيها هو الفرض الواجب؛ لأنها تشغل عن الله، والنعم إذا شغلت عن المنعم كانت من المصائب.