لم يكن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على سلامة الإرادة بأقل من حرصه على سلامة الفهم، ولذلك قام صلى الله عليه وسلم خطيبا في الناس، عند أهم حدث في تاريخ الإسلام: الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة 1، قائلا: “من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه” 2، فصلاح العمل في الظاهر لا يشفع لصاحبه عند الله عز وجل لأنه سبحانه لا يقبل العمل المشترك ولا القلب المشترك، فهو، سبحانه، أغنى الشركاء عن الشرك، فمن أشرك معه في العمل غيره رد عليه عمله ولا يبالي.

إن فساد القصد والإرادة يحبط عمل الإنسان فلا ينفعه عند الله عز وجل في الدار الآخرة لأن الله سبحانه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا. وهو أيضا يخرب تماسك الجماعة لأن اختلاف المقاصد والإرادات هو الفرقة حقيقة وإن اجتمعت الأجساد وتوحدت الأعمال في الظاهر، كما قال سبحانه: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ  ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ 3، أي تحسبهم مجتمعين على أمر ورأي، وقلوبهم متفرقة 4. فأول ما يفرق الجماعة اختلاف القلوب، أي اختلاف القصود والإرادات؛ قال قيس بن الملوح 5:

إلى الله أشكو نية شقت العصا ** هي اليوم شتى وهي أمس جُمَّعُ

لقد ربط الشارع صحة الأعمال بصحة النيات، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم لذلك قاعدة عامة بقوله في مطلع الحديث السالف الذكر: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى” 6، فينبغي على المكلف أن يسعى ليطابق قصده في الأعمال قصد الشارع منها، فـ“من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل” 7.

 لقد أبطل النبي صلى الله عليه وسلم هجرة من هاجر طلبا لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها لأنه ناقض مقاصد الهجرة وابتغى في هجرته غير ما شرعت له، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “من هاجر يبتغي شيئا فهو له، قال: هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس، وكان يسمى مهاجر أم قيس” 8؛ وفي تسميته بالمرأة التي هاجر إليها تنبيه للجماعة على الإرادة المزيفة والنية المغشوشة التي تريد أن تخترق صف الجماعة المهاجرة لله ورسوله وتوهن إرادتها. ثم هو بعد ذلك ليس له من هجرته إلا ما ابتغاه فيها! وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “يا أيها الناس هاجروا ولا تَهَجَّروا” 9، أي أخلصوا الهجرة لله ولا تشبهوا بالمهاجرين على غير صحة منكم 10.

طالع أيضا  رجال الهجرة النبوية

إن من أهم مقاصد الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة مقصد بناء مجتمع العمران الأخوي القائم على أساس الولاية الإيمانية، وقيم التكافل والتضامن، ومبادئ التوحيد والحرية والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية. إنها لم تكن مجرد هجرة من مكان إلى مكان، بل كانت هجرة من نظام للقيم إلى نظام آخر، وذلك ما يفسر المعاني الكبيرة والغنية لمفهوم الهجرة في القرآن والسنة، “إن درجة المعنى لهذه الكلمة بلغت الأوج، حيث ارتفعت عن مستوى الأرض: الهجرة من نقطة إلى نقطة أخرى، وارتقت إلى مستوى الروح الرفيع، وسماء المعنويات الأخلاقية والثورات الفكرية والروحية” 11.

بالهجرة النبوية إلى المدينة المنورة بدأ استكمال بناء الجماعة المسلمة دعوة ودولة، فالإسلام وحده – بما هو الرسالة الخاتمة – هو الذي شاء الله عز وجل أن تبدأ حركته دعوة تمخض عنها تأسيس دولة، فلم يرث الإسلام دولة قائمة تضطره إلى أن يتقاسم معها السلطان فتكون له السلطة الدينية وتكون لها السلطة الزمنية كما كان شأن النصرانية، ولا كان في حاجة لسلطان خارج عن سلطانه، وذلك استجابة لدعوة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم التي ألهمه الله الدعاء بها، كما جاء في قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا 12، فـ“الإسلام دين معضد بالدولة، وإن دولته في ضمنه، لأن امتزاج الدين بالدولة وكون مرجعهما واحدا هو ملاك قوام الدين و دوامه، ومنتهى سعادة البشر في اتباعه حتى لا يحتاج الدين – الذي هو مصلح البشر – في تأييده إلى الوقوف بأبواب غير بابه” 13.

لقد كانت الهجرة – وهي وجه من وجوه الجهاد – شرط الدخول في ولاية المؤمنين؛ قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا  وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 14؛ فالله سبحانه وتعالى جعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من سواهم، فمن آمن ولم يهاجر أعرابي يعيش في أطراف الجماعة لا يستحق الدخول في ولايتها إلا بالهجرة والجهاد، فحقوقه عضوا كامل العضوية في الجماعة يقابلها واجب حمل أعباء الجماعة وتحمل مسؤولياته الكاملة تجاهها؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: “ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم توفي على أربع منازل؛ مؤمن مهاجر، والأنصار، وأعرابي لم يهاجر، إن استنصره النبي نصره، وإن تركه فهو إذنه، وإن استنصر النبي صلى الله عليه وسلم في الدين كان حقا عليه أن ينصره، فذلك قوله: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ، والرابعة التابعون بإحسان” 15.

طالع أيضا  معان سنية من الهجرة النبوية

ولا تكون نصرة من لم يهاجر سببا في إرباك السياسة الخارجية للدولة المسلمة، ولا في نقض العهود والمواثيق التي تلتزم بها تجاه الأقوام الأخرى، فقد استثنى الله من نصرتهم الواجبة أن تكون على قوم بينهم وبين جماعة المسلمين عهد وميثاق، فـ“المسلمون الذين أسلموا ولم يهاجروا من دار الشرك لا يتحمل المسلمون تبعاتهم، ولا يدخلون فيما جروه لأنفسهم من عداوات وإحن لأنهم لم يصدروا عن رأي جماعة المسلمين” 16. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 17: “أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءى ناراهما” 18؛ وفي الحديث حث على الهجرة والنزول بين المسلمين 19.

في مدينة رسول الله أذهب الله عن المهاجرين والأنصار عبية 20 الجاهلية وفخرها بالآباء، وطرحوا عن كواهلهم إصر العصبيات القبلية، وطهروا قلوبهم من الحمية الجاهلية، ونفوا عن أنفسهم الإحن والعداوات القديمة؛ وتكشفت المدينة عن أسلوب جديد في التنظيم والاجتماع البشري مبني على قاعدة الأخوة الإيمانية التي أرساها قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌسورة الحجرات – جزء من الآية (10).، وعلى التضامن والتكافل والتعاون على البر والتقوى، في أفق إنساني رسم معالمه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ 21.

– يتبع –


[1] قال ابن بطال: “وقال جماعة من العلماء: إن هذا الحديث ثلث الإسلام، وبه خطب النبي صلى الله عليه وسلم حين وصل إلى دار الهجرة وشهر الإسلام”. شرح صحيح البخاري – ابن بطال (ج1/32).
[2] صحيح البخاري – كتاب الإيمان – باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة (حديث رقم 54، ص 24).
[3] سورة الحشر – جزء من الآية (14).
[4] ينظر: الجامع لأحكام القرآن – القرطبي (ج20/378).
[5] ديوان قيس بن الملوح – رواية أبي بكر الوالبي (86).
[6] صحيح البخاري – كتاب بدء الوحي – باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (حديث رقم 1، ص 7).
[7] الموافقات – الشاطبي (ج2/495).
[8] المعجم الكبير للطبراني – باب خطبة ابن مسعود ومن كلامه (حديث رقم 8540، ج9/106).
[9] المعجم الكبير للطبراني – صفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (حديث رقم51 ، ج1/65).
[10] النهاية في غريب الحديث والأثر – ابن الأثير (ج10/4534).
[11] محمد خاتم النبيئين: من الهجرة حتى الوفاة – علي شريعتي (44).
[12] سورة الإسراء – الآية (80).
[13] نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم – محمد الطاهر بن عاشور (32).
[14] سورة الأنفال – الآية (72).
[15] جامع البيان عن تأويل آي القرآن – الطبري (ج11/295).
[16] التحرير والتنوير – ابن عاشور (ج10/87).
[17] سبب ورود هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم جعلهم بمنزلة من هلك بفعل نفسه وفعل غيره فسقط حصة جنايته، وجنايتهم أنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين أظهر الكافرين.
[18] سنن الترمذي – كتاب السير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين (حديث رقم 1604، ص 338).
[19] ينظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي – المباركفوري (ج5/229).
[20] العبية: بضم العين وكسرها، وتشديد الموحدة والتحتية: الكبر والفخر والنخوة. ذكره الزبيدي في تاج العروس (ج3/303).
[21] سورة الحجرات – الآية (13).