علاقات الناس بعضِهم مع بعض، وعلاقاتهم بالحاكم في بلاد الحضارة المادية المصنعة الغربية علاقات قانونية محضة. انمحت فيها أو كادت كل عاطفة إنسانية. حتى الأمهات والآباء لا يجدون من البنات والأبناء الرعايةَ التي تُعْتَبَرُ في بلاد المستضعفين، لا سيما في بلاد المسلمين، حقا مقدسا. الأسرة مفككة، ولا يكادُ البنونَ والبناتُ يبلغون سن الثامنة عشرة حتى يُدفعوا خارج الأسرة أو يندفعوا. فتنفصم عرى الرحِمِ كما انفصمت عُرَى الزوجية. ويبلغ الآباءُ والأمهاتُ سن الكِبَر فتُؤويهم دارُ العجزة، الجرداء من العطف والحنان، أحوجَ ما يكون الناس إلى العطف والحنان. ومن المألوف في تلك المجتمعات القانونية أن يرفع الوالدان قضية ضد أبنائهما ليتقاضيا النفقة. في مجتمعاتنا أيضا دخل الانحلال علاقات المسلمين بعضِهم مع بعض، لكن لا تزال هنالك مُسْكَةٌ من الرحمة، خاصة في الأوساط الشعبية التي لم تُبْتَلَ بالعَدْوَى الجاهلية من قريب.

وبما أن حقوق الناس موكولة للقانون والمحاكم لا إلى الضمائر الإنسانية، فإن الحقوقَ في بلاد الغرب تباع لمن يدفع أجرَ المحامي الأحذق، الأقدر على الاحتيال على القانون. وفي بلاد الاشتراكيات حقوق صورية ومحاكمات صورية تعطي حرمة صورية لقبضة الحزب الحاكم والطبقة المستبدة.

من داخل تلك الأسوار يبلُغُنا حنينُ الإنسان المعذَّبِ ببهيميته وعلاقاته الجافة، وحقوقه القانونية الآلية المتوفرة لمن يدفع ومن يحكم. هذا صاحبُنَا رجاء جارودي يبسط لقارئه أرجاء الأخوة الإسلامية كما يتصورها ويشتاق إليها. نقرأ ما وراء البسط من شكوى لما عاناه الفيلسوف المُهْتَدِي حين كان مواطنا في ذلك المجتمع، وباحثا ومناضلا. قال: «إن تعليمَ القرآن يخالف فرديتنا الغابَوية، فهو لا يعتبر الإنسان حقيقةً منفردة منعزلة، لكن يعتبره جزءا من كلِّ أكبرَ، هو المجتمع الأخويُّ. ويعتبر في نفس الوقت هذا المجتمعَ الأخوي راميا إلى غايات أعلى منه”.

(..)

تتمة المقال على موقع ياسين.نت.