بين علماء الدين ورجال الدين

نستطيع القول إن في الاسلام علماء وليس رجال دين، والفرق بينهما أن الأول يفيد كل من توافرت فيه شروط الاجتهاد ليكون عالم دين، في حين يفيد الثاني إنفراد فرد أو فئة بالسلطة الدينية دون الجماعة وهو ما اصطلح عليه لاحقا بالكهنوتية، وقد رفضها الإسلام جملة وتفصيلا، لأنها تعني -مما تعنيه- إحداث وسيط بين الإنسان وخالقه، قال المفسرون في قوله تعالى “واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله” أنهم لم يعتقدوا فيهم الألوهية بل لأنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.

صحيح أن الإسلام قد جعل من علمائه طليعة المجتمع، قال تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (المجادلة الآية 11).

لكن هل يقف الأمر هنا؟

إن مضمون “الدور الطليعي للعلماء في المجتمع المسلم هو: الموقف النقدي القائم على بيان أوجه الصواب والخطأ في المجتمع، بمعنى أخذ وقول الصواب، ورد ورفض الخطأ، ويتضمن نقد السلطة وتقويمها والكشف عن أوجه قصورها في أداء دورها كنائب ووكيل للجماعة” التي لها حق تعيينها ومراقبتها.

لقد حاول علماء مسلمون كُثر، ومن كل العصور الإسلامية تمثل هذا الدور النقدي الناصح رغم ما كابدوه من محن من أجل ذلك، ولنا في التاريخ أمثلة عديدة.

بل نجد مجموعة من الكتابات في شكل نصائح من وإلى العلماء بقطع أية علاقة سياسية كانت أو إدارية أو وظيفية أو حتى اقتصادية مع الحكام، احترازا من فقدان القدرة على القيام بهذه الوظيفة النقدية التقويمية.

وبه يمكن القول إن صفة عالم الدين هذه ليست مطلقة لكل من اكتسب العلم والمعرفة في المجال الديني فحسب، بل لها شروط من ضمنها اكتساب درجة معتبرة في العلم بداية، ثم تمثل الوظيفة الطليعية النقدية، علاوة على الاتصاف بصفات أخلاقية مميزة جعل لها علماء الحديث رحمة الله عليهم أبوابا علمية منفردة كالورع والثقة والاجتهاد في الذكر والعبادة أو ما عرف بـ”الربانية”.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان تعزي في وفاة الشيخ عباسي مدني

إذن ومن خلال استقراء السطور أعلاه نجد أن بين عالم الدين ورجل الدين رتق وفتق، إذ أنه كلما ابتعد عن الأدوار التي سيجه بها الدين الإسلامي يكون أقرب الى رجل دين منه إلى عالم دين.

وبه يكون الانتقال من هذه الصفة إلى تلك إفرازا طبيعيا لتلك الردة التي لم يعرفها العالم المسلم فقط، بل العالم والمجتمع المسلم ككل، فهل من أسباب لذلك؟

الأسباب

إن افتقاد العالم المسلم والفقيه، بل وكل من اعتلى منبرا من منابر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمقومات الشخصية القيادية القائمة للحق الناصحة والناقدة، وارتماءه في أحضان أهواء السلاطين وشواذ المذاهب، مشكلا بذلك ومع مرور الوقت ما قد نسميه “مؤسسة” دخيلة على الدين الاسلامي، (تشبه إلى حد ما مؤسسة رجال الدين) تتحدد أدوارها في تبرير عمل السلطان أولا وأخيرا… لم يكن ذلك ضربة لازب، بل كان إفرازا موضوعيا وطبيعيا لحدثين عظيمين عرفتهما الأمة الإسلامية ككل.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “… صدمتين في تاريخنا كان لهما الأثر البالغ في نفوس المسلمين، توارثته الأجيال… أما الصدمة الأولى فانكسار الوحدة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وما نتج عن تلك الفتنة المؤلمة من قتال بين الصحابة وما تلا ذلك من تمزق الجماعة (وهو ما عرف لاحقا بالانكسار التاريخي)، أما الصدمة الثانية فهي: الاستعمار الغربي”.

هكذا إذن تحدث الإمام رحمه الله واضعا الإصبع على سببين محوريين في تبدل حال الأمة ككل وليس فقط علماؤها، لكننا ونحن نتحدث عن العالم والفقيه المسلم على وجه التخصيص “سنضيف” سببا/ نتيجة آخر سيبرز لنا كيف استطاعت الصدمتان إخراج “العالم” من ساحة المصلحة الكبرى للأمة نهائيا، وهو ما قد نسميه زواج “العلماء” بالحكام، (على غرار ما يعرف بزواج السلطة بالمال)، لنكون بذلك أمام ثلاثة أسباب نعتبرها موضوعية: الانكسار التاريخي – الاستعمار الغربي، ثم وصال أهل العلم/الفقه بآل السيف.

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة -درس من التاريخ- (1)

سنضيف لهذه الثلاثة سببين آخرين نعتبرهما ذاتيين، تدحرج لهما نقيب الأمة بعلم أو بدونه وهو يعاين فتنا تهز الجبال هزا، ولقد كان أولهما قرار الانعزال وطلب الخلاص الفردي، دونما أية التفاتة لهَم الأمة… أما الثاني فافتقاد مورد القوة ومناط القدرة على الذود عن أمر الله حتى ولو كان الثمن النفس والنفيس، والاكتفاء بحفظ المتون وبلسان الوعظ، والقلب نكث فيه الوهن، وهو ما يتعارض مع صفة الربانية.

وبه نكون أمام خمسة أسباب (1/ الانكسار التاريخي 2/ الاستعمار الغربي 3/ وصال السلطة بالفقه 4/ الانعزال وطلب الخلاص الفردي 5/لا ربانية “العالم”) لانحدار الشخصية الإسلامية الشاهدة بالقسط، متخلية عن مهمتها الأساس في هذه الحياة الدنيا، بل ومناط خيريتها. قال تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله.. صدق الله العظيم.

يتبع