في مَثل عظيم؛ من رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ شبه حب المال والشرف وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين جائعين أرسلا في غنم، وهو مثل نبوي بليغ، يتضمن التحذير القوي من شرور الحرص على حب الشرف والمال 1 في الدنيا، وليس هناك شرف في الدنيا يحرص عليه الإنسان ويتنافس ويتسارع ــ إن لم يتنافس في عبادة الله ــ من أجل الحصول عليه إلا “التسارُع والتنافُس على المال والسلطان، وهو قمة الحسب والجاه” 2، وإن كان ذلك “فسدت دنيا الجميع، وفسد دين الجميع، وخسر الجميع الدنيا والآخرة” 3، وإن ضاع الدين، ضاع كل شيء.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ما ذئبان جائعان أُرسِلا في زريبةِ غَنَمٍ بأفسد لها من الحرص على المال والحسب في دين المسلم” 4، ومن وجه آخر عن جابر رضي الله عنه: “ما ذئبان جائعان ضاريان في غنم قد غاب عنها رعاؤها بأفسد فيها من التماس الشرف والمال لدين المؤمن” 5، وفي شعب الإيمان للأستاذ ياسين؛ رحمه الله؛ ورد نفس الحديث ببعض الإضافات اللفظية، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي حَظِيرَةٍ يَأْكُلانِ وَيَفْتَرِسَانِ بِأَسْرَعَ فِيهَا مِنْ حُبِّ الشَّرَفِ وَحُبِّ الْمَالِ فِي دِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِم” 6.

اهتم العلماء السابقون واللاحقون بشرح الحديث، واستخراج درره، وأولوه عناية خاصة، ومن بينهم ابن رجب الحنبلي 7؛ رحمه الله؛ في رسالته: ” ذم الحرص على المال والشرف”، ثم الأستاذ عبد السلام ياسين؛ رحمه الله؛ الذي أورد الحديث في المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ثم في كتابه: الإحسان: 1.  

الذئب، في لغة العرب، حيوان مفترس من الفصيلة الكلبية، ومن خُلقه الاحتيال والنفورُ والغدر، وفي الحديث النبوي الشريف الذي بين أيدينا: ذئبان جائعان وضاريان، يأكلان ولا يبقيان ويفترسان ويبقيان، و(الافتراس) يعقبه عادة بقايا من الفريسة أو الضحية 8، خاصة وهما في حظيرة أو زريبة غاب عنها حراسها أو رعاؤها، لذلك فهما لا يتعبان ولا يملان، بل يشجع أحدهما الآخر حتى يقضيان على هذا القطيع؛ غير المحروس؛ كاملاً، قتلا وتقطيعا وخنقا وإفسادا، ويزيد في إفسادهما شدة جوعهما وضراوتهما.

أما وجه الشبه بين الذئبين الجائعين والحرص على المال والحسب، فمن جهة وجودهما معا: الحرص على الشرف والمال، فلا غنى للأول عن الثاني، ولا يوجد أحدهما دون الآخر، فالذي قد يفسده طلب المال قد يضحي بشرفه ونسبه وحسبه لأجل الحصول عليه، والذي قد يفسده حب الشرف والسلطة والحسب قد يضحي بكل أمواله لأجل الحصول على هذا الشرف المزعوم، وكأن حب المال ذئب وحب الشرف ذئب ثان، يزداد فتكهما بدين المرء إذا اجتمعا عليه.

طالع أيضا  الورع والزهد في زمن الفتنة (2)

فحبه للرئاسة والثناء ومجالسة الحكام والأمراء، وتصدره للمجالس وتشدقه في الكلام وانتشاؤه أن يسمع له ولا ترد كلمته، بل يطاع أمره، ويمدح في الملأ ولو نفاقا لإعلاء ذكره، قد يكسبه نشوة ثم تكبرا وتجبرا على من حوله من الخلق فيستخفهم، باذلا في ذلك كل ما يملك من ميزانية وقت ومال، أو علم إن كان له نصيب منه – إن العلم المقعِد وحب المال والشرف إذا اجتمعت على رجل مهلكة وأي مهلكة – كي تبقى له الحظوة لدى أسياده، ناسيا أو متناسيا أن ذلك مجرد ديْن سيؤديه بعد حين.

والنتيجة هي السكوت عن قبح فعلهم وظلمهم وارتشائهم وفجورهم و… بل قد يزين لهم ذلك ويبرره، بليّ أعناق النصوص الصريحة التي لا تقبل اجتهادا ولا ليّا، أو بالاجتهاد في توسيع دائرة المباحات والمكر بالصادقين لهم، أو إيجاد أسماء جديدة تتناسب والعصر والبروتوكولات، مخافة أن يضيع منه هذا الشرف وحبهم 9.

هذا بعض من سداد الفاتورة لأولي النعمة وشكرهم، وهو ثمن باهظ، لا يقارن بمال ولا بشرف، إنه بيع الدين، بيع الآخرة، فلا حرج ببعض الكذب والغش والارتشاء والظلم وسفك الدماء وهتك الأعراض وأكل أموال الناس بالباطل، إنه الشرف، إنها السلطة، إنه المنصب، إنه الكرسي، نسأل الله العفو والعافية.

أما من جبلت نفسه على حب الإثنين معا، فإن الذئبين معا يجتمعان عليه، فيضحي بالكل لأجل الكل، جمع بين الثروة والسلطة، أو بين السلطة والثروة، وهو جاثم بخراطيمه على كل الثروات والمصادر؛ في باطن الأرض وظاهرها؛ الإعلام والسياسة والتعليم والاقتصاد والثقافة وكل المناسبات الدينية والوطنية، فرصة للتغني بالمنجزات وإظهار العطف والمكروميات، نحمد الله ونشكره إذ لم يمكنهم من نعمة الهواء، وإلا جمعوه في حاويات يوزعونه على من سبح بحمدهم أو يموت خنقا، لله المنة من قبل ومن بعد..

إن الإفساد الذي قد يخلفه الذئبان الجائعان في الغنم التي غاب عنها رعاتها، شبيهه الإفساد الذي قد يخلفه حب المال والجاه في دين المرء إذا غابت الغاية من الوجود في هذه الحياة، ولا مغامرة أسوأ من المخاطرة بالدين والآخرة لأجل نعيم زائل.

من هنا كانت هذه النوازع: النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية أكبر مهدد لكيان الإنسان وصلته بربه، بل وأكبر مكدر لصفوه، وأعظم معوص قد يوقعه ويغلبه على وجهه 10، ولعلها، أيضا، المحك في تلمس أثر صدق المقتحم وثباته، وإخلاص نيته وحرصه على طريق الصواب 11 ونهجه، والثبات عليها حتى يلتحق بربه، واكتساب الحظ الأوفر من شعب الإيمان وسمته: توبة وأوبة وصحبة وبذلا وجهادا مع من يذلل له الطريق ويدله على متاعبها ومنعرجاتها ومطباتها إن كان يريد الله ووجه.

طالع أيضا  النموذج النبوي في الزهد

ومع ذلك، لا يذم جمع المال لعينه، ولا يذم الحرص على الشرف لذاته، بل يذمان لمقدماتهما ونتائجهما، لنية الحرص عليهما، قال الله عز وجل: وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا 12، وعن أمير المؤمنين أبي حفصٍ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعتُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه” 13.

وبما أن النية من أعمال الباطن التي لا يطلع عليها أحد غيره سبحانه، فقد حذرنا من النفس والدنيا والشيطان الذين يريدوننا لغير الله، فلربما حرص الرجل المناسب على الشرف من باب اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ[ref]سورة يوسف: 55.[/ref]، أو حرص على جمع المال لإنفاقه في وجوه الخير كلها: في التوسعة على عياله، وإخراج زكاة ماله، والتصدق على الأصناف الثمانية وأقاربه، وفي الظهور بالمظهر اللائق الذي يشرف المسلمين ويشرفه، وفي إيواء الدعوة المحاصرة بماله وبيته، وفي المساهمة في بناء المشاريع الخيرية: من مستشفيات وملاعب ومساجد وقناطر وتعبيد الطرقات وإيصال الماء إلى القرى والمداشر المهمشة وبناء المدارس لنشر العلم وتحفيظ القرآن وتعليمه… ليحقق الثلاث المرجوة، فإنه إن لم يفعل تكن فتنة وفساد في الأرض كبيرين، حينها سيتصدر أمورنا الذئاب؛ أهل الدنيا؛ الجائعون الذين لا يرقبون في الإنسان إلا ولا ذمة، قد وُصف بعض حالهم في الحلقة الماضية، نسأل الله لنا ولهم العفو والعافية.

لا ينقص الأمة العقول والخبراء، لكن تنقصها الإرادة البانية، وينقصها الأقوياء والأمناء الورعون الذين يسهرون ويتعبون لأجل أن تستريح الأمة، ويضحون ويجوعون، همهم أن تسكن الأمة وتشبع 14، وتتعلم لتزاحم باقي الأمم وتشع في الرياضيات والفيزياء والفلسفة وباقي العلوم بعد أن ترسخ أقدامها في العلم بالله زهدا وورعا… وهو همّ ثقيل تنوء بحمله الجبال والرجال، “لا يحمله الورع القاعد، لكن يحمله وينهض بمقتضياته الأقوياء بالعلم والخبرة الأمناء بخوف الله والوفاء بعهده” 15، الذين يكبحون أنفسهم ويملكونها، ويصعدون نزواتها إيمانا قويا وقاعدة صلبة للجهاد واقتحام العقبات، في إطار روابط زهدية، وأخلاقية جماعية، حرصا على صلاح الدين والدنيا، “جهادا متواصلا يبذلون النفس والنفيس في سبيل الله” 16.

إن الحديث عن الزهد والورع سلوكا وترقيا في مراتب الإحسان في زمن الفتنة التي تمور مورا، والتي لم تترك حضرا ولا مضرا إلا دخلته، ولا بيتا أو قلبا إلا سكنته، أو مسته وربما هدمته، لا يتبوؤها السالك قفزا 17 أو تحليقا، وأوانيه المعاملاتية المادية والسلوكية والأسرية والأخلاقية والحياتية عامة مثقوبة؛ لا وفاء بالعهود، ولا استقرار أسري، ولا محافظة على الصلوات والصبح أولى، ولا حسن معاملة عند الأداء، ولا أداء للواجبات في البيت والقسم والوظيفة و… فأنى تمسك أثرا لذكر أو صيام أو لمجالسة ومشافهة، فإذا أردنا بديلا للفتنة العارمة، فعلينا بإحياء الإيمان الصادق في قلوبنا، كما كان حيا في قلوب أسلافنا، حتى نحقق أمننا وأمن الناس أجمعين على أرضنا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “ألا أُخبركم بالمؤمن: مَن أمِنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلِم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب” 18.

طالع أيضا  الزهد والورع عند الصالحين

[1] ابن رجب الحنبلي، ذم الحرص على المال والشرف، رسالة في حديث: ما ذئبان جائعان، حقق أصله وخرج نصوصه أبو عاصم البركاتي المصري، ص: 64، بتصرف.
[2] ياسين عبد السلام، الإحسان: 1، الذئبان الجائعان، ص: 434.
[3] نفسه.
[4] رواه عن كعب بن مالك رضي الله عنه الإمام أحمد والترمذي وصححه، وابن حبان في صحيحه.
[5] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (10268) بإسناده إلى ابن أبي فديك، عن موسى بن يعقوب، عن معاذ بن رفاعة.
[6] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، الزهد وقصر الأمل، رقم: 9784، وهو حديث صحيح.
[7] زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي، الواعظ. الإمام الحافظ، المحدّث، الفقيه، ولد في بغداد وسمع من أبي الفتح الميدومي. له مصنفات عديدة، منها: شرح الترمذي، شرح علل الترمذي، طبقات الحنابلة، فتح الباري شرح صحيح البخاري لم يتمه، جامع العلوم والحكم شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم؛ التوحيد.. وغيرها، نشأ وتوفي بدمشق: 736 – 795 هـ، 1336 – 1393 م..
[8] انظر كتاب محمد محمد أبو موسى: الإعجاز البلاغي دراسة تحليلية لتراث أهل العلم، مكتبة وهبة القاهرة، ص 60.
[9] ذم الحرص على المال والشرف، رسالة في حديث: ما ذئبان جائعان، مصدر سابق، ص: 72، بتصرف.
[10] ياسين عبد السلام، الإحسان 1، ص: 434/433.
[11] نفسه.
[12] سورة النساء: 100.
[13] رواه إمامَا المحدِّثين: أبوعبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرةِ بن بَرْدِزْبَهْ البخاريُّ، وأبو الحسين مسلم بن الحَجَّاج بن مسلمٍ القُشيريُّ النيسابوريُّ في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.
[14] المنهاج: ص: 294-295.
[15] نفسه، ص: 49.
[16] الإحسان: 1، ص: 441.
[17] مقتبس من معنى برسالة النصيحة للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله.
[18] مسند الإمام أحمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه.