إشارة

نشير في هذا المقال إلى أساس ذي أهمية كبرى في دعوة العدل والإحسان، وإلى مبدإ رئيس في مكتوبات الإمام رحمه الله تعالى، ما فتئ يلح عليه في كل كلامه ومجالسه، ويحض أبناءه وبناته عليه، ذلكم هو الرفق والرحمة والصبر والتؤدة. نكتب عن هذا الأساس العظيم في دعوة العدل والإحسان، ونحن نسمع دعَاوَى تدعو إلى اجتثاث الإرهاب من جذوره، وقصدهم من ذلك محاربة الحركات الإسلامية. ولعمري لو اطلعوا على ما كتبه الإمام رحمه الله تعالى عن الرفق والرحمة، ودعوته الملحة للصبر والتؤدة وتجنب العنف، لعلموا كم أسدى هذا العلَم الهمام من خير لهذا البلد الحبيب، بل للعالم جميعه، إذ تربي في مدرسته الربانية ثلة من الرجال والنساء الصالحين المحبين للرفق، الداعين للرحمة بكل خلق الله جميعا. ولأدركوا منبع هذا الاستقرار الذي ينعم به وطننا الغالي.

أمرنا في الدين بالتيسير والتبشير

من المرتكزات الأساس التي قامت عليها دعوة العدل والإحسان كما خطها الإمام، التيسير والتبشير، والرحمة بخلق الله أجمعين، مخالفا بذلك ما درج عليها بعض الفقهاء من عنف في القول، ومن تكفير للناس، ومن تعسير وتيئيس من رحمة الله التي وسعت كل شيء.

يقول الإمام رحمه الله تعالى “أمرنا في الدين بالتيسير والتبشير، فهذا رفق يقابله عنف فقيه يكفر المسلمين، وداع لا يفتح أبواب التوبة، ومشتاق لحكم الإسلام يتصوره ويصوره وجها حانقا، وسيفا مصلتا، وقلوبا لا ترحم.” 1. فالتيسير والتبشير جوهر الدين ودعوته وأسه. ومن ثم يعود بنا الإمام إلى السيرة النبوية لنتتلمذ على يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولنتشرب منه عليه أفضل الصلاة والسلام معاني الصبر والرحمة والأناة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الإمام كان حريصا على اقتفاء خطى رسول الله عليه الصلاة والسلام في صغير الأمر وكبيره، فلا يتجاوزه إلى غيره، مع اجتهاد مبارك موفق لعصره. لذلك جعل الإمام رحمه الله من صلب “التربية والتعليم النظر في أمثلة حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأناته، وصبره، وتحمله، وشفقته على الخلق، ليكون ذلك لنا نموذجا يحتذى.” 2. فلا مجال في دعوة العدل والإحسان للتشديد على خلق الله، ولا مكان فيها للعنف والإكراه “فإننا لن نسع الناس، ولن ينفتح لنا الناس، إن تقدمنا إليهم بالوجه العابس والتشديد والتعسير” 3.

طالع أيضا  ذ. أبو حزم في ضيافة منطقة الفداء بالبيضاء لتوقيع كتابه "عبد السلام ياسين الإمام المجدد"

إن هذا الرفق النبوي الذي سار على هديه الإمام، لم يقتصر على من جاء ملبيا لدعوة الإسلام بل شمل حتى أصحاب الطباع الخشنة والمنافقين. هذا النهج النبوي الداعي إلى الرفق والرحمة، جعله الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله من ركائز دعوة العدل والإحسان في كل مراحلها خصوصا في فترة الانتقال التي تعد من أشد المراحل في حياة حركات التغيير إذ يشتد تحريض فلول الدولة العميقة، وأصحاب المصالح -الذين يرون في هذا التغيير ضربا لمصالحهم- لوأد هذا التغيير في مهده، فلا يسعنا إلا أن نكون رحماء حلماء بالخلق، نحبب إليهم دعوة الخير، مع قوة لا عنف فيها لكنس الباطل. وفي حلم الرسول عليه الصلاة والسلام ورفقه “حتى بالمنافقين يعطينا نموذج السلوك في فترة الانتقال حين يتعين علينا أن نحبب الإسلام لأقوام ألفوا التحرر من كل ضابط خلقي” 4.

 الحكمة المطلوبة

نؤكد مرة أخرى أنه لا مجال للانتقام في دعوة الإمام رحمه الله، لأنها مستمدة من رحمة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، “ذلك أن ماضي الفتنة لا بد أن يُخلِّفَ آثارهُ الفاسدة المفسدة المتمثلة في أقوام بأعيانهم وفي تضامنات وعصبيات ومصالح متحجرة مشتبكة مع مصالح جمهور الأمة” 5.

من الحقائق التي شهدت بها  الأحداث في تاريخ الحركات الثورية  أنها تقوم على الانتقام وسفك الدماء وتخريب الديار،  واستئصال كل من كان منتميا للماضي البائد، وهذا  نهج يرفضه الإمام رفضا قاطعا، ويعتبره بعيدا عن رحمة الإسلام ورفقه “فالحل العنيف الصراعي الثوري الذي يوصي بالقتل والسفك وتخريب بَيْتِ كل من انتمى مرَّةً للماضي حل غير إسلامي” 6. إذن لابد من استحضار الهدي النبوي الشريف عند التغيير، ولابد من اقتفاء أثر الحكمة التي تحقن الدماء، إلا أن هذا لا يعني السكوت عن الباطل، ورد المظالم إلى أهلها، مع عملية تطهيرية رفيقة رحيمة إذ “ليس الرفق هو السكوت عن الماضي جملةً. فلا بد من رد المظالم، ولا بد من كنس القُمامة، ولا بد من التغيير الجذريِّ. والرفق في هذه العمليات، والأناة فيها، وحقن الدماء هي الحكمة المطلوبة” 7.

يد الدعوة الرحيمة، ويد الدولة الصارمة

إن معاني الرفق والرحمة والصبر والتؤدة المتجلية في دعوة العدل والإحسان، وحض عليها الإمام مرارا كثيرة، تحمل معاني القوة البانية لا العنف المخرب، إذ لا تساهل في رد حقوق العباد، “إننا ندعو إلى الرفق في عملنا الإسلامي، لكن نحب ألا يفهم عنا أننا ندعو للخمول والاستسلام والضعف. إن القوة الفاعلة البناءة هي القوة السائرة في ركاب الإرادة الواعية، ولا يمكن أن يكون للأمة الإسلامية المنبعثة وجود ولا استمرار بلا قوة” 8.

طالع أيضا  إصدار جديد: عبد السلام ياسين وجهوده في بناء المنظومة التربوية المغربية

إذن هو رفق مع رحمة وصبر وتؤدة مع قوة لا مع عنف. وهو ما عبر عنه الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى بصيغة أخرى “يد الدعوة الرحيمة ويد الدولة الصارمة” وفق هدي سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، وهي حكمة ربانية قد يحسبها المتسرع في الحكم على الأشياء تناقضا، إذ كيف يتم الجمع بين الرحمة والصرامة. ويوضح الإمام هذ الإشكال في قوله “كتبنا أن حمل الناس على ما يكرهون واجبُ جند الله. ثم تعرضنا لضرورة الرفق. فيبدو لأول نظرة أن ثمة تناقضا بين داعيين: داعي الإكراه وداعي الرفق. إننا نتصور عملية التغيير تعاونا وتناوبا بين يدين اثنتين: يدِ الدعوة الرحيمة، ويدِ الدولة الصارمة. نتصورها تراوُحا بين آيتين من كتاب الله تعالى، ووجهين من السيرة النبوية، ومرحلتين تُقابلان الآيتين. نتصور التغييرَ رفقاً ورحمة من قوله عز وجل: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 9. ونتصوره بأساً وصرامة من قوله عز من قائل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ  10.” 11.

  الرسالة من الكلام

·      إن رسالة العدل والإحسان كما خطها الإمام مبنية على الرفق والرحمة ومعاني الصبر والتؤدة.

·      إن الإمام رحمه الله كان يقتفي أثر الرسول عليه الصلاة والسلام في تجسيد معاني الرفق والرحمة.

·      إن التزام دعوة العدل والإحسان بمعاني الرفق والرحمة لا يعني السكوت عن الظلم والباطل.

·      لا مجال في دعوة العدل والإحسان للقتل والانتقام وسفك الدماء وتخريب الديار.

·      لا مكان لدعاة العنف والتكفير في دعوة العدل والإحسان.

·      إن دعوة العدل والإحسان عامل استقرار لهذا البلد الحبيب بل وللعالم أجمعه.

·      إن أبناء دعوة العدل والإحسان وبناته دعاة رحمة ورفق ومحبة.

·      لابد أن تصبح معاني الرفق والرحمة سلوكا راسخا في حياتنا مع آبائنا وأزواجنا وأولادنا وإخواننا وأخواتنا ومع القريب والبعيد.

طالع أيضا  من كلام الإمام عبد السلام ياسين.. نصوص وتجليات (من أسرار لا إله إلا الله)

 من شعر الإمام

وابسُط الرِّفْقَ

اغتَنِمْ صبر ساعة من نهار

في حِياض المَنُونِ رَيْبٍ وَرَدْتَه

في مَوَاطينَ للجهاد شِدادٍ

زَلَّ عزمُ الصنديد فيها وخُضْته

لَيسَ تَسْمو شرائعُ الحَقّ جُبْناً

جزعاً في الجهاد ضيْماً أبَيْتَه

فلتكن خَيْرَ صابرٍ ثابِتِ الخَطْ

ووَئيداً إنْ رُمْتَ أمراً فَعَلْتَه

واقفاً في حدود شرعٍ حَكيم

دارئاً عَنْه طَعْنَ شَرٍّ كفَيْتَه

لا تَعَجَّلْ فأيْكَةُ الشَّرِّ جِذْع

واجْتِثاث الجذوع صابَرْتَ وقْتَه

واغْرِس الطيِّبَ الكريمَ وثَابِرْ

وبماءِ الإيمان مَهْلاً سَقَيْتَه

واغتنم حِلْمَ سائرٍ مُطْمَئِنّ

واعفُ عن جاهل عنيفٍ نهَيْتَه

وأَقِلْ عَثْرَةَ الكِرامِ وجادل

«بالتي هي» في الكتاب قرأتَه

لَكِنْ إنْ جاهِلٌ عنيفٌ تمادَى

صَلِفا غَاوِياً كما قد عَهِدْته

فاتَّقِدْ غاضباً قَويّا غَيوراً

فَبِرَمْضاء نفْسه ما كَوَيْتَه

وابسُط الرِّفْقَ والجَدَى لكريم

بِبِساطٍ عن اللئيم طَوَيْتَه

وتواضع فالكبر داء عُضالٌ

أخبَثُ الخُلْقِ كِبْرِياءٌ نَفَيْتَه

واغتَنِمْ صَمْت خاشِعٍ مُتَأَنّ

وَإنْ السِّرَّ أوْدَعوك كَتَمته 12.

 شرح بعض الكلمات

المنون: الموت.

الصنديد: البطل الشجاع.

 الجزع: الفزع.

الضيم: الذل والاحتقار والظلم.

وئيد: مُتَّئد غيْرُ متسرع.

دارئاً: دافعا. درأ: دفع.

الأيْكَة: الشجرة العظيمة.

اجتَثّ الشجرة: قطعها من جذورها.

تمادَى: استمر.

صَلِفٌ: متكبر.

غاوياً: غير راشد.

الرمضاء: الرمل الشديد الحرارة.

الجَدَى: العطاء الكريم.

مُتأَنٍّ: مُتَّئِد.

سَهّدَ: أسْهَر.

النَّعمة: سَعة العيش ورفاهيته.

الزخرف: كل شيء مُمَوَّهٌ مُزوَّرٌ.

الغواشي: المصائب النازلة.

شظف العيش: خشونة الفقر.

ويْك!: كلمة عطف وتنْبيه مثل ويْحك!


[1] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الشركة العربية للنشر والتوزيع، ط1، 1989 ص317.
[2] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الشركة العربية للنشر والتوزيع، ط1، 1989 ص317.
[3] نفسه ص317.
[4] نفسه ص 318.
[5] ياسين، عبد السلام، الإحسان مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة1998 ص2/315.
[6] نفسه 2/315.
[7] ياسين، عبد السلام، الإحسان مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة1998 2/315.
[8] ياسين، عبد السلام، الإسلام غدا، مطبعة النجاح -الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1973ص116.
[9] (النحل، 125).
[10] (التوبة، 73).
[11] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت الطبعة الأولى سنة 2009 ص 90.
[12] ياسين، عبد السلام، المنظومة الوعظية، مطبوعات الأفق -الدار البيضاء ط1سنة1996، ص 67، 68، 69.