مدخل:

لا يمكن لأي متتبع للشأن السياسي الإسلامي، والإسلامي العربي على وجه الخصوص، في السنوات الأخيرة، إلا أن يلحظ تلك المواقف المشينة التي ما فتئ ثلة من “الفقهاء” يعبرون عنها كلما جد جديد، خاصة على مستوى قضايا لها علاقة بالمجتمع والسياسة والأمة ككل. وهو الأمر الذي يضعنا أمام إشكالية “المؤسسة” الفقهية “الرسمية” والأدوار المنوطة بها، وكيف تحولت من مقوم وناصح للأمة، شعبا وحاكما، إلى تابع لخدمة الحاكم أسيرة لاختياراته وأسيرى لقراءات فقهية متجاوزة.

صحيح أن الأمة عرفت وعبر تاريخها الطويل “فقهاء/ علماء” سطروا لنا بطولات كان من المفترض أن تكون المثل والديدن لعلماء هذا العصر وكل عصر، لكن في المجمل نجد الفقيه يميل ميل الحاكم عملا وعقيدة، وفي السنين الأخيرة: تصريحا وجراءة على أمر الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

لكن المرء يجد نفسه، حقيقة، أمام أحاديث صحيحة عن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل وفقه مرصوص وراجح ومرجوح… الشيء الذي جعل المسلم العادي بين التسليم لأمر الله ونبيه بالفهم الذي سطره “فقيه عصره” أو ما تمليه العزة بالإيمان التي ينضح بها كل قلب مؤمن.

لقد كانت مصطلحات مثل الفتنة وطاعة ولي الأمر وحفظ بيضة الإسلام والكليات الخمس، الفيصل والكلمة العليا في هذا الباب حتى بدا الرجل منا يوثر الإدبار على الاقبال احترازا ومخافة.

من جهة أخرى أدت هذه الحالة الملتبسة التي بات عليها فقهاء الإسلام، إلى تشبيههم من طرف أطراف عدة برجال الدين لدى المجتمع الغربي المسيحي الذين سجل التاريخ نكوسهم ووقوفهم مع الظلم وضد العلم.

ولقد أسال هذا التشبيه وهذه العلاقة بين رجل الدين وفقهاء الإسلام أو علماء الدين مدادا كثيرا، ففي الوقت الذي يصر فيه علماء مسلمين على دفع صفة رجل الدين، والقول بأنها دخيلة على الفكر والحضارة الاسلاميين، واعتبارها إسقاطا لصفة كنائسية غربية بالأساس، ولا تمت إلى العالم الإسلامي بأية صلة، في الوقت نفسه نجد الكثير من المفكرين -من دوي التوجه العلماني خاصة- يقولون بتماهي الصفتين شرقا وغربا، معتمدين في ذلك على مقابلات عديدة في سلوكيات هؤلاء وهؤلاء.

طالع أيضا  رسالة العلماء في الإسلام بين الواجب والواقع 4/4

حيث يصرون على القول بأن المتحدثين باسم الدين رجال دين يمارسون ما مارسه رجال الكنيسة في القرون الوسطى سواء على الشعب أو العلم والسياسة.

فماذا تعني الكلمتين وهل بينهما أوجه تشابه حتمت هذا الخلط؟

ثم، وهذا من الأهمية بمكان، كيف وصل فقهاؤنا إلى هذه المرتبة الدنية، وهل من أسباب ذاتية وموضوعية لذلك؟

يتبع