اتخذ الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، في مجلسه ليوم الأحد 22 شعبان 1424 هـ الموافق لـ19 أكتوبر 2003، الآية الحادية عشرة من سورة الحجرات، التي يقول فيها الله عز وجل:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، منطَلقاً للحديث عن الأخلاق الطيبة، متدبراً في أخلاق رسول الله صلى عليه وسلم، وحاثا على التحلي بها.

وقال رحمه الله أن هذه السورة “تُعلم محاسن الأخلاق، تعلم العبد التخلق مع الله عز وجل، ومع المؤمنين، ومع أعداء الإيمان والمؤمني”ن، موضحا مكانة الأخلاق في السلوك إلى الله تعالى والترقي في مدارج الإيمان، فجاءت كلمته كالتالي:

“التخلق وتعلم الأخلاق الطيبة، وتقدير الأخلاق الطيبة عند إخواننا وعند الناس أجمعين، مما ينبغي أن ننتبه إليه كثيرا، الأخلاق الحسنة ينال بها العبد المؤمن، والأَمة المؤمنة، عند الله عز وجل من المقامات ما لا ينالانه بكثرة الصلاة والصيام والعبادة.

المروءة والأخلاق نجدها عند المؤمن ونجدها عند غير المؤمن، نجدها عند المؤمنة ونجدها عند الغافلة. كيف نقدرها؟ كيف نستثمر ما عند الناس من استعداد للخير لكي نقربهم إلينا؟ لكي نقربهم إلى الدعوة؟

نحسن الظن بالناس، ونسيء الظن بأنفسنا. ففي كل واحد منا وواحدة رواسب من أخلاق الجاهلية، من الأخلاق التي كنا نتخلق بها ونحن صبيان، حيث تربينا في بيئة مغربية موبوءة، أو أخلاق تعلمناها من رفقة سيئة، في طفولتنا وفي شبابنا. كيف نتخلص من هذه الأخلاق السيئة؟ نسيء الظن بأنفسنا، أقول أنا لا بد لي أن أتطهر من الأخلاق السيئة وأتعلم، وأتخلق.

ما معنى أن أتخلق؟ على وزن تفعَّل، بمعنى تكلَّف؛ أن يزيل من عادته السوء والعادات السيئة، ومن أفكاره الأفكار السيئة، ومن معاملته مع الناس المعاملات السيئة، ومن كلامه الألفاظ البذيئة، ومن كيفية خطابه للناس الكيفيات التي لا تليق.

الأخلاق الطيبة هي كمال الدين، إن لم نقل هي عماد الدين، بعد الصلاة طبعاً، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد يصلي بعضهم ولا تنهاه صلاته عن الفحشاء ولا عن المنكر، فصلاته خداج، باطلة، لا نقول باطلة شرعا، ولكن مفعولها وأثرها لا يُرى. فإذا نقول الأخلاق الطيبة هي كمال الدين، وهي ركيزة من ركائزه.

طالع أيضا  الحرية والأخلاق

نقف عند مرحلتين من مراحل الدعوة، دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، كي نتأمل في أخلاق النبي صلى عليه وسلم قبل بعثته وعند بعثته وبعد انتصاره، لكي نعتبر ونتأمل.

المرحلة الأولى:

عندما جاء الوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم فزع، وأخذته الرهبة من منظر رسول الله سيدنا جبريل عليه السلام، جاء عند رسول الله ولا عهد عنده بعيشة الملائكة، ففزع ولجأ إلى حضن أمنا خديجة، فقال: دثروني زملوني.

ماذا قالت أمنا خديجة، قالت له: “والله لا يخزيك الله أبداً”.

النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الدعوة بعد، وأمنا خديجة لم تسلم بعد، ولكن فيها الخير، عندها استعداد للخير، لها بقية من بقايا سيدنا إبراهيم التي كان يؤمن بها الأعراب قبل الإسلام، فتلك البقية من الدين، وتلك الحنيفية الإبراهيمية، جعلتها تعطي للأخلاق قيمتها، قالت له: والله لا يخزيك الله أبداً، أي أن الإنسان إذا أكرمه الله عز وجل فلن يهينه أو يخزيه، وأنتم أيها الأحبة أكرمكم الله بالإسلام، وأكرمكم الله عز وجل بأنكم من الذاكرين، وتطمحون لأن تكونوا من الذاكرين، ومن أهل القرآن، فنسأل الله عز وجل أن لا يخزينا جميعاً، وأن لا يخزي أحداً منا.

“والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم”.

الأولى صلة الرحم، شيء مهم جداً، أخلاق الإنسان، الأخلاق الطيبة، تبدأ من صلته لرحمه، والرحم جنة معلقة بالعرش، تقول: يا رب صل من وصلني واقطع من قطعني، ما معنى هذا؟ أن الوشائج التي بيني وبين الأقرباء أحفظها لكي لا تندثر، رحم الوالدة أولاً، وذوي القربى، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ) هؤلاء هم أهل الرحم. كيف نصل الرحم؟ بالمعاملة الطيبة، بالبذل والعطاء، الجاهليون لا يذوقون لهذا طعما، ولا يعرفون لهذا قيمة. الأسرة النواتية، عندهم، لا أحد يعرف أحداً، عندهم الطفل الصغير يربونه، ثم بعد 18 سنة يخرجونه خارج البيت، يدرس أو يعمل أو لا يفعل شيئا لا يهمهم ذلك، ذلك مسؤوليته. من الناحية التربوية هذا جيد، ولكن قطع الرحم لا حساب له. إذا كان عندهم ضيف يتحاسبون، كل يدفع ثمن طعامه؛ البخل، والشح، وقطع الرحم. يجب أن يكون البذل خصوصا للوالدين، ولذوي القربى والمساكين، هذا يجب أن يكون خلقا متأصلا عندنا.

طالع أيضا  الحياء: خُلق ودين وحياة أمة

قالت له: “إنك لتصل الرحم”، بمعنى أن الإنسان من حيث هو إنسان مكرم، رحمه لا يفرط فيه، مسلم أو غير مسلم.

قالت له: “وتصدق الحديث”؛ لا يكذب، “وتحمل الكلّ”؛ الكل هو بالدارجة “العيان”، بمعنى أعيي يعيي، نحمل له على الدابة، الحمل المجازي؛ من أصابه تساعده وتعاونه.

“وتعين على نوائب الحق”؛ معنى هذا أن من أصابته مصيبة، مرض أو أصاب مصائب في الدنيا، تحمله على الناس على نوائب الحق.

قالت له: “وتقري الضيف وتُكسب المعدوم”، ما معنى قرى الضيف؟ معناه الكرم، الضيف إذا جاء تُكرمه، القرى هو طعام الضيف، وتكسب المعدوم، قرأت في روايات تُكسب وفي روايات تَكسب، معناها هو أن أحد الناس مُعدمٌ، لا شيء عنده من مال، فتكسبه وتعطيه.

المرحلة الثانية:

ننتقل للمرحلة الثانية، كيف كان الناس والمسلمون يرون أخلاق رسول الله عندما بدأ الدعوة، ذهب سيدنا جعفر بن أبي طالب، وهو الذي كان بين من هاجروا إلى الحبشة، بين يدي النجاشي رضي الله عنهما (نقول رضي الله عنه لأنه أسلم فيما بعد، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مات)، قال سيدنا جعفر للنجاشي: “بعث الله فينا رسولاً، نعرف صدقه ونسبه وأمانته”.

عندما بعث رسول الله صلى عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم رسالةً، فسأل هرقل هل هناك عرب يعرفون هذا الرجل، وكان آنذاك أبو سفيان وهو لم يسلم بعد، ومعه رهط قريش يذهبون للتجارة في الشام، وكانوا حضوراً عندما وصلت الرسالة إلى هرقل من رسول الله، فاستدعاهم هرقل ليسألهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال أبو سفيان: “لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب، لكذبت عليه”، أي أن ينقل عليه الكذب ويصبح أثراً ويحكى عليه، أي أن يفتضح أمره، “وسأله هرقل: ما حَسَبُهُ؟” بمعنى ما هي منجزاته في الحياة، ماذا فعل وما هي أخلاقه؟ أي ما يحسب له من الفضل عند الناس، “قال أبو سفيان: هو فينا ذو حسبٍ”، فسأل هرقل: “هل كان في آبائه ملكٌ، قال: لا، قال: أتتهمونه بالكذب؟ قال: لا، قال: اتبعه الشرفاء أم الضعفاء؟ قال: بل الضعفاء، قال: يزيدون أو ينقصون؟ قال: بل يزيدون، قال: يرتد أحد منهم سخطةً لدينه؟ قال: لا، قال: كيف قتالكم إياهُ؟ قال: الحرب بيننا سجال، نصيب منه ويصيب منا، قال: بما يأمركم؟ قال: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف، ونحن معه على مدة (لأن ذلك كان بعد صلح الحديبية). كل هذا وهرقل يقول له هكذا الأنبياء”.

طالع أيضا  "مكارم للأخلاق والقيم" تستنكر التطاول على المقدسات الإسلامية وتدعو إلى حفظ دين المغاربة وقيمهم

واستدل الإمام رحمه الله تعالى في آخر مجلسه “بشعر حكمةٍ، أو بحكمة شعريةٍ، للإمام الشافعي رحمه الله، يذكر فيها بالآخرة والمآل الذي ينتظر الناس بعد الممات، وليس ثمة من تفاضل بين الناس إلا بما قدموا من أعمال صالحة وأخلاق طيبة تدنيهم من رحمة الله ورضوانه.

يا واعِظَ الناسِ عَمّا أَنتَ فاعِلُهُ *** يا مَن يُعَدُّ عَلَيهِ العُمرُ بِالنَفَسِ

اِحفَظ لِشَيبِكَ مِن عَيبٍ يُدَنِّسُهُ *** إِنَّ البَياضَ قَليلُ الحَملِ لِلدنَسِ

كَحامِلٍ لِثِيابِ الناسِ يَغسِلُها *** وَثَوبُهُ غارِقٌ في الرِجسِ وَالنَجَسِ

تَبغي النَجاةَ وَلَم تَسلُك طَريقَتَها *** إِنَّ السَفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ

رُكوبُكَ النَعشَ يُنسيكَ الرُكوبَ عَلى *** ما كُنتَ تَركَبُ مِن بَغلٍ وَمِن فَرَسِ

يَومَ القِيامَةِ لا مالٌ وَلا وَلَدٌ *** وَضَمَّةُ القَبرِ تُنسي ضَمَّةَ العُرُسِ

ليختم مجلسه بوصية للحاضرين “أن تكونوا رحمة في العالمين، كما قال الله: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، لا تكونوا قاسين على الناس، تكون قاسٍ على نفسك نعم، كيف تكون قاسيا على نفسك؟ تعطيها حقها لا بد، ولكن دون أن أنسى حقوقي الأخرى، أقول لها انهضي للطاعات، لكن مع الناس أكون رحمة وليس نقمة، لا نزال نعيش تحت زوبعة الشر المحض، الزوبعة التي قام بها شبابٌ طائش بالدار البيضاء، قتلوا الناس، فجروا الناس، وقالوا هذا جهاد! وقالوا نريد أن نجاهد وأن ننصر الدين؟! لا حول ولا قوة إلا بالله، قالوا كثر الوباء في الأمة وكثرت المعاصي وكثر المنكر، النهي عن المنكر يعني أن نقتل! الضلال المبين، العنف على النفس، والعنف على الناس وعلى المسلمين.

كونوا رحمةً في العالمين، من العالمين؟ الأقرب فالأقرب، ثم الناس أجمعين. وأحذركم من مذهب يتعمق أثره في قلوب المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، هو هذا المذهب المستوحش المتوحش، يعني كل ما شاهدته تقول: هذه بدعة.. هذا كفر، هناك المتطرفون الذين يعتبرون الجميع كافرين، نعوذ بالله. أحذركم من هؤلاء”.