في حلقة نشرتها قناة الشاهد الإلكترونية، قدمت الأستاذة حسناء دويش نصائح للحجاج في حلقة حملت عنوان “من وحي التجربة.. نصائح لكل حاج”، تطرقت فيها إلى شوق الحاج وزاده في هذا السفر العظيم.

قالت:

إذا فاض عليك الشوق، وضاقت بك نفسك، ووجدت نفسك كلما رأيت الحرم والروضة الشريفة تسبقك الدمعة، فاعلم بأن النداء قد اقترب، قال تعالى: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالً، وإذا كنت من المحظوظين، ونادى عليك المنادي، وكنت ضيف الله الكريم المنان، الذي أكرمك بالحج إلى بيته الحرام، فلابد لك من زاد، قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ.

الحج ركن من أركان الإسلام، هو الركن الخامس الذي من استطاع الذهاب إليه، مشروط بتحقيق الاستطاعة، هذا الركن هو جهاد، هو سفر، والسفر يحتاج إلى زاد. الحاج والحاجة في رحلتهما، لابد لهم من زاد، ليس الأكل والشراب والملبس، ولكن الزاد الذي يقويهم، ويساعدهم على أداء هذه الفريضة.

فلابد لك أخي الحاج، أختي الحاجة، من خمسة أشياء:

أول شيء هو الصدق، صدق الطلب، صدق الوجهة، بمعنى لابد من إخلاص النية لله تعالى، لأن سيدنا رسول الله صلى عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، إذا هجرتنا وذهابنا إلى الحج، يجب أن يكون القصد منه هو ابتغاء وجه الله تعالى، كل حاج وكل حاجة يفرحون ويسعدون بالذهاب إلى هذا المقام العظيم، لماذا؟ لأن الحج المبرور لا جزاء له سوى الجنة. هذه هدية من عند الله عز وجل، لكل مؤمن وكل مؤمنة أعطاهم الله فرصة الحج إلى بيته الكريم. صدق الوجهة وصدق الطلب، يتطلب منا أن نخلص هذه النفس من أي شي بإمكانه أن يعكر علينا هذه النية، أو أن تشوش عليها.

طالع أيضا  دمعة في الحج

المسألة الثانية: وهي الصحبة الصالحة، لأن الحج كما قلنا سفر وجهاد، فلابد للإنسان أن يبحث عن الصحبة التي تعاونه، تسهل عليه وتهون عليه وتواسيه، لأننا ضعاف، نحتاج من يساعدنا في الطاعات، نحتاج لمن ينبهنا في الغفلة، نحتاج لمن يأمرنا بالصلاة، نحتاج لمن يساعدنا إذا تعبنا أو مرضنا، وينبهنا إذا أخطأنا. فالصحبة الصالحة نبحث عنها، ممن يذهب معنا، من الأحباب، من الأصدقاء، وأحسن شيء هو أن نمد أيدينا لنطلب الله تعالى ليوفقنا ويلهمنا صحبة ورفقة تساعدنا على أداء مناسك الحج.

المسألة الثالثة هي الصلاة، الصلاة في البيت الحرام، والصلاة في المسجد النبوي، هي بيوت الله تعالى التي نسافر إليها، هي التي نشد إليها الرحال، فلا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد النبوي، وإلى المسجد الأقصى. إذا عرفنا أن الصلاة بالمسجد الحرام تعادل مائة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي تعادل ألف صلاة، فكيف نضيع الوقت في الحج؟! كيف تأتي الصلاة المكتوبة ونحن نتسوق أو ونحن نيام أو نحن غافلون أو منهمكون في أمور ثانوية!

لابد من أن نغنم فرصة الحج، وأن نصلي صلواتنا المكتوبة خاصة، وقيام الليل نكون في البيت الحرام أو في المسجد النبوي، وطبعا نزيد من النوافل، ونزيد من الرواتب، ونجتهد لكي نحصل أكبر أجر. فمتى بإمكانك أن تعوض هذا الأجر الكبير؟! عندما تعود إلى بلدك! هيهات هيهات. جاءتك فرصة فاغتنمها، طبعا ستتسوق وتقضي أغراضك، ولكن ليس على حساب الصلاة خذ من وقت راحتك، ولا تأخذ من وقت صلاتك، لتذهب لتقضي أغراضا دنيوية.

المسألة الرابعة، وهي أساسية ومهمة، وهي الصبر. الحج عبادة لا تشبه العبادات الأخرى، لأنه عبادة في هرج، أن أعبد الله وسط الضجة والزحمة، متبوع أنا بالسفر والطائرة والفندق والأكل، علي التوجه لمنى، ثم التوجه لعرفة… في كل هذا يوجد الناس. كيف أصبر على أذى الناس؟ كيف أعبد الله وسط هذا الضجيج؟

طالع أيضا  هنا تسكب العبرات…

أعطانا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصية، فهو عندما كان في منى، سمع الصحابة في هرج وضجة كبيرة، فأدار وجهه إليهم وقال: السكينة السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع (السرعة والعجلة والهرج). فإذا كان الهدف من الحج، أن يرجع الحاج وقد غفر الله له ذنبه، أن يرجع من هذا الحج كيوم ولدته أمه، فالشعار الذي بإمكانه أن يساعدنا ويرزقنا الطمأنينة، هو السكينة السكينة. عندما تغضب أو تضيق، تذكر السكينة، فهذه الطاعات لا تحتاج للغضب أو المدافعة أو المخاصمة، بالهدوء والحلم نحقق المطلوب منا، ونتقرب لله تعالى.

الهدوء نحتاجه بمنى، الهدوء نحتاجه عند رمي الجمرات، الهدوء نحتاجه عند الوقوف بعرفة، الهدوء نحتاجه في الطائرة، نحتاجه في أي مكان. نحتاج أن نستحضر هذا الشعار، حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، “السكينة السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع”. طبعا الشوق واللهفة، تجعل الإنسان متسرعا، ويريد فعل الكثير من الأشياء، فيقع أن يدرك طابور الانتظار، أو أن يخاصم حاجا آخر، وممكن أن يقول كلمة سيئة!

والصبر نحتاجه، لأن الله عز وجل نهانا عن الرفث وعن الفسوق وعن الجدال، هذه اللاءات الثلاثة، لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كانت النفس مطمئنة، وتكون النفس مطمئنة إذا كانت النية فعلاً صادقة، إذا كانت فعلاً عندي صحبة صالحة تساعدني، إذا كنت أطمئن في صلاتي في المسجد الحرام، وفعلاً إذا وضعت غايتي وجه الله تعالى.

السكينة أحتاجها عندما أزور الروضة الشريفة بأدب، أمام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأولى فالأولى أن أتذكر “السكينة السكينة، ليس البر بالإيضاع”. بهدوء، أقف في الطابور، وأصلي الركعات، وآخذ وقتي في الدعاء، لا أتدافع ولا أرفع صوتي، فأنا في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يليق بهذا المقام أن أرفع صوتي، لا يليق بهذا المقام أن أتدافع، فأحسن ما أقدمه لسيدنا رسول الله أن أكون متأدباً، وأن أكون مهذباً، فلا نقدم بين يديه، ولا نجهر له بالقول، ولا نرفع أصواتنا.

طالع أيضا  مواقف الصالحين في الحج

المسألة الخامسة وهي الصرف (إنفاق المال)، أنا ذاهب إلى الحج، فعصبه وعماده أن يكون عندي مال، أتدبر بها أموري، فلابد أن آخذ معي قدرا من المال، ينفعني، من الممكن أن أتعب أو أمرض، أو لكي أتسوق أو أشتري أغراضاً لنفسي. في الحج كل واحد هو في سفر، فمن الأحسن أن تعول على نفسك، وتأخذ ما يكفي، وتصرف مالك بحكمة، ولا تكن من المبذرين، لكي لا تقع في ورطة.

فالحج، أخي الحاج أختي الحاجة، زاده خمس صادات، صدق، وصحبة، وصلاة، وصبر، وصرف (إنفاق المال)، وغايته أن أرجع بحج مبرور وسعي مشكور، حج أجره الجنة.

وأشياء ليس علي القيام بها، هي: لا رفث، لا فسوق، لا جدال في الحج.

والشعار الذي علي حفظه وإدخاله في قلبي، هو “السكينة السكينة، ليس البر بالإيضاع”.

أخي الحاج أختي الحاجة، أرجو لكم حجا مبروراً وسعيا مشكوراً.