حين أخرج عدد من سكان حي النصر بسيدي علال البحراوي هواتفهم للإعلام، وأظهروا شاشاتها لترى الكاميرات عدد الاتصالات التي أجروها بمركز الوقاية المدنية مستغيثين من أجل إنقاذ الطفلة هبة، العالقة بين النيران والشباك، وحين تأخرت الوقاية المدنية أزيد من نصف ساعة حسب تصريحات الجيران دائما، وحين وصل رجال الإطفاء بتلك الوسائل البدائية محاولين -في مشهد بائس كشّاف لحجم التخلف والتردي- إطفاء النيران المشتعلة في المنزل وجسد الطفلة المسكينة، لا شك تبادر إلى الأذهان التساؤل التلقائي؛ ما سبب هذا العجز المزمن الذي يضرب جهازا حيويا في إنقاذ أرواح المواطنين؟ وهل هو عجز طبيعي أمام “قوة قاهرة”، خاصة وأنه عجز يطال معظم الأجهزة والمؤسسات، أم حلة مُصغّرة لمرض مستشر ومتفش في جسد الدولة جراء الفساد الضارب والاستبداد المتمكن؟

السؤال أعلاه سيجد طريقه ليتوغل أكثر في العقول ليأخذ نصيبه من التأمل ثم البحث في الأسباب، حين نرجع فقط بأسابيع وننتقل إلى نواحي زاكورة حين كان أب الطفلة “دعاء” يصارع سم العقرب الجاري في دم صغيرته (4 سنوات) ويسارع الزمن ليصل إلى المركز الصحي النقوب، قبل أن يفرغ فاها، ومعه كل من سمع بالواقعة، أن المركز لا يوجد فيه المصل المضاد للسم، وأن عليه نقلها للمستشفى بمدينة ورزازات، قبل أن تقع الفاجعة المتوقعة بموت الطفلة وهي في الطريق. وهو الحادث الذي سيتكرر ما يشبهه في كل شيء تقريبا، حين سيفقد طفل (3 سنوات) من نفس المنطقة حياته بسبب أن ميزانية الدولة لا تكفي لتوفير الأمصال في مناطق المغرب البعيد “غير النافع”!!!  

لم تكن هذه الأحداث المؤلمة التي قضَّت مضجع المغاربة بتعدد أسبابها منفردة، ولا قليلة عابرة تقع في المغرب كما في غيره، بل إنها تزايدت في السنوات الأخيرة لترسم كابوسا متكررا، يتردد أمام الأعين والأسماع يوما بعد يوم، ليعلن فشل السلطات ومؤسسات الدولة في القضاء على هذه المشاهد، بل في أحايين كثيرة يبين فساد الدولة لا فشلها فقط وسوء تدبير مواردها من قبل حكامها في كل مستوياتهم، فيما يؤكد سياسة ممنهجة واحدة عمت وفشت في كل المؤسسات.

أقدار إلهية أم مسؤوليات بشرية

شكل حدث وفاة الطفلة “هبة” وهي تحترق في مشهد مؤلم مؤثر عاينه المواطنون وجاب مواقع التواصل الاجتماعي، واحدة من تلك الأحداث الأليمة، وأماطت اللثام عن استهتار الدولة بحياة المواطنين وكرامتهم حينما تصرف ملايير الدراهم في غير محلها، بينما وسائل حماية أمن الناس معطلة، أو متقادمة، أو متأخرة في أحسن الأحوال.

سؤال الحق في الحياة المفترض توفيره وحمايته من قبل الدولة، يعود إلى واجهة النقاش المجتمعي مع توالي الفواجع والحوادث التي لا تعزى فقط إلى عامل القدر، بل إلى مسؤولية العامل البشري في أول ملاحظة قبل تحليل المعطيات، التي تبين في كل واقعة تقصيرا واضحا في القيام بالمسؤوليات اللازمة؛ حماية أو إنقاذا أو علاجا، كما تبين إهمالا بينا لحياة الناس بتعدد أشكاله وصوره وأسبابه كذلك.

طالع أيضا  ساكنة آسفي تتضامن مع ضحايا فاجعة سيدي بولعلام بوقفة شعبية

لا يمكن الحديث عن الأقدار الإلهية في وقت تبدو فيه الأخطاء البشرية الملتحمة بالعقليات الفاسدة والمؤسسات الاستبدادية ظاهرة للعيان، في غياب لأي منطق يربط المسؤوليات بالحساب والمحاسبة، إلا ما كان من تحقيقات ذهبت بعيدة ولم تعد.

وفي الوقت نفسه لا يمكن الإغراق في الحديث عن الأخطاء عندما تؤخذ كل الاحتياطات المعقولة واللازمة، وتُربط المسؤوليات بالمحاسبة في خراج يجبر الأضرار ويعاقب المتورطين في أي تقصير، ناهيك عن المتورطين في قضايا فساد واستغلال للنفوذ نتجت عنه إضرار بالمصلحة العامة.

موت واحد وأسباب متعددة

قد لا تكون للأسباب المادية التي تُحدث هذا الكم الهائل من الفواجع قيمة، إلا أنها تبرز حجم الأزمات كما تبرز تعددها واستفحالها في كل المجالات وارتباطها بكل مفاصل الحياة العامة، لاسيما في ميادين الصحة والنقل والخدمات الأساسية.

حرائق وأمطار وتأخر الوقاية المدنية أو غيابها

إذا كانت بعض الأسباب ترتبط بنشوب حرائق، وتأخر رجال المطافئ أو عجز الوقاية المدنية أو تعطل أجهزتها كما في حالة “هبة” أو حالة “مي عيشة” و”أطفال طانطان” وبعض حالات المعطلين بالمغرب على مر السنوات، فإن بعضها الآخر يرتبط بسقوط منازل وعمارات سكنية كما وقع حين انهارت في البيضاء عمارة من أربعة طوابق منذ ثلاث سنوات، وسجل حينها أيضا تأخر الوقاية المدنية فتطوع مواطنون لانتشال جثة الضحية وإسعاف الجرحى والمعطوبين. أو بفيضانات عديدة وسيول جراء أمطار، فضحت اهتراء البنيات التحتية وجرفت معها أرواح المواطنين، وقد سجلت في ذلك حالات كثيرة في مدن الغرب والجنوب الشرقي ومناطق الأطلس الكبير والمتوسط كما في فيضانات أزيلال قبل أربع سنوات والعيون العام الماضي، وحادث وفاة الراعي “بعلي” العام الماضي كذلك، بعدما حاصرته الثلوج بمرتفعات جبل بويبلان بجبال الأطلس المتوسط لمدة تناهز الأسبوع، وغيرها كثير من الأحداث المشابهة التي لا تعرف تأهب الدولة لتحريك وسائل يملكها الشعب في الوقت المناسب لإنقاذ الأرواح وحماية المواطنين.

غياب اللوازم الطبية واستفحال الإهمال الطبي

وشكل غياب اللوازم الطبية والمستلزمات الأساسية في المستشفيات سببا آخر أودى بحياة العديد من الأشخاص، حظي البعض منهم فقط بالمتابعة الإعلامية كما في حالة الطفلة “إيديا” بمدينة تنغير قبل عامين، التي راحت ضحية غياب “السكانير”، وحالات كثيرة من النساء الحوامل، اللواتي فقدن حياتهن لغياب المستوصفات والمستشفيات في المناطق المعزولة والمهمشة بالقرى والأرياف، أو لغياب العناية اللازمة في مستشفيات المدن، وهو الأمر نفسه يقال عن غياب الأمصال المضادة للسعات العقارب والأفاعي كما في حالة الطفلة “دعاء” بضواحي مدينة زاكورة قبل شهر فقط وغيرها كثير.

ويتنامى سخط المواطنين على السياسة الصحية بالبلاد في وقت يكثر فيه الحديث عن رفع الدولة يدها عن هذا القطاع الحيوي، وتفويته للوبيات القطاع الخاص، لتستكمل المجزرة أركانها في برهان واضح عن عدم قدرة الدولة -أو تنصلها- عن الوفاء بالتزاماتها تجاه ملايين الأسر الفقيرة والمعوزة.

طالع أيضا  تقرير: المغربيات ضمن أكثر النساء تعاسة في العالم

أما عن حالات تأخر سيارات الإسعاف، كما حدث في منطقة تندرارة الواقعة بإقليم بوعرفة بالشرق يناير 2018 بعد وفاة طفل في حادث سير مأساوي، تأخر سيارة أدى إلى وفاة الطفل متأثرا بجروحه تحت عجلة الشاحنة التي دهسته؛ في حين لم يعرف يوما تأخر سيارات قوات الأمن بكل تلاوينه لقمع المحتجين في بلدة معزولة، ناهيك عن شوارع العاصمة والمدن الكبرى، التي تعرف مرابطة قوات الأمن والسيارات الحاملة لخراطيم المياه استعدادا لإطفاء “الحرائق” إلا التي تلتهم هموم المواطنين واحتجاجاتهم.

ولا تقف المعاناة عند تأخر سيارات الإسعاف فقط، بل تزداد الأزمة استفحالا بعدد الفواجع والوفيات التي تنتج عن الإهمال الطبي كما وقع في مدينة أوطاط الحاج بإقليم بولمان، سنة 2018 بعد وفاة مواطن بسبب الإهمال وغياب الأجهزة الطبية داخل المركز الصحي الاستشفائي أحمد بن إدريس الميسوري، وغيرها كثير.

حوادث السير

وشكلت حوادث السير جزءا آخر من المأساة التي دخلت بيوت الأسر المغربية، كما في حادث انقلاب قطار العام الماضي بمنطقة بوقنادل راح ضحيته مواطنون عزل، رغم إنذارات مواطنين نقلتها وسائل التواصل الاجتماعي حينها عن خلل ما، إنذارات لم تلق آذانا صاغية إمعانا في التلاعب بالأرواح. وكذا انقلاب حافلات نقل الركاب والعاملات الزراعيات اللواتي تشكل قضيتهن نقطة سوداء في سجل السلطات المغربية عن قضايا المرأة وظروف عملها المزرية، كما حدث في منطقة الغرب قبل أربعة أشهر فقط. دون إغفال الحوادث التي تنتج عن ضيق المسالك أو وعورتها كما في فاجعة “إيجوكاك” التي راح ضحيتها 15 مواطنا أطمرت سيارتهم بعد انهيار جبلي، وهو حادث يسائل الدولة عن الأموال التي تصرف في المهرجانات والمناسبات الهامشية بينما الطرق تجود بالفواجع يوما بعد آخر، إن في طرق المناطق الحضارية نتيجة سياسات طرقية يكثر حولها الحديث حول ضيقها وما تسببه من ازدحام وحوادث، أو في طرق المناطق القروية والجبلية والهوامش نتيجة الضيق الشديد أو الانحدار في غياب الصيانة اللازمة في مغرب القرن الواحد العشرين بما يفك العزلة عن تلك المناطق بعيدا عن الشعارات التي يتم استغلالها لمناسبات انتخابية أو سياسوية.

المعابر وآبار الموت والازدحام من أجل لقمة العيش

الحوادث التي ُيبْرز ترددُها قيمةَ المواطن المغربي لدى سلطات بلاده، تجرنا للإطلالة على معابر سبتة ومليلية المحتلتين التي لم تعد فواجعها تصدم أحد كل يوم، حيث يفقد الرجال والشباب حياتهم، وتفقد نساء كثيرات يصعب عدهن كرامتهن قبل حياتهن ازدحاما على لقمة عيش أريد لهن الازدراء من أجلها، كما في واقعة فقدان ثلاثة مواطنين شهر يناير 2018 منهم إمرأتان تمارسان “التهريب المعيشي” بالمعبر الحدودي باب سبتة، ناتج عن ازدحام شديد داخل معبر مليلية، وأصيب أخرون بجروح متفاوتة.

طالع أيضا  مواطنون يحتجون على تأخر القطارات.. والسككيون يرفضون التهم الموجهة لسائق قطار بوقنادل

الأمر نفسه ينطبق على فاجعة الصويرة بعدما جر طلب المساعدة 15 مواطنة بالمدينة إلى الوفاة، في مشهد يعيد إلى الأذهان فقر البلدان التي تعرف الحروب والأوبئة والمجاعات، ويُخرس المطبلين لمغرب العهد الجديد، ومغرب الاستقرار والتنمية.

كما تشكل الآبار التي تنهار في مدينة جرادة وتؤدي بحياة الأرواح الباحث أصحابها عن لقمة ممرغة في وحل المعادن، وفي غيرها من المناطق مثيلاتها نقطة سوداء في وجه السلطات، إذ يبرز هذا النوع من الحوادث عجز الدولة عن توفير بديل اقتصادي جاد للمواطنين، يحقق التنمية الحقيقية، ويرسي أسس العدالة المجالية، ويفضي إلى التوزيع العادل للثروة.

قوارب الموت

إذا كانت الفواجع داخل الوطن متوالية جراء سياسات فاشلة لمسؤولين ومؤسسات أُشربت وأشرب أصحابها ماء الفساد والاستبداد، فإنها -الفواجع- تمتد بامتداد خراج الفشل، وتدفع الآلاف من الشباب المغاربة للتبرع بجثثهم في البحر والمحيط بحثا عن النجدة من نيران “الحكرة” والفقر والتهميش، أملا في العبور إلى ما يعتبرونه بلاد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي تفتقر إليها “الضيعة السعيدة” في ظل السياسات الرشيدة.

الأشغال العمومية

وتمتد المساءلة لتصل إلى الأشغال التي تعرفها شوارع بعض المدن كما في حالة وفاة التلميذة “هاجر” العام الماضي بمدينة الخميسات، حيث لفظت أنفاسها بعد سقوط عمود للإنارة العمومية على رأسها، نتيجة اصطدام شاحنة تعمل في ورش تهيئة شارع ابن سينا الذي عرف جدلا كبيرا وسط الساكنة بسبب الخروقات التي شابت التفويت والإنجاز. وسبق مصرع هذه الفتاة وفاة شاب نتيجة صعق كهربائي من أسلاك عارية تركت بعد إزالة عمود كهربائي قرب ساحة العمالة، ومقتل شاب آخر إثر حادث مروري كان سببه انعدام الإنارة العمومية بنفس المدينة، وغير هذه الحوادث كثير بمختلف المدن المغربية كما في القرى رغم انعدام أوراش التهيئة فيها.

ختم للمآسي

بعد النظر في هذه الحالات وغيرها مما لم تصوره الكاميرات، ولم يكتب له أن تتداوله صفحات وسائل التواصل الاجتماعي ليكون في قائمة الأحداث، يتأكد أن بوصلة الأولويات في هذا البلد ضاعت ليحل محلها فقه المصالح الشخصية وتنمية الثروة الخاصة للمسؤولين ونفوذهم، والتنافس على المراتب الأولى وطنيا وعالميا في تكديس الثروة، وتحقيق الحياة المرفهة على حساب المآسي المتعددة والمتنوعة للمستضعفين المغلوبين على أمرهم، ويتأكد معها أن أسباب الإهانة تتعدد رغم كون النتيجة واحدة؛ هي هدر أموال الشعب في التفاهات واختلاسها، في مقابل إغفال الخدمات الأساسية، وإهانة كرامته بطرق أو بأخرى في وقت يجب على الدولة أن تسخر كل ما تملك من أجل صون هذه الكرامة وتحقيق عيش كريم للمواطنين، وهذا لن يتم إلا بالتوزيع العادل للثروة والقطع مع عقلية الريع والفساد والاستبداد، التي تشكل أم المهلكات وأس المطبات.