بقلم: عبد اللطيف العادلي

3- الانكسار التاريخي والسطو على مقاليد الدولة

سحب بساط الدولة من تحت أقدام جماعة المسلمين حامية الدعوة بقوة العصبية القبلية التي تغلغلت في دواليب الدولة منذ فترة الخلافة الراشدة مما أكسبها دربة في الإدارة والتعبئة وفي الحيلة والخديعة أيضا وما خدعتا (قميص عثمان) و(رفع المصاحف) إلا اثنتان منهما 1.

استبد الملوك العاضون بالحكم وغيبوا الشورى واتخذوا من العلماء المهادنين أعوانا زينوا بهم دولتهم، وتعرض آخرون لألوان من التضييق والتقتيل الممنهج كما حدث لريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي مع يزيد الأموي، وجبل السنة الإمام أحمد بن حنبل مع المأمون العباسي والمعتصم 2والأمثلة في تاريخ المسلمين تعد بالآلاف.

برز ضمن هذه السلسلة العضية الجبرية ملوك صالحون؛ كعمر بن عبد العزيز ومحمد الفاتح، لكن النظام الذي أفرزهم نظام فاسد، والسياق الذي ظهروا فيه لم يسمح لهم بإعادة ترتيب علاقة الدعوة بالدولة من جديد إذ سرعان ما عادت الأوضاع إلى ما كانت عليه من قبل.

وعبر تاريخ الإسلام تشكلت دعوات إسلامية تجديدية، منها ما كون دولة، من أمثلة ذلك دعوة المرابطين التي تمكنت أيام يوسف بن تاشفين من تكوين دولة إسلامية قوية استبشر بها الجميع، وعلقت عليها الآمال بعدما وحدت أجزاء واسعة من الغرب الإسلامي 3

كانت الفرصة مواتية لإعادة ترتيب العلاقة من جديد بين الدعوة والدولة، وذلك بإرساء حكم شوري قاعدته جماعة المسلمين لكن سرعان ما ذابت الدعوة الصافية في ماء الدولة العكر وذبلت معها آمال يانعة. يصور الأستاذ عبد السلام ياسين تطور هذه الدعوات ومآلاتها بقوله “دعوات مجددة يانعة تذبل. تجدد في الناس الثقة، وتكون مناط الأمانة. ثم يسوقها منطق لا ينفك من دوره أي بلاط ملوكي: اغتباط بالسلطة يرى المؤسسون الأقوياء الأتقياء أنه الوسيلة لإصلاح الفاسد، وإقامة العدل، وتقويم المعوج. ويرث جيل ناعم المال والجاه والقوة، فيستشري الفساد في الجيل الثالث والرابع، ثم يعشش الباطل في أوكار القصور، ويفرخ الاستكبار” 4.

طالع أيضا  الدعوة والدولة 1/6: افترق القرآن والسلطان

في هذا المنعرج الخطير تنقلب الدعوة رأسا على عقب، وهنا يكمن الخطر وهنا يبرز التحدي. هل بإمكان الدعوة أن تحافظ على وجودها وصفائها وقوتها واستقلاليتها؟ أم تذوب في الدولة فتنهمك في شؤون الهدف وتضيع المقاصد والغايات وتغيب المهمة الجليلة مهمة التبليغ والتربية والهداية والإرشاد؟

وللخروج من هذا المأزق الذي كلف الأمة الكثير واستنزف جهودها في غير الوجهة المطلوبة، لا بد من إعادة ترتيب العلاقة من جديد بين الدعوة والدولة والتماس صيغة مثلى للقاء بين أهل القرآن وأهل السلطان، يتموقع فيها كل واحد موقعه تخصصا ووظيفة.

4- ثنائية الدعوة والدولة في مستقبل الإسلام

يقصد بالثنائية بين الدعوة والدولة “وقوف أهل القرآن علماء الأمة بجانب مطالب العدل والاستقامة والخلق والدين عينا رقيبة من مكان عز القرآن وسيادته على السلطان، ليشتغل أهل السلطان الحكام مديرو دواليب الدولة وإدارة مؤسساتها تحت مراقبة يمارسها الشعب وتنطق بها الدعوة وتراقب وتحاسب” 5. هذه الصيغة مخالفة للصيغة التي تتيحها الديمقراطية للمعارضة التي تشكل جزءا من ماهية آلة الحكم بينما الثنائية المطلوبة هي “ثنائية من خارج النسق الديمقراطي ذي الشقين من حكومة ومعارضة، ثنائية لا تضع الدعوة بمقتضى الحكم أصابعها بين أسنان الدولاب فتنجر، ولا تدخل حلبة الصراع على السلطة الحكومية فتلبس لبوس السياسيين” 6.

إن ترتيب العلاقة من جديد بين الدولة والدعوة ونجاحها في أفق الإسلام يستوجب تجند الأمة كلها من خلال:

– إعادة الاعتبار لأولي الأمر من العلماء بإحداث مؤسسة متخصصة في الاجتهاد وتدبير الاختلاف.

– فتح المجال للدعاة والربانيين لإحياء الإيمان في القلوب والربانية في الأمة.

– بناء دولة قوية خادمة للدعوة وحامية لها منفتحة على التجارب العالمية مستفيدة من حكمة الحكماء وخبرة الخبراء متعلمة من كتاب العالم ماضيه وحاضره.

طالع أيضا  الدعوة والدولة 5/6: أهل العلم بين التقليد والتلبيس

– إلزامية الشورى في كل المؤسسات بقواعدها وضوابطها في سياقها الإسلامي الإيماني مع الاستفادة من الحكمة البشرية أنى وجدت.

– إمامة الأمة من خلال تقوية دور جماعة المسلمين المتحابة المتناصرة المتناصحة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر الداعية إلى الخير، لها السيادة العليا والقدرة الكاملة عبر مؤسساتها المختلفة على التدخل لإحداث التوازن المطلوب بين الدعوة والدولة وتوجيه السياسة العامة الوجهة المناسبة، وتشكيل رأي عام له وزنه وأثره في اتخاذ القرارات الحاسمة من قبل الدولة.

خاتمة

من المصائب التي أصبنا بها بعد الغزو الإمبريالي الذي استعمر الأرض والخيرات، مصيبة الغزو الفكري الذي استحمر العقول وزحزح الإيمان حتى أصبحنا لا نتصور تغييرا إلا على شاكلة التغيير الأوربي مما أحدث فهما ازدواجيا عدائيا بين الدعوة والدولة، وقد رسخ حكام الجبر هذا الفهم، وهذا ما يستوجب من الشعوب الإسلامية وعيا بطبيعة المعركة، ومما ينبغي  أن نعيه ونحن ننتظر موعود الله عزو جل الذي لا يخلف الميعاد وبشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، الوعي بضرورة الدخول في ولاية إيمانية جهادية مقتحمة لعقبات العادات الجارفة والذهنية الرعوية والأنانيات المستعلية، وبتعبير آخر لا بد من الوعي بالمنهاج النبوي والنسج على منواله تربية وتنظيما وزحفا، تربية تؤهل الفرد ليكون مهاجرا نصيرا جنديا مهاجرا في سيبل الله، وتنظيما يؤهل جماعة المؤمنين لتكون قوة يحسب لها حسابها في مستوى ما تتطلبه تحديات المرحلة. قومة تشارك فيها الأمة بوعي وبصيرة تنقض معاقل الظلم وصروح الباطل برفق أهل الإسلام ورحمة أهل الإيمان لتؤسس صروح الخلافة الثانية على منهاج النبوي، لتبتدئ رحلة جديدة من رحلات الدعوة، رحلة تبليغ الإسلام للعالمين والوقوف بجانب المستضعفين المفقرين حتى يأخذوا حقوقهم المسلوبة التي سلبتهم إياها دول الاستكبار العالمي.

طالع أيضا  الدعوة والدولة 6/6: 'أكره أن أدنسهم بالدنيا'

دون تحقيق هذه المطامح أشواط وجهود، ولكل مرحلة أهدافها ومقاصدها وغاياتها، ومن التحديات الملحة في زمننا على كل مسلم غيور صادق بناء جسور الثقة والتواصل، والسعي من كل جانب للاجتماع على ميثاق جامع على أرضية إسلامية يدخل فيه من شاء ويخرج منه من شاء على ملإ من الناس في واضحة النهار.


[1] حسن ابراهيم حسن، تاريخ الإسلام، الجزء الأول، دار الجيل، بيروت، ط: 13، 1991، ص: 218-219.
[2] عبد العزيز البدري، الإسلام بين العلماء والحكام، دار الكتب العلمية، بيروت، ص: 1997، 166 وما بعدها.
[3] عبد الله كنون، يوسف بن تاشفين، مطبعة فضالة، ط: 2، ص: 57.
[4] عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1996، ص: 263.
[5] كتاب العدل، م س، ص: 569.
[6] نفسه، ص: 569.