“آيات ومعاني” سلسلة تدبر قرآنية تنشرها قناة الشاهد الإلكترونية، من إعداد وتقديم الأستاذ يوسف السايحي. في الحلقة التي بين أيدينا يكمل السايحي استنباط معاني الآية 28 من سورة الكهف وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، ويقف مع الجزء وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، بعد أن كان قد ذكر  في الحلقة السابقة بصفات هؤلاء الذين أمر الله تعالى نبيه بالصبر معهم.

“بعد أن نزلت هذه الآية على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يلتمسهم، فوجد قوما من صَحْبه من أهل الصُّفَّة؛ منهم ذو الثوب الواحد ومنهم جاف الجلد، قوم فقراء كانت لهم سقيفة في آخر المسجد، كانوا معبئين للجهاد مع رسول الله، وكانوا لا يفترون عن ذكر الله”، يقول السايحي ويضيف “فعندما وجدهم صلى الله عليه وسلم جلس معهم وقال: “الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني ربي أن أصبر نفسي معهم” وقال قولا جميلا: “معكم المحيا ومعكم الممات””.

ويستنبط المقدم من الآية المذكورة ضرورة الصحبة وآثارها في السلوك إلى الله تعالى قائلا “لاشك أن الابتعاد عن هذه الصحبة، سواء من الصحابة أو الذين ورثوا هذا النور عنهم، لمن امتلك مثل هذه الإرادة، سم قاتل. يقول الإمام الرفاعي رحمه الله تعالى “صحبتنا ترياق مجرب، والبعد عنا سم قاتل””.

ويسترسل مفسرا “هذه الآية تذكر مجموعة من هذه السموم التي تصيب من يبتعد عن طاعة الله وصحبة أهل الله، قال عز وجل في النصف الثاني من الآية: وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، وعبر سبحانه وتعالى عن هذا بالعدو وهو مجاوزة الحد في كل شيء.. فكأن هذه النفس محبوسة تنتظر أول فرصة لتعدو.. فإذا عَدَت كان أول من تعدو عليه هو صاحبها”.

طالع أيضا  المحبة الصافية الطاقة المؤثرة

ويزيد باسطا هذه السموم الناتجة عن ترك صحبة الصالحين وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، يقول أهل التفسير أن هذه الجملة “تريد زينة الحياة الدنيا” جاءت في موضع الحال، بمعنى أنك لا تترك طاعة الله ولا تترك صحبة أهل الله إلا وحالك مريد للدنيا، وصدق من قال “حب الدنيا رأس كل خطيئة”، فلا يترك الإنسان طاعة الله إلا بعد أن يتسلل إلى قلبه حب الدنيا لأن حب الدنيا وحب الله لا يجتمعان.

و”زينة الحياة الدنيا” تعني الدنيا وتعني كذلك – كما يقول أهل التفسير – الغافلون، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد طلب منه أشراف قريش إن أراد أن يجالسهم أن ينحي عنه أهل الصفة ففكر الرسول، خدمة للدعوة، أن يجلس معهم لوحدهم، فنهاه الله تعالى عن ذلك وسمّى كبراء قريش “زينة الحياة الدنيا”، فنفهم أن صحبة الغافلين هي صحبة لزينة الحياة الدنيا”.

وزيادة في الإيضاح يتساءل السايحي: “وماذا تفعل بك الدنيا؟” ليجيب: “أول ما تخسره إذا تركت الصحبة الصالحة أن تنزل من الإرادة العالية إلى الإرادة الدنيا؛ كان يريد وجه الله فأصبح يريد زينة الحياة الدنيا، ثم تأتي الخطوات الشيطانية، بعضها يسوق إلى بعض؛ اتباع الغافلين وإطاعة الهوى، والهوى لو سلط على الكون لشتت أجرامه ولأفسد نظامه، انظر ماذا قال عز وجل عن فعل الهوى في الكون: لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، فما بالك بهذا الإنسان عندما يدخله الهوى، لاشك أنه يفسد كل شيء، ولذلك قال عز وجل “وكان أمره فرطا”، يقال انفرط العقد بمعنى تشتت جواهره ودرره، فالإنسان إذا غاب عن طاعة الله واسترسل في حب الدنيا تشتت أمره، وَضعْ تحتها ما شئت من الأسطر؛ شتاتا روحيا.. شتاتا عقديا..  شتاتا ماديا.. شتاتا في كل شيء، لا يجمعه إلا الرجوع إلى الله وصحبة من يجمع أمرك على الله”.

طالع أيضا  آيات ومعاني | وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ