لعل المتفحص الموضوعي لواقعنا المعيش وعلاقاتنا الأفقية والعمودية سيصدر، لا محالة، حكما أو لنقل انطباعا، مفاده ابتعادنا الكبير عن سلوك وأخلاق وآداب وتنظيم وانضباط أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأحوالهم في المنشط والمكره، بل سيشعر بحرج كبير أمام هذه القامات الشامخة ورعا وزهدا، انضباطا وسلوكا، أخلاقا وتنظيما، أمانة وعدلا، نصيحة ونصرة… بل سيجعل مجرد تشوفه أو طمعه في وجود نماذج ورعة منضبطة في ظل المغريات والعقبات النفسية والآفاقية والفتن الظاهرة والباطنة حلما، بل وهما وخيالا.

كان المسلم زمن الجاهلية الأولى مطالب بمزايلتها، ما دامت تدعو إلى الكفر والشرك، أو تتنافى ومكارم الأخلاق والقيم النبيلة، وفي مقابل ذلك يبحث لنفسه عن بيئة صالحة تعينه وتشد من عضده وتقويه لتغيير هذه الجاهلية وفق شروط الزمان والمكان المتاحة آنذاك.

فكيف يا ترى ستكون مزايلتنا لباطل وعنجهية ومكر ونفاق وكذب أهل زمننا؟ أتكون بالهروب والفرار والانعزال؟ أم أن الأصل المخالطة والمعاشرة والصبر على الأذى وتجسيد النموذج المغيب نتيجة قرون العض والجبر والاستبداد؟

لا شك أن المزايلة، هنا، تعني التميز بروح وسمت وانضباط وسلوك الورع والزهد في المعاملات الفردية والجماعية والوظائف والأسواق والسياسة والاقتصاد و… مشيا في الناس بالرحمة والكلمة الطيبة الحانية المطمئنة المبشرة المتوددة التي تفيض ورعا وزهدا 1، وإلا فإن ذئبية 2 كل واحد منا تتربص حرصا على العلو والظلم والبطر والسمعة والأنانية… وقد تستحوذ علينا مكشرة عن أنيابها طمعا وحرصا على المنصب والمال، فلا يضيرها إن سحقت وسحلت وطحنت وسجنت وفسقت وشوهت وطردت وطاردت وفقرت و… باسم القانون كل مزدر لمنطقها واختياراتها 3.

إنني إذا لم أرع في أخي الإنسان عموما إلا ولا ذمة ـ فكيف إذا كان مسلما؟ ـ ولم أراقب الذي فطرني والذي سيبعثني ليوم لا ريب فيه ويوقفني بين يديه مساءلة: حسابا وجزاء، فابحث عني، حينها، وستجدني مشدوها منبطحا منكسرا أمام بريق المال العام السائب، كبرت قيمته أم هزلت، من الطبشورة والإبرة وأدق منهما… إلى استغلال هاتف الإدارة وسياراتها في الأغراض الشخصية، واللعب بفواتير البنزين، وحمولات الرمل والدقيق، وتفويت الأراضي بدراهم رمزية، وحرمان آلاف الأسر من مصادر عيشها… والذهب والميزانيات والصفقات والأظرفة وهلم جرا.

ابحث عني، أطاوع نفسي، وأمد يدي حرصا على جمع المال وكسب الجاه، بدعوى ارتفاع مستوى العيش وتحسينه، وتسديد نفقات دراسة الأولاد في المدارس الخصوصية والمعاهد، ونفقات البيت والزوجة، وتغيير السيارة والسفريات، ولم لا؟ الانتقال من العمارة حيث رعاع الناس إلى الرياض و”الفيلا” حيث الكبراء والسادة من رجال المال والسياسة والجاه.

طالع أيضا  النموذج النبوي في الزهد

ولا غرابة إذا استعليت منصبا من المناصب، فسيكون همي الأول نفسي وأقاربي وإرضاء متطلبات الزوجة، ثم الطوفان والجراد والقمل والضفادع على غيري، ولا مشاح في الألفاظ عند أخذ “قهيوة” أو تلقي تعليمات هاتف، فأصدر الأحكام الجائرة القاتلة المشتتة المدمرة للأفراد والجماعات، ولا أبالي، بل أزهو بمنصبي منتشيا فرحا، تأخذني العزة بالإثم، كيف لا؟ وقد عدت سيدا بعد أن كنت وضيعا في قريتي، حيث مزقت مسامير الحذاء وأسلاكه قدمي، إن كان لي حذاء أصلا، بل كنت عريانا محتقرا بين الأقران لا يؤبه بي، يعيرونني بأقبح الألفاظ وأرذلها و… إذ لم أكن يوما نجيبا في دراستي، فهذه فرصة العمر، آن الأوان ليرى الكل زندي، أن ابن كذا وكذا… قد أصبح ذا شأن وذا أمر ونهي.

وأما المكتب العريض الطويل الذي سيغشاه الأغنياء والساسة ورجال الأعمال، راغبين طالبين الرضا والود، فلن يحظوا بابتسامة عريضة إلا حسب العطاء والمدح للشخص المعظم والمبجل، ولا يؤبه بالضعفاء والفقراء والمشردين المنتشرين كالجراد على الأرض، وذوي المظالم والحاجات، إلا من قدم الأعطيات تلو الأعطيات عند الأعتاب، وذرف عند الباب الدمع الغزير، ومدح ومجد ثم ركع خاشعا متوسلا، أو باع الشرف والعرض في سوق النخاسة لعله يحظى بشتيمة أو سبة أبد الدهر.

فلا ضير، إن فعلت ذئبيتي ما فعل ويفعل بها، تزبد وتربد ثم تعربد وتشتم الملة والدين والوالدين، لا حرمة لكبير ولا حياء من امرأة، ولو كانت الأم، تتهم المسكينة بالخرف والهرم وهي تبتلع ريقها حسرة على تعبها حملا ورضاعة، بل متعجبة من نكران الجميل وخائفة على مصير ابنها أمام إغراء السلطة والجاه والزوجة والمال والولد.

ابحث عني، وستجدني منتشيا حيث الصفقات والعقارات و”الفيلات” وتفويت الوظائف لمن لا يستحقها من ذوي القربى والأصهار والقربات، المهم ألا يمر العام إلا وقد امتلأ البيت مالا، فالكل يفعل ذلك، سأكتب للزوجة والبنات الأرصدة والعقارات، وأترك قليلا من المال أو عمارة باسمي حتى لا أثير الشبهات، والباقي أخزنه لشراء الذمم أو لكراء غرفة مريحة تليق بالمقام في السجن لذر الرماد في العيون وإخماد الزوبعات، ثم أعود إلى عادتي القديمة وقد انتفخت أوداجي شحما ولحما، كيف لا وقد كنت في فترة نقاهة وأخذ وهات.

طالع أيضا  الزهد والورع عند الصالحين

ولا تيأس إذا رأيتني أتلذذ في المنع والتشميع وطرد الأطباء وتوقيف خيرتهم من المستشفيات العمومية والكليات، وأدفع آخرين، عنوة وإمعانا في الذل إلى الاستقالات، وترك الوظيفة لبيع العام إلى الخاص وضمه إلى باقي الشركات والعقارات، وأنشر الرذيلة بموازين وأصرف المليارات على المغنيات، وأترك الحوامل تلدن في الطرقات وأنا أسمع الآهات والزفرات، والصغيرات يمتن بلسعات العقارب والحيات، وأهرب الأموال والذهب أمام أعين العالم على الطائرات، ومن سولت له نفسه منكم الإشارة بكلمة يحسبها حق، كان حظه الطرد والإعفاءات وتلفيق التهم والمحاكمات.

ابحث عني، لكن لا تقترب، فأنا الطاغوت المستبد، كما يحلو لكم أن تسمونني، لا أطيق رأيا غير رأيي 4، وأجدد لنفسي الأبهة المستعلية التي تباركها الفئة المستفيدة يوم القداس لتقتات على الفتات، أذيقها ذلا وأرغمها على ترك المبادئ والركوع قهرا، وتقديم التنازلات بعد التنازلات، لأسلمها حقيبة بها قلما وورقة فارغة بيضاء، ثم آمرها بملئها وتسويدها زورا وبهتانا وإشاعات، ومباركة الميزانيات والتصديق على الصفقات، فتستجيب ذليلة، بل تجتهد لعلها تنال بعض الأعطيات.

يا صاح: انظر حواليك، فلان وفلان وفلانة وفلانة، في ظرف وجيز، حقق وحققت ما لم تحققه أنت منذ ثلاثين سنة من الكد والتعب والصدق والزهد والورع والآهات، تحلم وتحلم، انظر ماذا جنيت، لا سيارة مريحة لديك، ولا بيت ولو ضيقا يؤويك، ولا أرصدة بنكية تحميك، ولا أولاد في المعاهد العليا يسندوا ظهرك، لم يتغير ملبسك وأكلك، ولا زال أبوك يشحت كما كان، وأمك تعمل خادمة في البيوت ذليلة حقيرة بين النساء، هذه فرصة لا تعوض لتحسين الأوضاع والتمتع بما لذ وطاب من حسن وجمال وملذات الحياة.

يا صاح: لا تتفاجأ، بعد ذلك، إن رأيتني أتقمص شخصية القديس الورع والزاهد ليس كباقي الشخصيات، وأرتدي زيا صوفيا أشرف على التربية والتعليم وأتكلم بلغة الصلاح وأفسر المنامات، وأصطنع السمعة والكرامة والحُرمة كالقداس أوزع البركات، إنما هو باب آخر لجمع المال والمنح و”الكريمات”، بسخاء، من الواردين السذج وأعطيات الحكام والهبات، كيف وهم ينالون البركة بعد مباركة ظلم الأسياد للعبيد بالصمت على انتهاك الأعراض والحرمات، فيحيطونني بالهالة والعظمة وأنا لو كشف الحجاب لرأيت ذئبين في ذئب شديد الافتراس والعض والجبر 5 واتهام أهل الفضل والصلاح والزهد والورع بالخرافات.

طالع أيضا  الورع والزهد في زمن الفتنة (3)

أيها الراشدون: أيعقل في نظركم أن أضحي بالمنصب والجاه اللذين يذران علي المال والمكانة والحظوة بين الناس من أجل “سخافات”؟ فهذا زمن “إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب”، فكن شرسا نهما بذئبيتك إذا عاشرت ذئبا شديد المراس عند الصفقات.

أيها الذئبان الجائعان كفاكما فسادا، تذكروا يوم الحسرات، لقد قتلتما كل النعاج، ولم تتركوا للفقراء إلا دموع التماسيح التي تتحين فرصة الانقضاض على الفرائس وما لذ وطاب من البقرات الحلابات.

أيها الذئبان الجائعان كفاكما فسادا وظلما وجورا، نهشا وفتكا، أقمتما المحاكم بعد أن تحكمتما في القضاء رشوة وزجرا، وحرصتما على جمع المال تكديسا وأحببتما الجاه والسلطة والجمع بينهما تقديسا وعلوا، فعدتما بعد وداعتكما أشد فتكا وظلما وجورا ودهسا، كم من مقهور رمي في الزنزانة ظلما، وهضمتما حقه في الحرية قهرا والحياة، وكم من ظالم ناهب للمال العام يصول ويجول في دنيا الناس مهددا ومتوعدا، وإن ثارت حوله ضجة أسكتها ببعض الركيعات، وقد أصممتما آذانكما عن كل ناطق بالحق استهانة وذلا….

لله ذرك يا وطني كم جرحا أدمى معصميك وما عنفت أو خربت، إيمانا منك بالسلام والأمن جمعا وشملا، ونصر من الله قريب حقا.

أبشر يا وطني بالرعاية الورعة الخائفة الوجلة لحرمة الشرع وأمره ونهيه 6، أعلم أنك قد تعبت من تجار الكلام وأوهامهم وعرض الزور وبهتانهم 7، لكن ثمة ثمن نقدمه جميعا لإصلاح ما أفسدوه، فأبشر… أبشر… أبشر.


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص: 264.
[2] المعنى مأخوذ من حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، سنرجع إليه، إن بقي في العمر بقية، في الجزء الثالث من هذه السلسلة.
[3] عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، ص: 887.
[4] نفسه، بتصرف.
[5] عبد السلام ياسين، الإحسان 1، ص: 434.
[6] عبد السلام ياسين، الإحسان: 116.
[7] عبد السلام ياسين، المنهاج: 234.