ماهي التؤدة؟

“هي الخصلة الخلقية السياسية الاستراتيجية التي تفصل بين العمل المرتجل الانفعالي وبين العمل المخطط المحكم. خصلة امتلاك النفس، والصبر على طول الطريق ومشقة العمل، والتريث حتى تنتج الثمار” 1.

“التؤدة صبر ورفق وطول نفس، وتحمل للأذى، أولئك الذين يحبهم الله ويحبونه، قوم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين” 2.

التؤدة خصلة من خصال النبوة، فقد كان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس علم وحلم، وكان صلى الله عليه وسلم ملاذا للرحمة والمحبة والأمن، وكذلك كانت مجالس خلفائه ومواقفهم رضي الله عنهم. “فمن يحاول تغيير المجتمعات المفتونة لا بد له أن يتقدم إلى الميدان وله من القدرة على مواجهة الواقع المكروه، ومن قوة ضبط النفس، وقوة الصبر والتحمل، وقوة الصمود والثبات على خط الجهاد مهما كانت القوى المعادية متألبة. إنما يستطيع أن يربي جيل الإنقاذ رجال لا تستخفهم نداءات الباطل، ولا يلعب بهم الهوى، ولا يتحركون على الظن والهواجس” 3.

والمؤمن الذي يتحلى بالتؤدة هو الذي يقف موقف الداعية، الذي لا يثنيه عن غايته وأهدافه تنكر الناس لدعوته وإذايتهم له. ذلك هو الموحد المتوكل على ربه، الواثق به، يتحمل مسؤوليات الدعوة، فلا يندفع مع متحمسة الدعوة ليشعل الفتنة مع دعاة الإلحاد، ولا مع مشاغبي الحزبية، ولا مع مكفري المسلمين، يعرف أن المسيرة طويلة، والعقبة كأداء، والإقتحام يطلب قوة الإيمان، وشدة المراس، والثبات على الصراط المستقيم.

ثلاث عقبات في طريق الدعوة تحتاج إلى تؤدة

هناك عوامل كثيرة تؤدي إلى زعزعة مسيرة الدعوة، وتدفع إلى التشكيك في أهدافها وتثبيط عزائم أصحابها:

1-    ميراث الفتنة وخلافات الأجيال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل” 4.

يا ليت لنا إيمانا فطريا نقول لا إله إلا الله فترفعنا إلى أعلى شعبة ونفلح، لكن هناك هذه المخلفات الفتنوية من الخلافات المتراكمة عبر القرون، تحتاج معالجتها إلى صبر وسعة صدر وارتفاع أفق.

طالع أيضا  الهدي النبوي في التؤدة

2-    طبيعة الشباب وهم صفوة جند الله وعماد المستقبل.

قد تخيب آمال بعض الشباب الطاهر لاكتشاف مربّ قليل البضاعة من العلم، أو للإطلاع على نقص في الأخلاق والإيمان فيمن كانوا يعظمونهم من الدعاة، أو لمجرد ملل يعتريهم، أو فترة من الشرة الأولى والحماس المشتعل عند البدايات.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لكل شيء شرة (الشرة الحماس والاندفاع)، ولكل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب فارجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه” 5، أي إن استمر بعد الحماس الأول بخطى ثابتة فأرجو فلاحه. أمّا إن كان يطلب الظهور والرئاسة فلا تعدوه من الرجال. فترة العنفوان مهبّ للرياح والأهوية من داخل وخارج. وتنبغي العناية بالأشبال، وحوطهم من الآفات، حتى يشتد عودهم، وتكمل رجولتهم. وما ريح الخلافات في التربية والتنظيم وتعدد الحركات إلا واحد من عوامل الاستحفاف.

3-    طبيعة العمل الإسلامي وسط الفتنة: إنها نادرة تلك الشخصيات القوية التي تثبت في الميدان، وتتألف، وتكون جماعة صامدة تجذب بتآلفها العناصر الأقل قدرة، وتثبت العزائم بمثال ثباتها. لاسيما والأذى من كل جانب موجه إلى من يريد أن يغير منكر الظلم، ويفطم الناس عن مألوفهم، ويناديهم لتحمل المسؤوليات، وإنجاز المهمات، بدل النداء المستخف الذي يغنيهم نشيد الاستقرار، ليناموا ويخضعوا، ويعدهم الغرور ويمنيهم.

فليكن هدف تربتينا إخراج رجال ونساء يضربون لغيرهم المثل بالثبات على الخطوب، خاصة وأننا نعيش في آخر عهد الضلالات الفتنوية إن شاء الله تعالى. لكننا لا نزال في خضمها. وأكثر ما يستفحل لهب الشمعة قبيل انطفائها، وأكثر ما تشتد الجاهلية على الإسلام قبيل بزوغ شمس الهداية والنصر. تقذفنا الجاهلية بإعلام الجدل والتضليل، وعوامل الاستخفاف والتشكيك، فنتلقى الضربات المتتالية والحملات المسعورة من العدو والأخ. فصبر جميل والله المستعان.

طالع أيضا  الهدي النبوي في التؤدة

منارات على طريق التؤدة

من أخطر المزالق التي تتهدد جماعة الدعوة أن تتضخم الأعداد على حساب النوعية، ومن أخطر الآفات التربوية والتنظيمية شرة الوارد المندفع، ونشوة الحركي الذي يبدد جهده في فورات ثم يخمد. والتؤدة تقتضي أن يكون العمل محكم البناء واضح الأهداف والخطوات:

1-    التدرج في الخطوات: لا ننتظر من التنظيم أن يحمل عبء الدولة قبل أن تشتد أركانه، ويحصل على التجربة الكافية، ويعد الكفاءات اللازمة والبرامج المدروسة. فمما يستخف التنظيمات الثورية اغترارها بحجم عددي، يخيل إليها معه أنها قادرة على خرق السدود وتشييد الأحلام. فتدخل في مغامرة تغرقها وتغرق الشعب معها 6.

2-    التدرج في التربية: التربية معالجة لمادة إنسانية، وشخصية لها ماض، وبيئة إجتماعية، واستعدادات. هذه المعالجة تريد من النقيب المربي حلما كثيرا، وصبرا ومداراة، وتنويعا في أساليب التأثير، ومخالطة المؤمنين في بيوتهم وأعمالهم، وفي الرحلات والسياحات، نصبر على ذوي الاستعداد الطيب السنين حتى ينضجوا ويتحول حماسهم وحركتهم الفارغين إلى صبر مع المؤمنين، وثبات على الحق، قال الله تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون 7 إشارة إلى أن الخصلة العظمى التي أهلت رسل الله للإمامة هي الصبر والثبات على الحق 8.

3-    متابعة الأعمال والقرارات: هناك خيار بين الحل العنيف المبني على الحماس واستعجال النتائج، وبين الحل المتئد المتدرج الصبور، الذي يعمد إلى النفوس فيعالجها بالتبشير والتخويف، بوازع القرآن ووازع السلطان، حتى تقتنع وتشارك وتتعاون على البر والتقوى، وكل هذا يقتضي متابعة ومراقبة ومحاسبة، وكل قرار اتخذ، أو عمل خطط، يعين المسؤولون عنه، و تحدد مواصفات الإنجاز وحدوده في الزمان والمكان والمقدار والكيف. فما نجاح أي مشروع أو خطة إلاّ بحصيلة من الإنجازات المسؤولة 9.

4-    الصبر مع المؤمنين: قال الله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون 10 وقال أيضا: والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس. أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون 11.

طالع أيضا  الهدي النبوي في التؤدة

الأمر صدق ووفاء بعهد ثقيل مع الله عز وجل، يمتحن بالتجربة وبرهان الصدق من يستطيع أن يتحمل ثقل الأمة وأعباء الدعوة ويستمر حتى النهاية. وتتضاعف قوة التنفيذ إن اجتمعت قوة الشخصية مع الروح الجماعية، المبنية على بركة الشورى والصبر مع صف المؤمنين.

5-   الرفق والأناة والحلم ورحمة الخلق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله” 12. أُمِرنا بالتيسير والتبشير، وأن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في حلمه وأناته، وصبره وتحمله، وشفقته على الخلق حتى يحبونه ويحبون الله فيدخلون في دين الله أفواجا، وينخرطون في موكب الدعوة إلى الله.     


[1] مقدمات في المنهاج: الطبعة الأولى: 1989 – ص. 83.
[2] رسالة تذكير: الطبعة الأولى: 1995 – ص. 24.
[3] المنهاج النبوي: الطبعة الثانية: 1989 – ص. 288.
[4] رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم.
[5] رواه الترمذي بسند صحيح.
[6] المنهاج النبوي: الطبعة الثانية – ص. 293.
[7] السجدة، 24.
[8] المنهاج النبوي: الطبعة الثانية – ص. 293.
[9] المنهاج النبوي: الطبعة الثانية – ص. 294.
[10] البقرة، 45-46.
[11] البقرة ، 177.
[12] رواه الشيخان عن أمنا عائشة رضي الله عنها.