بعد حادثتي قتل مواطنين من طرف مفتش للشرطة في الدار البيضاء وكذلك ما وقع للشابة حياة بلقاسم من قبل التي اغتيلت بدم بارد في شواطئ المتوسط، يمكننا القول أن التعليمات التي صدرت للأجهزة الأمنية مؤخرا بخصوص التوسع في استخدامها للسلاح الوظيفي قد وجدت طريقها نحو التفعيل، وأن المغاربة سوف يعتادون مستقبلا على سماع لعلعة الرصاص في شوارع وأزقة مدنهم، لكن وخلافا للمزاعم التي سيقت لتبرير هذا التصعيد بذريعة الحفاظ على أمن المغاربة، فإن الحالات التي أمامنا تقول عكس ذلك وهي لا تبشر بخير.

قد يرى البعض أن هناك مبالغة في التفاعل مع هذه الحوادث وأن دولا ديمقراطية عتيدة يقع فيها من حين لآخر مثل هذا التسرب، وهو مقبول في ظنهم ما دامت الغاية الأسمى هي توفير الأمن والأمان في ربوع الوطن، والحقيقة أن هذا عذر أقبح من ذنب واستخفاف بأرواح المغاربة، فالحالات النادرة التي تقع عند الدول الغربية يقابلها سخط عارم من طرف شعوبها، ولولا ذلك ما تم لجم الأجهزة الأمنية ولتوسع هامش الخطأ عندهم، ذلك أن السلاح يشعر حامله بالانتفاخ والاستعلاء على الغير حتى لو انتمى إلى دولة ديمقراطية، ووحدها يقظة الشعوب من تضبط ذلك التغول السلطوي وتعيده إلى نصابه.

هذا في حالة الهامش الضئيل الذي يفترض ألا يلتفت إليه حسب منطق بعض المستهترين، أما أن تكون حالات استخدام السلاح الناري بشكل سلبي هي الغالبة، فإننا بصدد كوارث يراد لنا أن نتطبع معها حتى يتحول إزهاق أرواح المغاربة دون موجب حق إلى أمر عادي نمر عليه مرور الكرام. 

المؤسف أن فكرة استعمال السلاح الناري من طرف الأجهزة الأمنية تحظى بتأييد فئات من المغاربة التي لا تقدر تبعات موقفها ذاك ولا تدرك أن ذلك سينقلب عليها على المدى البعيد، وحجتها أن هذا الانفلات الأمني الرهيب وتزايد حالات الاغتصاب والاعتداء على الأطفال وعمليات السطو لن يجدي معها إلا القبضة الأمنية المشددة حتى لو أدت إلى قتل المعتدين.

طالع أيضا  الحق في السكن من وجهة نظر الأوفاق الدولية

طبعا نحن لا نختلف معهم في وجوب التشدد مع كل من يعتدي على المغاربة ويروعهم في آخر ما تبقى لهم في هذا الوطن وهو أمنهم واستقرارهم وسلامتهم المادية والجسدية، لكن يحق لنا كذلك أن نتساءل عن مدى نجاعة الإجراءات الأمنية المعتمدة اليوم لتحقيق هذا الهدف.

الواقع أن المشكلة الأمنية في البلاد مفتعلة عبر حالة الانسحاب التدريجي المقصود الذي باشره الجهاز الأمني المغربي بتخليه المتعمد عن جزء من واجباته ومسؤولياته، حيث أن الأمر ليس ناجما عن عجز الأساليب المستخدمة، غير المفعلة بالشكل الكافي، في مواجهة الجريمة المتنامية كي نستدعى أساليب أكثر قسوة، فبعد أن تعالت أصوات المغاربة المطالبة بالكرامة وبالعيش الكريم آثر النظام المغربي أن يرجعهم للوراء حتى يبتزهم بأمنهم ويلهيهم عن مطالبهم تلك في ممارسة انتقامية واضحة.

الأمثلة أكثر من أن تعد في هذا السياق، فالانفلات الأمني لا يسجل عادة في أحياء الأغنياء أو في المناطق السياحية أو في المناطق التي تكتسي عنده الأهمية حتى لو كانت تضم أحياء شعبية، ذلك أن تحقيق الأمن فيها يحظى بأولوية قصوى ولا يحتاج إلى إطلاق النيران أو خلق أجواء من الرعب لتحقيقه، كذلك فإننا نسجل انتقائية في التعاطي مع أحداث العنف لا سيما عنف الملاعب فقد أظهرت الأجهزة الأمنية قدرتها على ضبط الجماهير الكروية في الوقت الذي تريد، وحين تريد للجماهير أن تفترس بعضها البعض فهي تمارس الحياد السلبي وتكتفي بالتفرج إلى حين. 

لذلك فقبل الحديث عن الرصاص الأولى أن نطالب السلطة باستنفاذ وسائلها الحمائية والردعية فهي لا تعدم الوسائل والآليات لتفعيل ذلك لو أرادت، بل إنها تتساهل مع الظاهرة عبر التوسع في آلية العفو التي أغرقت البلاد بعتاة المجرمين من ذوي السوابق وهي كذلك تسكت عن تفشي الحشيش والمخدرات في أوساطهم، والأسوء أن أولئك المجرمين وغيرهم تركوا ليشكلوا عصاباتهم على أعين السلطة حتى أصبحوا بمثابة جيش مخزني احتياطي لها يستدعى للنيل والاعتداء على عدد من حركات الاحتجاج السلمي، الشيء الذي وفر لها الحماية وشجعها على تكثيف أنشطتها الإجرامية.

طالع أيضا  في ذكرى توقيع اتفاق 26 أبريل 2011

ثم إن السبب الذي جعل أمن عدد من الدول الغربية يستخدم الرصاص هو أنه يواجه أطرافا مسلحة بالسلاح الناري ومافيات عالية التدريب والتجهيز، فيما أن شرذمة اللصوص وقطاع الطرق البدائية التي عندنا لا تستعمل غير السلاح الأبيض والتي تعرف أماكن تواجدها ومجالات تحركها، فهي لا تشن غاراتها انطلاقا من مغارات في غابات جبلية وعرة أو عبر أنفاق تحت الأرض حتى تعجز السلطة عن مواجهتها فتضطر للاشتباك معها بالرصاص، حيث يسهل اصطياد عناصرها حتى قبل أن تفكر بالشروع في أي اعتداء تماما مثلما تروج السلطة حين تعلن تفكيك خلايا إرهابية، دون حاجة لإطلاق رصاصة واحدة عليها.

وحتى إن سلمنا بضرورة إطلاق النار في حالات خاصة جدا، فلماذا إصرار بعض عناصر تلك الأجهزة على توجيه إصابات قاتلة لأهدافها، والمصيبة أنها تطرق العنوان الخطأ عنوة فيما أن العصابات الإجرامية التي يظن عدد من المغاربة أن التصعيد المخزني جاء لمحاربتها يسرحون ويمرحون دون أية إجراءات ردعية حقيقية ضدهم.

إن السلاح الناري لن يكون مصيره إلا كمصير “الزرواطة” سلاح المخزن الخالد التي لا تطال في الغالب إلا المحتجين والمدافعين عن حقوقهم، لأن العقلية الأمنية لم تتغير ولأن الأيادي التي ستمسك به هي نفس الأيادي التي تمسك بها أيادي عابثة غير أمينة على أمن المغاربة.

فلا ينبغي إذا للمغاربة أن يتوهموا وأن ينتظروا شيئا من جهاز أمعن في قهرهم وفي إذلالهم وأن يضعوا حبل المشنقة الذي يراد لهم أن يخنقوا به بأيديهم، ذلك أن إطلاق الرصاص ليس إلا واحدا من الأدوات التي تنتمي إلى منظومة قمعية شاملة يسارع المخزن الزمن لتثبيتها في الواقع المغربي لصيانة نفسه من أي غضب شعبي محتمل.