اليوم يعود المغرب مع تخلفه الحالي 36 سنة إلى الوراء وهو العام الذي أنطلق فيه تعريب المواد العلمية بالتعليم الإعدادي (1983) ليصل أول فوج معرب إلى الجامعة سنة 1990 ويصطدم بدراسة المواد العلمية بالفرنسية!

أمر التدريس باللغة الوطنية أمر محسوم تربويا وبيداغوجيا وأخلاقيا وسياسيا لمن أراد التحرر والتنمية والتقدم والتماسك الاجتماعي. والمغرب يعيش هذا التخبط ليس لاختلافات في اجتهادات حول المنظومة التعليمية بين ما نقدم وما نؤخر في مجال الأصلح للتعليم.. وإنما الاختلاف جوهري بين التمكين لمشروع تعليمي وطني تحرري لغته الأساسية العربية مع الانفتاح على كل لغة نافعة؛ مشروع يحفظ الهوية والأخلاق ويعتمد العدل وتكافؤ الفرص.. الاختلاف الجوهري بين هذا المشروع الوطني وبين المشروع الآخر، مشروع تكريس التبعية ومحاربة كل نزعة إلى الاستقلال والتقدم، بل ومحاربة كل تعميم للتعليم ومحاربة كل سعي من أجل جودة التعليم..!

أقول هذا الكلام ليعلم كل من صوت أو امتنع على ما صوت وعلى ما امتنع ؟!

بمناسبة هذا الجدل الدائر حول التعليم وخصوصا لغته الأساسية والمجانية، أتذكر في هذه الأيام بكل اعتزاز وافتخار الذكرى 98 لمعركة أنوال المجيدة التي دارت رحاها بين 17 يوليوز وأوائل غشت عام 1921 (المستعمر يسميها في تاريخه كارثة أنوال..)، أتذكرها وأتذكر فيها المواقف الخالدة لرجال أفذاذ ضحوا بكل ما يملكون من أجل أن يعيش هذا البلد حرا مستقلا عزيرا. وعلى رأس هؤلاء في هذه الذكرى الأمير القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله رحمة دائمة واسعة.

وقبل الحديث عن المعركة التي عرف من خلالها الأمير رحمه الله قائدا عسكريا شهما ومقاوما وطنيا ملهما لكثير من الحركات التحررية الإقليمية وعبر العالم؛ قبل هذا أشير إلى أن الأمير في منطقة الريف كان له اهتمام كبير وتركيز على التعليم وكان له برنامج تعليمي واضح له مبادؤه ومرتكزاته ومنهاجه الوطني. (أنظر الكتاب القيم في هذا المجال للأستاذين عبد الرحمان الطيبي والحسين الإدريسي، التربية والتعليم في برنامج محمد بن عبد الكريم الخطابي: تقديم وتحليل مخطوط.)

طالع أيضا  مسيرة شعبية في بني ملال دفاعا عن المدرسة العمومية

وكانت لغة التدريس الرسمية في كل الأسلاك وفي كل المواد هي اللغة العربية. ومما جاء في المنهاج التعليمي للأمير رحمه الله أنه “لا يجوز للأستاذ إلقاء الدروس ولا مخاطبة التلاميذ بغير العربية إلا عند الاضطرار لتنتقش العربية في أذهانهم بتكرارها على مسامعهم… كما لا يسمح لهم بالتكلم فيما بينهم بالبربرية داخل المدرسة لتكون العربية فيهم ملكة، وبذلك يقع النفع سريعا إن شاء الله”.

كانت اللغة حاضرة باعتبارها أساسا في التعليم إلى جانب القرآن والأخلاق. جاء في برنامج الأمير: يجب على المعلم أيضا بعد الانتهاء من تعليم الكتابة أن يلقن التلاميذ بعض المحفوظات الدينية والأدبية ونصيبا من القرآن وأن يصرف عنايته كلها في تهذيب أخلاقهم وتثقيف عقولهم بلطيف القول ولين الكلام..

معركة أنوال تحقق فيها نصر الله المبين لعباده الصالحين. كان قوام جيش الأمير الخطابي حوالي 3000 رجل بأسلحة تقليدية، مقابل جيش مدجج بأحدث أنواع الأسلحة ويضم 25000 مقاتل، قتل منهم وجرح أكثر من 15000 وتم أسر 700 جندي، واستشهد من جيش المقاومة قرابة 1000 شهيد رحمهم الله.

يقول الأمير محمد عبد الكريم الخطابي عن نتائج هذه الحرب في مذكراته: “ردّت علينا هزيمة أنوال 200 مدفع من عيار 75 أو 65 أو 77، وأزيد من 20000 بندقية، ومقادير لا تُحصى من القذائف، وملايين الخراطيش، وسيارات وشاحنات، وتَموينًا كثيرًا يتجاوزُ الحاجة وأدوية، وأجهزة للتخييم، وبالجملة بَيْنَ عشية وضُحاها، وبكل ما كان يعوزنا لنجهز جيشًا، ونشن حربًا كبيرة، وأخذنا 700 أسير، وفقد الإسبان 15000 جندي ما بين قتيل وجريح”.

وعن الأبعاد الدولية الكبيرة لهذه الانتصارات، يذكر أن الزعيم الصيني شوان لاي قال للقائد الفلسطيني الشهيد أبو جهاد حين سأله عن نصائح يوجهها للمقاومة الفلسطينية في بداية انطلاقها، قال له شوان لاي لديكم تجربة عبد الكريم الخطابي وتسألوننا..!

طالع أيضا  قضايا وإشكالات التأطير القانوني لمنظومة التربية والتكوين - هواجس التقنين الملزم وإرادة التحكم الضبطي (4)