بقلم: عبد اللطيف العادلي

2- الدعوة والدولة في عهد الخلافة الراشدة

بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ترسخ في وعي الصحابة الكرام تلك العلاقة التكاملية بين الدعوة والدولة، وأعطى سيدنا أبو بكر أروع الأمثلة في التقوى وحسن الإدارة، حدّ لجماعة المسلمين حدود الطاعة في خطبته الشهيرة التي قال فيها: “… أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم” 1. وسيأتي من بعده ملوك سيقولون بخلاف هذا.

ومن حكمته ووعيه رضي الله عنه أن استبقى في المدينة كبار الصحابة، وكان الغرض الرئيس من وراء ذلك هو “الحرص على إبقاء جماعة المسلمين حاملة الدعوة بمنجى من الاشتغال بتدبير “الدنيا” لتكون من العاصمة مصدر إشعاع إيماني ومورد صفاء إحساني، تنير بنوره الأمة وتعب من نبعه” 2، وقد صار على نفس المنوال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان أحرص على ذلك من صاحبه 3.

يعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين هذا الدرس من أهم الدروس للصحوة الإسلامية الصاعدة، وهو اختبار وعقبة وتحد “التحدي هو: هل تمسك الدعوة بزمام الحكم وتدير عجلته وتبقى مستقلة الوجود ماضية الإرادة في وجهة التغيير الشامل الجذري للمجتمع، أم تجذبها الدولة ويستقطبها الحكم فيستولي على النفوس، ويستغرق الجهود، ويغلب على الوجهة حتى تذوب الدعوة في الدولة” 4.

استمرت الدعوة في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر حامية وناصرة وخادمة للدعوة، وهذا هو دورها وهذه هي وظيفتها، فما عاشته الأمة ولا زالت تعيشه من ويلات وآلام ما هو إلا سطوة للسلطان على أهل الدعوة والقرآن.

طالع أيضا  الدعوة والدولة 3/6: العلماء والقائمون

تولى سيدنا عثمان والدعوة والدولة في أوجها وعزتها، تفرق كبار الأصحاب في الأمصار، ودخل في الإسلام فئام من الناس نميز فيهم بين صنفين:

– الصنف الأول: حسن إسلامه ودخل الإيمان قلبه، فاندمج تلقائيا في ولاية المؤمنين وجماعة المسلمين يحِب ويحَب وينصر وينصر، يزعه الوازع القرآني ويرقبه الرقيب القلبي الباطني.

– الصنف الثاني: غلبت فيهم سمات الأعرابية والجاهلية سمات الإيمان والإحسان، شكلوا مع المشركين والمنافقين طليعة الفتنة، وهم من تجرأوا وأقلوا الحياء مع الحيي الذي تستحيي منه ملائكة الرحمن إلى أن قال قولته المشهورة عن تجربة ومعاناة “لما يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

وفي هذا درس آخر نستقيه ونحن نلقي نظرات خاطفة في تاريخ الدعوة والدولة.

قتل سيدنا عثمان رضي الله عنه وبويع الإمام علي في ظروف صعبة، فهنالك أعين تتشوف من بعيد وتتربص للإمساك بزمام السلطة واتخذت موقفا عدائيا، وأعين غابت عنها الرؤية الكاملة بسبب ضبابية المشهد الذي أحدثه المرجفون فاتخذت موقفا خطأ ترتبت عنه حركة أزّمت الوضع ووسعت الشرخ، وأعين أغمضت عينها واعتزلت ولم تتخذ موقفا، وأعين تراقب المشهد عن كثب بغرض إشعال الفتنة لا غير.

يشبه هذا الوضع قيادة سفينة في بحر هائج ورياح هوجاء؛ فوقع ما وقع من أحداث جمل وصفين وخروج الخوارج ومقتل رابع الخلفاء الراشدين وتنازل سيدنا الحسن عن الحكم لبني أمية من موقع قوة حقنا للدماء ورغبة في الإصلاح، وهنا سيبدأ فصل جديد من فصول التاريخ “الإسلامي” فقدت فيه الدعوة مكانتها وخفت بريقها واختلت علاقتها بالدولة.

وهكذا طويت صفحة ناصعة مضيئة قصيرة المدة لكنها غنية بالدروس والعبر، لم تكتمل التجربة لحكمة يعلمها الله سبحانه الذي يفعل في ملكه ما يشاء، لكنها ستظل كما قال الأستاذ عبد السلام ياسين شهادة تاريخية “بأن القرآن قابل للتطبيق وبأن دولة القرآن ليست مثالا حالما” 5، ستظل صفحة مجيدة نقرؤها كل حين لنعتبر ونتعظ، ومن بين الدروس المهمة على سبيل المثال لا الحصر عواقب حياد أهل الحق في زمن التدافع، فكل انصراف لأهل الحق عن المعركة كيفما كانت طبيعتها هو إضعاف لجماعة المسلمين حاملة الدعوة وتقوية غير مباشرة للباغين والفتانين، وهذا ما نلحظه في زماننا فالأمة تؤدي ثمنا باهضا بسبب سكوتها وحيادها تجاه المبادرات التجديدية التغييرية، وكل تماطل وتسويف في دعم هذه المبادرات إنما هو تكريس وترسيخ للأمر الواقع المر، وبتعبير آخر، إن بقاء سمات الأعرابية والغثائية فينا وزهدنا في تحقيق معاني الهجرة والنصرة والولاية بين المؤمنين، والإحجام عن اقتحام عقبة الكينونة مع المؤمنين والصادقين، وصبر النفس مع المريدين وابتذال الغالي والنفيس في سبيل ذلك، إنما يسهم في نصرة المستكبرين قوى العض والجبر الذين يستكبرون على الدعاة المستضعفين ويهينون أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  نظرات في الدعوة والدولة (1)

[1] أبو محمد عبد الملك بن هشام، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، الجزء الرابع، تحقيق محمد محيي الدين، دار الفكر 1981، ص: 341.
[2] كتاب العدل، م س، ص: 95.
[3] عباس محمود العقاد، عبقرية الصديق، المكتبة العصرية نبيروت، ص: 135-136.
[4] كتاب العدل، م س، ص: 95.
[5] عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة، دار لبنان، الطبعة الأولى، ص:27.