مقدمة   

كثيرا ما تحدث الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى عن المستقبل وعن استشرافه، سواء ذلك المستقبل الذي يرتبط بالفرد وهو سائر إلى لقاء ربه في الآخرة، أو ذلك المستقبل الذي يرتبط بالجماعة والأمة والإنسانية، وهي سائرة إلى معانقة موعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالخلافة على منهاج النبوة الثانية في الأرض. فقد كان كلّ همّه التفكير لهذا المستقبل والمساهمة بالعمل لتحقيقه. وقد صرح بهذا في أكثر من موضع في مؤلفاته وتسجيلاته السمعية والمرئية. فمثلا في مقدمة كتاب “الإسلام والحداثة” قال رحمه الله: “يطمح هذا الكتاب، في همه الثاني، إلى تقديم مساهماته المتواضعة في التفكير لمستقبل الإسلام، أي لمستقبل هادئ ومستريح من الاضطراب الجنوني الذي يحرم الناس من العيش في سلام، متصالحين مع الله، منفتحين بالمودة والرحمة بالإنسان، مهمومين باجتياز إعصار الحداثة الصاخب، وبالعبور من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة وكلهم رجاء في السعادة الأبدية” 1.

وفي كتاب “العدل” قال رحمه الله تعالى أيضا: “ليس في هذا الكتاب برنامج للحكم والعدل في الحكم، وإقامة العدل آني موقوت جاهز مظروف بالحال والأمد العاجل. بل هو نظر إلى مستقبل المسلمين على اتساع رقعة دار الإسلام، وفي الأفق الواسع الشاسع للآمال العالية التي تبشر ببلوغها إن شاء الله هذه اليقظة المباركة لجند الله الداعين إلى الله، الذين تعقِد عليهم الأمة آمالها” 2.

في حين نجد في كتابه “مقدمات لمستقبل الإسلام” أنه قد جعل كل أفكاره تدور حول هذا المستقبل، وتُبشر بما يلوح في أفقه من شمس إسلام آن موعد إشراقها على العالمين. يقول رحمه الله تعالى في مقدمة الكتاب: “والمطمح الثاني التابع (للمطمح الأول الذي هو الحفاظ على ذكر الله وما يقرب إليه) هو أن نرسم في هذه الفصول والأبواب منهاج عمل يتجاوز همّ السّاعة إلى التطلع لغد الإسلام” 3.

التفاؤل الكبير بالمستقبل

فرغم ما تعانيه الأمة من بأساء على أرض الواقع، أرض الغثائية والاستضعاف والفقر والجهل والمرض والاستبداد والفساد والاستعباد، إلا أنه رحمه الله يؤكد على التفاؤل الكبير ويدعو إليه، مستندا في ذلك على أمور ثلاثة:

الأول: على الوعد الإلهي لهذه الأمة بالتمكين والنصر والاستخلاف. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الناطقة به والدالة عليه كثيرة.

والثاني: على الصحوة المباركة التي تقف على عتبة هذا القرن الخامس عشر وكلها عزم للدخول إليه بوجه يُشرف الأمة ويعيد قطارها إلى سكة التاريخ الصحيحة الذي حاد عنها لقرون.

الثالث: على ما وصلت إليه الحضارة الغربية من إفلاس وفساد ينخر في داخلها يأذن بخرابها وزوالها، حتى تتحقق فيها سنة الله بهلاك المفسدين والمترفين والمسرفين.

أما من اعتراه التشاؤم وطاب له زرعه في وسط الناس لعادة قعود منعته عن الجهاد، أو لخوف من الناس أحجمه عن القيام بواجب النصرة، فقد خاب وخسر. ويستند أصحاب هذه النظرة التشاؤمية كما يشير إلى ذلك الإمام رحمه الله على أمرين:

الأول: أن المستقبل غيب، فلا ينبغي للحركة الإسلامية أن تفكر فيه، بل عليها أن تركز جهدها على تحديات الحاضر ومتطلباته. وهذا ليس من التخطيط والتدبير والتفكير في شيء.

الثاني: أن ما وصلنا من خلال التاريخ الماضي من إرث ثقيل لا تتحمل فيه الحركة الإسلامية المسؤولية، إذا فلا داعي أن تحمل همّه وتشغل به بالها. فالأجدر بنا حاليا أن نرضى بالواقع ونستسلم إلى أن تتغير ظروفنا ثم نغير مواقفنا.

هذا الخطاب يروج بقوة لبثّ اليأس في الأمة، والتمكين لثقافة الهزيمة. أما إذا ظهر إنجاز أو انتصار هنا أو هناك بخسوا حقه وعدّوه فلتة أو استثناء لا يستدلّ به. فنحن لسنا بِدعا من الأمم التي عانت مثل ما عانينا أو أشدّ. لكنها بفضل إرادتها أنجزت ما نالت به مكانة لائقة بين الأمم. خذ مثالا على ذلك اليابان وألمانيا كيف أصبحتا اليوم من الدول المتقدمة عالميا بعد أن كانتا مدمّرتين بالكامل.

طالع أيضا  المشترك الإنساني في كتابات ذ.عبد السلام ياسين

الأمة والحمد لله فيها الخير، لديها من المقومات البشرية والمادية ما يكفيها للنهوض من جديد، معها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيهما الحق المبين، فيهما النور والعلم.

المواضيع المطروحة على المستقبل

وقد خص رحمه الله هذا المستقبل بمجموعة من المواضيع التي شغلت باله وتفكيره وعقله، وتحتاج إلى اهتمام كبير من قبل الدعاة والعلماء والمفكرين المسلمين، وكل من يحمل همّ هذه الأمة. من ذلك:

 – مستقبل معرفة الإنسان لربه وسلوكه إليه واقتحام العقبة إليه. فمن فاته الله فاته كلّ شيء، ومن مرّ من هذه الدنيا وعبرها دون أن يعرف ربه وأن يحب ربه ويحب لقاءه لا نهاية لحسرته.

– مستقبل حرية الإنسان وكرامته، إذ يعتبر الدفاع عنهما مشروع المستقبل وقضيةً مقدسة. ذلك أن الرسالة النبوية التي وصلتنا عبر التاريخ إنما جاءت لتذكرنا وتذكر كلّ الناس أننا إخوة وأننا كلنا مخلوقات لله وحده.

– مستقبل المرأة، كيف ترتقي من دنيا التسيب ومن حضيض المعاناة إلى مرتبة الطاهرات المحسنات.

– مستقبل الناشئة، كيف يُحافظ على فطرتها سليمة وتترعرع في كنف الإيمان وحضن الصحبة الصالحة.

– مستقبل الإسلام والأمة، فهو قاسم مشترك بينهما، إذْ لا مستقبل لأحدهما من دون الآخر. كيف يتحقق لهما.

– مستقبل الإنسانية والعالم، كيف تضع الحروب المشتعلة هنا وهناك أوزارها حتى يسود السلام العالمي.

إلى جانب مواضيع أخرى كثيرة تهمّ العلم واللغة والسلوك والتربية والدعوة والدولة وغيرها..

أسئلة المستقبل

هي أسئلة كثيرة يطرحها الإمام رحمه الله تعالى على المستقبل بكل مستوياته القريب والمتوسط والبعيد. أسئلة مبثوثة في معظم كتاباته يستشرف بها المستقبل تارة، وينبه بها إلى عِظم المسؤولية وخطورة العقبة تارة ثانية، ويدلّ بها إلى شرعةِ العمل ومنهاجه تارة ثالثة. لا يمكن استحضارها جميعا لطرحها كما طرحها رحمه الله، ولكن نكتفي بإيراد ما يدلّ على المعنى الجامع لغيرها. وهي:

السؤال الأول: ماذا يريد الإسلاميون؟ هؤلاء الذين ترشحهم الأقدار الإلهية إيمانا وتصديقا، ويرشحهم حكم الواقع المُحَس الملموس لتولي زمام الحكم في بلاد المسلمين. ما هي أهدافهم؟ ما هي الشروط المنهاجية ليتربّى سِربهُم على الإيمان، ويتحلى حزبهُم بخصال الرجولة والكفاءة الذاتية، لتتحول الإرادة الاقتحامية عند الفرد المؤمن العضو في جماعة المسلمين، إلى قوة اقتحامية تخرق العقبات السياسية والاجتماعية والثقافية والتخلفية والاقتصادية والعلمية التكنولوجية؟

السؤال الثاني: في هذا العالم الذي يعرف تطورا مذهلا في العلوم والاختراع، و يعرف جنونا إعلاميا يُطوق الكوكب الأرضيّ، القريَةَ الكوكبية، بِطوق من التوابع الإلكترونية الحاملة لرسالة الشهوة الدوابية العارمة. هذا العالم الذي يعرف تلوث البيئة المهدد بخراب الكرة، ويعرف أمراض الحضارة السائدة وأمراض اللاّحضارة المنبوذة. ما سلوك القوة الاقتحامية الإسلامية في هذا العالم وهو عقبة ذات أبعاد تضغط وتتمنع وتقاوم وتدْحَرُ وتقتل؟

السؤال الثالث: هذه القوة الاقتحامية الإسلامية التي تعتبر أملَ الأمة، بينما يراها العدوّ الخطر الداهم المهدد للسلام في العالم، هي ليست وحدها الفاعل السياسي في بلاد المسلمين. بل هنالك أحزاب لائيكية، ونخب مغربة، وأنظمة موروثة قائمة. هنالك الديمقراطية يطلبها الشجر والحجر بوصفها سفينة النجاة، هنالك الأمم المتحدة، هنالك حقوق الإنسان دينُ العصر المُعلَن، هنالك علاقات التبعية الاقتصادية، هنالك المديونية، ما العمل إذاً أمام قيود في أرجلنا وأغلال في أعناقنا؟

هذه أسئلتنا المطروحة على طاولة المستقبل، وهذا منهاجنا على الشرعة الواضحة، لَيلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك 4.

تحديات المستقبل

استعرت هذا العنوان من فقرة في كتاب “العدل” يعدد الإمام رحمه الله فيها التحديات ويحددها في تحدّيين مهمين:

التحدي الأول: سمّاه بالتحدي العظيم، وهو تحد ذاتي يهمّ الفرد رجلا كان أو امرأة، ويتشكل من عقبتين:

الأولى: عقبة الارتقاء من إسلام لإيمان لإحسان، ويتمّ اقتحامها عن طريق الاستجابة لنداء الله تعالى بـ”سارعوا” و”سابقوا”، وبتجاوز شيطنة النفس الأمارة بالسوء. يقول الله تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 5.

الثانية: عقبة الانتماء إلى الأخوة الشريفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويتمّ اقتحامها عن طريق الاتباع بإحسان لمن سبق من الآل والصحب الكرام، وبالدعاء لمن سبق منهم بالإيمان وبمحبتهم. يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 6.

التحدي الثاني: سماه بالتحدي الثقيل، وهو تحد موضوعي من عقبتين كذلك:

طالع أيضا  الأخلاق الإيمانية

 الأولى: عقبة داخلية تتجلى في التخلف الناتج عن الاستبداد والفساد، ويتم تجاوزه بتنظيم الصفوف وتوحيد الجهود والتخطيط لاكتساب العلوم وترويض التكنولوجيا وتوطينها وتبييئها وأنسنتها.

الثانية: عقبة خارجية، والتي تتجلى في التبعية نتيجة المديونية التي خلفها المفسدون المترفون، ويتمّ اقتحامها بتحرير بلاد الإسلام استعدادا لتوحيد أقطارها، وفي إيجاد الحلّ لمعضلة احتلال اليهود لفلسطين قصد تحرير المسجد الأقصى من أيدي الصهاينة الغاصبين.

فهي تحديات جسام والله أكبر. “ونحن، رغم كل العوائق، نملك رأس المال: وعد الله. ونمسك مفتاح المستقبل الإسلامي: الإيمان والعمل الصالح” 7. بهذه العبارات المليئة بالثقة في الله وحده وفي التوكل عليه سبحانه، يختم الإمام دائما استعراضه لما ينتظر الأمة في استشرافها للمستقبل، من تحديات وعقبات وعوائق.

الدخول إلى المستقبل

يدعو الإمام رحمه الله تعالى أن ندخل إلى المستقبل ونستشرفه، ونطمح إليه بكثرة التفاؤل والثقة والأمل واليقين فيما وعد الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم الأمة، من نصر وتمكين وفتح مبين. ومع كل ذلك فهو يدعو إلى ضرورة استحضار الشروط اللازمة واتخاذ الأسباب الكافية واحترام سنن الله الكونية، حتى يكون دخولنا إليه دخول فتح مبين وبشرى عهد جديد للأمة والإنسانية معا. ومن بين هذه الشروط التي يضعها الإمام رحمه الله لتصور هذا المستقبل الواعد نجد ما يلي:

1- الرؤية الواضحة: هناك الرؤية الواضحة للماضي، وهي تلك القراءة المنهاجية الصحيحة للتاريخ، المبنية على تتبع الأحداث وتسلسلها عبر الزمن حتى وصلت إلينا بالمنظار النبوي. وهناك الرؤية الواضحة للحاضر، وهي تلك القراءة المنهاجية الدقيقة للواقع المبنية على فقهه والمدعومة بالسياسة الشرعية التي تحدد المواقف وتقدر المصالح. يقول رحمه الله تعالى: “الرؤية الواضحة للماضي والحاضر شرط لتصور المستقبل والتحرك نحوه دون تهيّب من الانحراف” 8.

2- الفكر المستقبلي: هو فكر له مرجعية يصدر عنها ويرجع إليها في التخطيط والتنظيم والتنظير والتدبير، وهي مرجعية القرآن الكريم والسنة النبوية، منها يتنور الفكر ويُنير حياة البشر لتعيش السعادة في الدنيا والآخرة. يقول رحمه الله تعالى: “يجب أن نصنع فكراً مستقبليا يلقي على آفاق هذا القرن الخامس عشر، قرن الإسلام بإذن الله، ومن بعده، نورَ القرآن ونور الهدي النبوي. يلقي على حياة البشر نوراً به يميزون ما ينفع في الدنيا والآخرة، وما يضرّ في الدنيا والآخرة” 9.

3- الصياغة الجديدة: هي انتقال بالبشرية من عالم تعيش فيه الجحيم من حيث الحروب الدموية، والدمار الشامل، والتعذيب الممنهج، والتجويع الرهيب، إلى مستقبل السلام العالمي، والإحسان العالمي، الذي ستعيش فيه البشرية كرامتها الآدمية بحق. وما نراه من وعي متزايد لدى الناس بضرورة هذا السلام، والمطالبة به، والطموح إليه، إلا ما يبشر باقتراب معركة سلمية من أجل السّلم. يقول رحمه الله تعالى: “واجبنا بعد أن نمتلك أزِمَّة العلوم الحديثة، أن نعيد النظر في التكنولوجيا وفي وسائل الدمار الناتجة عنها. حينئذ، سيكون علينا صياغة تصور مستقبل آخر للإنسانية، يقوم على السلام والكرامة!” 10.

4- الرهان الحقيقي: يربط الإمام رحمه الله هذا الرهان بعنصر الاهتمام بالطفولة والتركيز على العناية بها، وذلك بحماية فطرتها الطرية من أن تتعرض للإفساد والتشويه عن طريق التربية والتعليم الاستعماريين، اللذين لا يمتّان إلى الوحي بصلة، ويشير إلى أن هذه الحماية تتم بصياغة المدرسة المستقبلية وتربيتها، وتعليمها، الصالحة لاحتضانِ وِلْدانِنَا وشُبَّانِنا، ورعايتِهم، وتغذيتِهم الروحيةِ والفكريةِ بما يُصْلح ويثمر. يقول رحمه الله تعالى: “الطفولة هي الرهان الحقيقي للمستقبل، فسنكون ملزمين بتخصيصها بالاهتمام وتركيز العناية بها حتى نقي الفطرة الطرية لَفح الرياح العقيمة” 11.

طالع أيضا  النسق الفكري والسياسي لحقوق الإنسان

5- النموذج المثالي: يتجلى في عمّار المسجد، فهم النموذج المثالي للحياة الجماعية والذي يمكن أن يستعيد للفطرة عافيتها في نفوس الأجيال الشابة إذا شوهتها البيئة العائلية أو الثقافية، وذلك من خلال مبادرات تربوية حانية مليئة بالمحبة والمودة. إذ يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مدى قابلية الطفولة للتكوّن، وإعادة الصياغة حسب استعدادها الطبيعي فيقول: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”. وفي هذا يقول رحمه الله: “إن العودة إلى المسجد وإلى القرآن، ستمكننا من الالتقاء بالنموذج المثالي للحياة الجماعية التي غابت عن حياتنا ولم تبقَ حية إلاَّ في ثنايا النصوص وفي قلوب الأتقياء والتقيات” 12.

6- النوعية والكم: النوعية هي الشرط المطلوب لاستشراف المستقبل بين تنديد النبي صلى الله عليه وسلم بالغثائية، نتيجة التكاثر العددي الذي لا وزن له على الساحة، وطلبه للكثرة العددية الخيّرة التي يباهي بها الأمم في الدنيا ويوم القيامة. في هذا المجال نجد المهتمين بالنمو الديمغرافي يحذرون من التضخم الديمغرافي، وإفناء الموارد وتصحير الأرض وإفساد البيئة، الذي سيؤدي بالعالم إلى السقوط في ورطة الفقر مستقبلا. وهو تحذير يَعنينا ويهمنا من جانب اهتمامنا العدلي على مستوى الدنيا بأن نحارب الفقر ونؤسس لتنمية اقتصادية واكتفاء ذاتي، لكنه من جانب اهتمامنا الإحساني المرتبط به، يفرض علينا على مستوى الآخرة بأن نحارب الغثائية ونؤسس لجيل نوعي يكون خِيرَةً بالفعلِ ويؤثر في العالم. جيل كما كان الصحابة رضي الله عنهم : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا 13.

والسؤال الذي يطرحه الإمام رحمه الله في فقه التجديد لاستشراف المستقبل هو: كيف نوفق بين النوعية كشرط والكم كقوة؟.

خاتمة

وفي الختام يمكن أن نقول: إن سلامة الدخول إلى المستقبل إن شاء الله تكون مُوفقة ومؤيدة عندما يكون التعلم من دروس الماضي من خلال الاستهداء بخبر الوحي الغيبي. وحتى يكون لنا المستقبل كما وعد بذلك الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا بد أن نتبين في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الخطوات اللازمة تتبعها، مستحضرين الواقع الحاضر وما نملك فيه من إمكانيات وطاقات، وما نواجهه من عقبات وتحديات. يقول الله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 14. بهذا إن شاء الله تكون سكّة القاصدين من المسلمين إلى مستقبلهم الدنيوي والأخروي واضحة وجلية.


[1] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص:8.
[2] ياسين عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص:5.
[3] ياسين عبد السلام، مقدمات لمستقبل غد الإسلام، ص:8.
[4] انظر ياسين عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص:28-29. بتصرف.
[5] الحديد: 21.
[6] الحشر: 10.
[7] الإسلام والحداثة، ص:315.
[8] الإسلام والحداثة، ص:146.
[9] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:26.
[10] الإسلام والحداثة، ص:303.
[11] الإسلام والحداثة، ص:203.
[12] الإسلام والحداثة، ص: 203.
[13] الفتح: 29.
[14] التوبة: 105.