إشارة

نقف في هذه المقالات بإذن الله تعالى عند عدد من النصوص المختارة من مكتوبات الإمام رحمه الله تعالى، لنستجلي معانيها، ونستخرج الدرر الكامنة فيها، ونحاول أن نقربها إلى الأفهام، ونبسط من خلالها خطط عمل لسيرنا. حيث ستتطرق هذه النصوص لعددا من الموضوعات المختلفة، منها ما يواكب الأحداث التي يعيشها عالمنا اليوم، أوما يساعد على حل مشكلة يعانيها كثير من الناس، أوغير ذلك.

الابتلاء

الابتلاء سنة الأنبياء، وسبيل الأولياء، به يرفع الله الدرجات، ويكرم سبحانه من يشاء من عباده إذا شاء فيرفع عنهم المحن والشدائد، ويلبسهم لباس العافية والهناء، وهو على ما يشاء قدير.

في مكتوبات الإمام رحمه الله تعالى عدد من النصوص ذكر فيها أمر الابتلاء، نختار منها هذا النص.

يقول رحمه الله تعالى:

“إن دخولَ الدعاة في السياسة، ومسيرتَهم المظفرة بحول الله إلى سدة الحكم، فتحٌ عليهم لباب الابتلاء الشديد. فإن لم يكن كل واحد على نفسه أولا، وكل واحد مع إخوانه في التواصي والتناصح و«النقد»، قائما بالقسط شاهدا يقظا نابذا حب الدنيا رأسَ الخطايا فهي الهلَكَة ولا شك. له وللناس جميعا.

رجوعُك على النفس أخي وأختي فضيلة. ومهما أمِنْتَ من مكر الله، وأهم مآتيه النفسُ والشيطان، فقد زلَّتْ القدم نعوذ بالله.” 1.

تجليات

– “إن دخولَ الدعاة في السياسة، ومسيرتَهم المظفرة بحول الله إلى سدة الحكم، فتحٌ عليهم لباب الابتلاء الشديد”. فطريق الدعوة، وتغيير حال الأمة البئيس ليس بالأمر الهين، فهو فتح على جند الله لباب الابتلاء الشديد. فالطريق ليست معبدة سهلة، وقوى المواجهة كثيرة ومتنوعة، ولا يمكنها أن تتخلى عن مصالحها ومنافعها بضربة لازب. فلابد إذن من الصبر والتحمل. لكن ما هو السبيل إلى التجمل بالصبر، والقدرة على تحمل الابتلاء، ومواجهة هذه القوى المدافعة عن مصالحها؟

طالع أيضا  الآلة الاستكبارية والإجحاف بالعالم المستضعف

– “فإن لم يكن كل واحد على نفسه أولا” إذن قف مع نفسك أولا، حاسبها، طهرها من الخلود إلى الأرض، عطرها بذكر الله، حبب إليها وجه الله الكريم، واجعل الدنيا مطية للآخرة. فإن الذي شتت الجماعات وأورثها الخور، وجعلها شذر مذر، الغفلة عن النفس، والبعد عن تهذيبها، فبدل أن يغيروا، تغيروا وخنعوا وركنوا. فكن على نفسك، السبيل الأول لتحمل الابتلاء.

– “وكل واحد مع إخوانه في التواصي والتناصح و«النقد»، قائما بالقسط شاهدا يقظا نابذا حب الدنيا رأسَ الخطايا فهي الهلَكَة ولا شك. له وللناس جميعا”. النصيحة النصيحة بين الإخوان سر نجاح العمل لا المجاملات الفارغة، النقد البناء يصنع الرجال وأي رجال، فليكن كل واحد منا قائما بالقسط شاهدا لا يحابي أحدا، مطهرا قلبه من حب الدنيا. لأن حب الدنيا يورث هذه المجاملات، ويقتلع من النفوس حب التناصح والتواصي والنقد البناء. فما علاقة التناصح والتواصي بين الإخوان بالابتلاء؟ إنه إن طغت المجاملات، وغاب التناصح والتواصي، كثر الكلام وقل الفعل، وهزل الصف، وضعفت القدرة على الابتلاء.

– “رجوعُك على النفس أخي وأختي فضيلة. ومهما أمِنْتَ من مكر الله، وأهم مآتيه النفسُ والشيطان، فقد زلَّتْ القدم نعوذ بالله”. الأصل هو الرجوع على النفس توبة وتهذيبا، ومعاتبة وتأنيبا، وحذار من الغرور. إن الرجوع الدائم على النفس يصد مكائد الشيطان، ويقمع شهوات النفس، وكل ذلك معين لك على الصبر وتحمل الأذى، “إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه”، فلا مكان للخوف في قلبك من الخلق إن كنت وليا لله، بل على قدر خوفك من العزيز الجبار، منحت الصبر والقوة.

الرسالة من الكلام

* لابد أن يدرك الداعي إلى الله أن طريق الدعوة ليست معبدة سهلة، وأن التغيير لا يأتي من السماء دون مشاق وصعاب، فإن السماء لا تمطر ذهبا ولافضة.

طالع أيضا  الأخلاق الإيمانية

* الرجوع على النفس سر تحمل البلاء، وهذا من فقه التجديد عند الإمام رحمه الله تعالى، فكثير من أهل الدعوة رأوا أن القوة تمكن في العدة والعدد -وهذا مطلوب وواجب- لكن الرجوع على النفس، توبة وتهذيبا، وتعطيرا بذكر الله، ومحاسبة ومعاتبة أس العمل. مصداقا لقول المصطفى عليه الصلاة والسلام “عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر” وهو جهاد النفس.

* التناصح والتواصي بالصبر يورث المدد على تحمل البلاء، فنعمة الصحبة في الجماعة، لا مثيل لها في تحمل الأذى، فتتشرب من هذا شجاعة وقوة، ومن هذا نورانية وبركة، ومن الآخر عزما وثباتا. خصوصا إذا صاحب ذلك نصحا ونقدا بناء يدفع تلك المجاملات الفارغة القاتلة، المشتتة.

 * بعض النصوص عن الابتلاء من مكتوبات الإمام رحمه الله لمن أراد التوسع في الموضوع:

  • الإحسان 2/387.
  • رسالة إلى الطالب والطالبة ص31.
  • الإحسان 2/72-73.
  • الإحسان 1/407.

[1] ياسين، عبد السلام، العدل، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2000ص 70.