تسارع الحكومة لتمرير قانون يحدد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، بعد أن قدمته للبرلمان وسط رفض نقابي ومجتمعي واسع، بسبب المواد التي تقيد الحق في الإضراب بشكل يضر بحق العمال، أكثر مما يوفر لهم الحماية القانونية للمطالبة بتحسين وضعيتهم أو استرداد حقوقهم.

محاولات الحكومة

منذ أن قُدمت أول نسخة لمشروع القانون التنظيمي للإضراب مع حكومة بنكيران إلى المجلس الوزاري، وتمت المصادقة عليه سنة 2016، وردود الفعل الرافضة تتصاعد من لدن كل الأطراف، وذلك لعدة اعتبارات، أهمها عدم إشراك الحكومة لأي طرف معني بالحوار الاجتماعي إبان إعدادها للنسخة المقدمة للمجلس الوزاري، بل ولم تُعرف حتى طبيعة التعديلات التي اعتمدتها اللجنة الحكومية التي كلفها رئيس الحكومة بإدراج الملاحظات المثارة حول القانون قبل عرضه على المجلس الوزاري.

ثم أعادت الحكومة مجددا فتح النقاش حول مشروع قانون الإضراب الذي تم تجميده، حيث راسل وزير الشغل والإدماج المهني المركزيات النقابية بشأن مشروع القانون رقم 97.15، المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، من أجل تقديم ملاحظاتها بشأن المشروع.

ويبدو أن الحكومة من خلال فتحها لهذا الورش المعطل منذ سنوات، ماضية في محاولتها الحثيثة من أجل إقرار هذا القانون، حيث أطلقت مشاورات مع النقابات وأرباب العمل حول “مشروع القانون التنظيمي للإضراب”، عبر آلية جديدة رفضتها المركزيات النقابية، ومن ثم قامت بإحالة مشروع القانون على البرلمان.

وتعتبر الحكومة أن آخر اتفاق وقعته مع النقابات يوم 25 أبريل 2019، تضمن صيغة مواصلة التشاور حول مضامين المشروع، وليس التفاوض الجماعي، وهو ما تعتبره الحكومة بمثابة موافقة مبدئية لتمريره، وهذا ما جعل وزير الشغل يرفض مطالبة نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بإرجاع مشروع قانون الإضراب إلى طاولة التفاوض الجماعي بداعي موافقة ثلاث مركزيات نقابية على مضامينه.

اعتراضات نقابية وانتقادات مجتمعية

وتعترض النقابات على المشروع، بمبررات عديدة، مؤكدة أن الحكومة لا تأخذ بمصالح العمال، بل تنصاع لرؤية رجال الأعمال، مضيفة أن العديد من القضايا الواردة فيه تقيد حرية الإضراب، وتهدد حرية العمل النقابي داخل المؤسسات الإنتاجية. موضحة أن النقابات تعمل بدون قانون ينظمها، وهو ما يقتضي من الحكومة إخراج مشروع القانون الذي ينظم النقابات قبل مشروع قانون الإضراب، خصوصا أن الدستور ينص على ضرورة إصدار قانون ينظم عمل النقابات.

ومن بين أهم القضايا التي تثير غضب النقابات، البنود التي تتحدث عن عرقلة حرية العمل، والتي لا تقل خطورة وتهديدا لحقوق العمال، خاصة الفصل 288 من القانون الجنائي، الذي ظل مئات العمال يحاكمون بمقتضياته خلال السنوات الماضية، وتبدي النقابات تخوفها الشديد بسبب ما تعتبره تكبيلا لأيدي النقابات التي تؤكد أن الإضراب أحد أوجه المطالبة بحقوق العمال.

طالع أيضا  بين المقاربة الإصلاحية والمقاربة التغييرية، أية نقابة؟

نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT)، قالت إن وزير الشغل رفض خلال اللقاء الذي جمعه بها مؤخراً، كل المقترحات التي تقدمت بها، وطالبت المركزية النقابية في بيانها، الذي يملك موقع الجماعة نسخة منه، سحب القانون التنظيمي للإضراب المحال على البرلمان، لأن صياغته تمت بشكل انفرادي، وفيها إقصاء للحركة النقابية. وشددت على رفضها “آلية التشاور” المعتمدة، التي وصفتها بـالدخيلة في عالم الشغل، والغريبة عن الاتفاقيات الدولية، وأكدت رغبتها في تفاوض ثلاثي، من أجل الوصول إلى نص متوافق عليه يضمن ممارسة هذا الحق الدستوري والكوني.

المستشار البرلماني عبد الحق حيسان عضو مجموعة الكونفدرالية بمجلس المستشارين، أكد أنهم طالبوا بسحب مشروع القانون التنظيمي للإضراب 97.15، وصرح لوكالات إعلامية بأن أسباب هذه المطالبة تكمن أولاً في أنه مشروع يمنع الإضراب ولا ينظمه، وثانيا لأنه مشروع أُعد بطريقة أحادية بعيدا عن آلية التفاوض الثلاثي، وثالثا لأن هذا النص لا يمكن بأي حال أن يشكل أرضية للمناقشة والتداول قصد الوصول إلى نص مقبول، ورابعا لأنه يتعارض مع المواثيق الدولية، وأخيراً لأنه حظر العديد من أنواع الإضراب، وعلى رأسها الإضراب السياسي، أي أنه يمنع الشعب المغربي من التعبير عن رفضه للسياسات العمومية، ويمنع العديد من فئاته من حقهم في ممارسة الإضراب ويحصره في الإضراب للأسباب الاقتصادية فقط.

بدورها أعلنت نقابة الاتحاد المغربي للشغل (UMT) رفضها لمشروع القانون التنظيمي المتعلق بشروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، بمبرر إعداده بشكل انفرادي من لدن الحكومة وبدون أدنى استشارة مع الحركة النقابية، مطالبة بفتح حوار جاد قبل عرضه على البرلمان. وأكدت الأمانة العامة للنقابة في بلاغ صادر عنها، أن المقترح الحكومي يخالف روح ومضامين اتفاق 25 أبريل 2019، الذي ينص على إجراء مشاورات مع الفرقاء الاجتماعيين حول القانون التنظيمي للإضراب، ويتضمن حماية الحريات النقابية، ومأسسة الحوار الاجتماعي وتعزيز آلية تسوية النزاعات والحماية الاجتماعية، وعقود العمل، وإصلاح منظومة التعاقد، والتشاور من أجل وضع ميثاق اجتماعي.

طالع أيضا  أزمات المغرب الاجتماعية: مداخل الانعتاق وأدوار الفاعل النقابي

واعتبرت النقابة أن المشروع لا يوفر أية حماية لممارسة حق إنساني، بل إنه يكبله، ويجرمه، ويجعل ممارسته مستحيلة، ويزعزع العلاقات المهنية الهشة أصلا، ويفتح عالم الشغل على مصراعيه أمام جشع الرأسمال المتوحش، ويسيء لسمعة المغرب في المحافل الدولية، ويشجع على المزيد من التحكم والاستبداد، وخنق الحريات والحقوق. وطالبت باحترام قوانين الشغل المغربية، مذكرة الحكومة أن جل الإضرابات التي عرفها ويعرفها المغرب، ناتجة عن خرق قوانين العمل المتوافق حولها، أو عن عدم احترام الاتفاقات والتعاقدات الاجتماعية.

وبدوره أبدى القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، عبر كاتبه العام محمد بن مسعود، رفضه مشروع قانون الإضراب ابتداء ومنهجية ومضمونا ومآلا، وطالب بتفاوض ثلاثي حقيقي يفضي إلى قانون توافقي يضمن الحق في الإضراب بمقاربة حقوقية. حيث اعتبر بنمسعود منطق سياسة الأمر الواقع الذي فرضته الحكومة محاولة واضحة للهروب إلى الأمام، وذلك بالقفز على النقابات ومتطلبات الحوار الاجتماعي، خاصة بالنظر لأهمية الموضوع وحساسيته، وأن إعمال آلية التشاور في مناقشة المشروع فقط، والتي اكتفت بمراسلة النقابات مع مطالبتها تهييء رأي في المشروع، عوض اللجوء إلى التفاوض الثلاثي الأطراف، الذي يجمع الحكومة والنقابات والباطرونا من أجل التوافق حوله، فيه تأكيد لهذه السياسة.

وزاد المتحدث، في تدوينة كتبها بالمناسبة، بالقول أن المضمون يعكس إرادة تكبيل بل إعدام الحق الدستوري والأممي في ممارسة الإضراب، عوض حمايته وتنظيمه؛ وذاك بالنظر إلى الشروط التعجيزية، والإجراءات المعرقلة، والإجراءات الزجرية السالبة للحرية وللحق في الشغل عبر الطرد والتوقيف والغرامات المرهقة، والاقتطاعات الناهبة التي أقرها المشروع.

العديد من الفاعلين النقابيين أيضا أعلنوا رفضهم لهذا المشروع، لكونه سيكبل أيدي النقابات، ويمنعها من ممارسة حقها الدستوري والكوني المتمثل في الإضراب، معتبرين خلف محاولات الحكومة فرض مشروع قانون الإضراب أغراض أخرى، من أهمها محاولة منع التنسيقيات مثل تنسيقية الأساتذة أو المتدربين أو الطلاب الأطباء، والتي حققت صدى كبيراً في السنوات الأخيرة.

نظرات في مشروع قانون الإضراب

مشروع قانون الإضراب يتكون من خمسة أبواب ومن 49 مادة، ونص في المادة الخامسة على أن “كل دعوة إلى الإضراب خلافا لأحكام هذا القانون التنظيمي تعتبر باطلة، كما يعتبر كل إضراب لأهداف سياسية ممنوعا”. ووضعت الحكومة قيودا عديدة على ممارسة الإضراب من خلال:

طالع أيضا  اتحاد التنسيقيات.. إطار جديد يخوض إضرابا وحدويا ومسيرة وطنية في ذكرى 20 فبراير

– يوجب مشروع القانون حسب المادة السابعة، إجراء مفاوضات بشأن الملف المطلبي للعمّال قبل الدعوة إلى الإضراب، وذلك قصد البحث عن حلول، ويضيف أنه في حالة تعذر المفاوضات أو فشلها يتعين بذل جميع المساعي اللازمة لمحاولة التصالح بين الطرفين.

– ينص المشروع كذلك على ضرورة اتخاذ قرار الإضراب من قبل الجمع العام للأجراء، يحضره ثلاثة أرباع أجراء المقاولة أو المؤسسة، والذي يجب أن تدعو إليه الجهة الداعية إلى الإضراب خلال 15 يوما على الأقل من التاريخ المزمع عقد الجمع العام فيه، وكذا تبليغ المشغل عن مكان انعقاده قبل 7 أيام، مع اشتراط الحصول على موافقة أغلبية العمال قبل خوضه، وبلوغ نوع من النصاب القانوني قبل الشروع في الدعوة للإضراب.

– لابد من الإخطار بقرار الإضراب بمهلة لا تقل عن 10 أيام، مع ضرورة تحديد دواعيه ومكانه وشكله، والكشف عن أسماء المندوبين الداعين إليه في حال عدم وجود نقابة بالمؤسسة.

– يعتبر مشروع القانون المشاركين في الإضراب بالمادة 14 من المشروع في حال توقف مؤقت عن العمل خلال مدة إضرابهم، ولا يمكنهم الاستفادة من الأجر عن المدة المذكورة.

– يلزم النص الجهة الداعية للإضراب بإبلاغ رب المقاولة أو المشغل والسلطات المسؤولة ومديرية التشغيل بقرار الإضراب قبل 15 يوما على الأقل من التاريخ المقرر لخوضه، مع تخفيض هذه المدة إلى 5 أيام في حال ما إذا كان الأمر يتعلق بعدم أداء المشغل لأجور العاملين أو وجود خطر يتهدد صحتهم وسلامتهم.

– يمنع حسب المادة 23، بعد إنهاء الإضراب أو إلغائه بمقتضى اتفاق بين الأطراف المعنية؛ اتخاذ قرار إضراب جديد دفاعا عن المطالب نفسها، إلا بعد مرور سنة على الأقل. وحسب المادة 26 فيمكن لصاحب العمل حال ممارسة الإضراب خلافا لأحكام هذا القانون أن يطالب بالتعويض عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالمقاولة. ويمنع النص الأجراء من خوض إضراب للدفاع عن المطالب التي تمت الاستجابة لها لمدة تناهز السنة. وفيما يتعلق بالقطاع العام، يلزم النص الجديد الجهة الداعية إلى الإضراب بإخطار قبلي لا يتعدى سبعة أيام.

ومن ثم تم التنصيص على سلسة من المواد التي أدرجت عقوبات مادية وأخرى سالبة للحرية لكل من أخل بهذه البنود، ولم يتقيد بإجراءاتها التفصيلية، بالإضافة لتطبيق العقوبات التأديبية.