صادقت لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب على مشروع القانون رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، في جلسة طارئة ومفاجئة وأمام غياب ملفت للنظر لأعضائها الذي يقارب النصف، ليتم تمرير المشروع ب 25 صوتا ومعارضة عضوان وامتناع 3 أعضاء في ظل غياب توافق سياسي بين مكونات الأغلبية الحكومية حول مشروع القانون.

ولعل أخطر مقتضى تم تمريره في هذا المشروع ب 12 صوتا وتحفظ 16 عضوا ومعارضة نائبين، ما جاءت به المادة الثانية من القانون، التي تنص على إعمال مبدأ التناوب اللغوي في التدريس، وذلك باعتماد اللغات الأجنبية في تدريس المواد العلمية والتقنية، حيث عرفت التناوب اللغوي بكونه: “مقاربة بيداغوجية وخيار تربوي مندرج يستثمر في التعليم المتعدد اللغات، بهدف تنويع لغات التدريس إلى جانب اللغتين الرسميتين للدولة وذلك بتدريس بعض المواد، ولا سيما العلمية والتقنية منها أو بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد بلغة أو بلغات أجنبية”.

إن المادة الثانية من مشروع قانون الإطار تتناقض صراحة مع مقتضيات الفصل الخامس من الدستور الذي يؤكد على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وأن الدولة ملزمة بالعمل على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها بقوله: “تظل العربية اللغة الرسمية للدولة، وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها..”.

وتتعارض كذلك مع اجتهاد القضاء المغربي تبعا لقرارات صادرة عن المحكمة الإدارية القاضية بإلغاء القرارات الإدارية المحررة بالفرنسية، معللة ذلك بمخالفتها للدستور، وبكونها جاءت مشوبة بعيب المخالفة الجسيمة للقانون؛ فيما أيدت محكمة الاستئناف بالرباط نهاية يناير 2018 حكما مماثلا صادرا عن المحكمة الإدارية بتاريخ 02 يونيو 2017، يقضي بعدم مشروعية استعمال اللغة الفرنسية في الإدارة العمومية، ووصف الحكم القضائي استعمال اللغة الفرنسية بأنها انتهاك لإرادة المواطنين المجسدة بنص الدستور الذين اختاروا العربية والأمازيغية لغتين لمخاطبتهم من قبل الدولة وجميع المرافق العمومية الأخرى، كما أنه تصرف لا يمكن تبريره بأي مسوغات واقعية أو قانونية جدية.

طالع أيضا  جامعات المغرب تستجيب لنداء الكتابة العامة وتنخرط في حملة “إلغاء مجانية التعليم”

واعتبر الحكم القضائي استعمال اللغة الفرنسية من قبل الإدارات العمومية المغربية “عملا مخالفا للدستور”، موضحا أن “اللغة المذكورة غير منصوص على استعمالها الرسمي بأي نص قانوني، فضلا عن أنها لا تمثل أي مظهر من مظاهر الهوية المغربية ماضيا وحاضرا وليس لها أي امتداد تاريخي بالمغرب ذي بعد وطني ومشروع”.

إن الهدف من تدريس أبناء وطننا بغير لغتهم الأم يدخل في إطار السياسة الاستعمارية العالمية؛ التي تقوم على سحق ومحق كل ما هو معبر عن هوية الشعوب المستعمرة ودافع إلى بقاء ثقافتها وامتدادها التاريخي والحضاري، مستهترة بالقيم الإنسانية ومنتهكة للقوانين الدولية، ومتعارضة مع سنة التعدد والتنوع الثقافي، متناسية كون الثقافة هي روح الأمة وعنوان هويتها ومن خلالها تستمد عناصرها ومقوماتها وخصائصها، ومستهدفة اللغة العربية باعتبارها وعاء للدين والفكر والهوية.

إن اللغة العربية في ثقافتنا من أقدس اللغات، على اعتبار أنها لغة القرآن، مصداقا لقوله تعالى: “إنا أنزلناه قرانا عربيا لعلكم تعقلون”، ومن أعرق اللغات، إذ يعود تاريخها إلى عهد سيدنا آدم عليه السلام تبعا لقوله تعالى: “وعلمنا آدم الأسماء كلها”؛ وهي من جهة أولى تحتل الرتبة الرابعة من حيث عدد الناطقين بها، إذ يتجاوز عددهم 365 مليون نسمة ينتمون إلى 60 دولة، وفقا لدراسة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة.

ومن جهة ثانية تصنف اللغة العربية من ضمن اللغات الست الرسمية التي تصدر بها منظمة الأمم المتحدة تقاريرها، ويتم الاحتفال بها من قبل هاته الأخيرة في يوم عالمي، في الثامن عشر من دجنبر من كل سنة. ومن جهة ثالثة تأثرت بها العديد من الحضارات والثقافات، ففي أسيا توجد حوالي 25 لغة يتم كتابتها بحروف عربية، في حين تضمنت اللغة الإنجليزية أكثر من ألف كلمة عربية، لتصنفها الأبحاث المتعددة بكونها أضخم اللغات ثروة وأصواتا ومقاطع وحروفا وتعبيرات.. وهي نفسها التي استعملتها البشرية لقرون عدة إبان العصر الذهبي للحضارة الإسلامية كلغة العلم بلا منازع في شتى الفنون، من رياضيات وفيزياء وكيمياء وهندسة وفلسفة… وكانت كذلك مرجعا للتدريس بالجامعات الغربية إلى غاية القرن التاسع عشر، ككتب ابن سينا في الطب والخوارزمي في الرياضيات وابن الهيتم في الفيزياء، حيث بقي لموروثهم العلمي السبق والفضل حتى عصرنا الحاضر.

طالع أيضا  لغة التدريس والإرادة السياسية الحرة: الأمير محمد عبد الكريم الخطابي رحمه الله نموذجا

هذا الأمر يحتم علينا ضرورة إيلاء العناية والاهتمام بلغتنا العربية مع اليقظة والانتباه إلى صراع الحضارات والثقافات القائم بين الأمم، والذي يأخذ أحيانا أبعادا عسكرية وأحيانا أخرى حربا ناعمة في إطار الصراع الحضاري والثقافي، إذ يشن خصومنا على هويتنا العربية والإسلامية والوطنية حربا ضروسا من خلال ضرب أبعادها القيمية، مما ينبغي معه الحذر من الوقوع في شرك دين الانقياد ونحلة الغالب التي حذرنا منها ابن خلدون في مقدمته، بقوله: “إن النفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظرة بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب”.